قال أبو تمام:
فاعقل بنضو الدار نضوك يقتسم فرط الصبابة مسعد وحزين (١)
لا تمنعني وقفة أشفي بها داء الفراق فإنها ماعون
واسق الأثافي من دموعك ريها إن الضنين بدمعه لضنين
استعار للدار اسم «النضو» لدروسها، من أجل قوله: «نضوك»، يريد بعيره، وذلك رسمه ومذهبه في الاستعارة.
وقوله: «يقتسم فرط الصبابة مسعد وحزين» فإن المسعد ليس عنده من الصبابة ما عند الحزين؛ لأن الصبابة رقة الشوق، فما في المسعد من الاشتياق؟ وكيف فرط الاشتياق؟
والقريب من الصواب قول البحتري:
هل مغرم يعطى الهوى حق الجوى منكم فينفد دمعه، أو مسعد (٢)
أي هل مغرم منكم يبكي لغرامه كما أبكي أو مسعد؟ لأن المسعد قد يبكي لبكاء صاحبه وإن لم تك هناك صبابة، أو أن يكون أراد بالمسعد من يقف معه يتألم له ولا يعنفه.
وقول أبي تمام يتجاوز في مثله: لأن الهائم الصب إذا وجد من يرق له ويرحمه ويظهر الاغتمام بأمره، يخيل إليه أن من شأنه أن يحزن كحزنه، ويبكي كبكائه وقد قال البحتري في مثل هذا:
[ ١ / ٥٤١ ]
هلا بكيت وقد رأيت بكاءه ودنفت حين سمعت شكوى المدنف
فلأجرين الدمع إذ لم تجره ولأعرفن الوجد إذ لم تعرف
وأنا المعنف في الصبابة والصبى وعليهما إن كنت غير معنف (١)
فأراد من صاحبه أن يدنف كدنفه، كما أراد أبو تمام من صاحبه أن يقاسمه فرط الصبابة.
وقد قال كثير:
خليلي هذا رسم عزة فاعقلا قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت (٢)
فأراد هذا أيضًا من خليله أن يبكيا على رسم عزة.
وقال أبو تمام فجرى على المنهج المستقيم في مخاطبة الأصحاب:
ما في وقوفك ساعة من باس نقضي ذمام الأربع الأدراس (٣)
فلعل عينك أن تجود بمائها والدمع منه خاذل ومواسي (٤)
لا يسعد المشتاق وسنان الهوى يبس المدامع بارد الأنفاس (٥)
فقال: «وسنان الهوى» (٦) أي نائم الهوى، أي من لا هوى له، فهو بس المدامع بارد (٧) الأنفاس، فلا يكون منه إسعاد.
ومن كان في قلبه هوى فانفاسه حارة لحرارة قلبه، فأتاك ههنا بعين الصواب، وحقيقة أمر الصاحب، فأحسن وأجاد.
[ ١ / ٥٤٢ ]
ومثله قول البحتري:
يأبى الخلي بكاء المنزل الخالي والنوح في دمن أقوت وأطلال (١)
وذو الصبابة ما ينفك ينصبه وجد تأبد آي الدمنة الخالي (٢)
قوله: «تأبد» أي صار فيها أوابد الوحش، ويقال: تأبد المنزل: إذا طال عليه الأبد.
ونحو هذا قول أبي تمام أيضًا:
أقول لقرحان من البين لم يضف رسيس الهوى بين الحشا والترائب (٣)
أعني أفرق شمل دمعي فإنني أرى الشمل منهم ليس بالمتقارب
وما صار يوم الدار عذلك كله عدوي حتى صار جهلك صاحبي (٤)
وما بك إركابي من الرشد مركبًا ألا إنما حاولت رشد الركائب
فكلني إلى شوقي وسر يسر الهوى إلى حرقاتي بالدموع السوارب
قوله: «أقول لقرحان من البين» أي التمست المعونة والمساعدة في الوقوف على الدار معي ممن لم يذق مفارقة الأحباب ولم يعرف الهوى؛ كأنه ينكر ذاك على نفسه.
والقرحان: هو الذي لم يخرج به الجدري، وليس به آثاره ولا آثار غيره من القروح، وقيل له قرحان، على العكس، كما قيل للأسود: أبو البيضاء، والمهلكة: مفازة، ونحو هذا، فجعل أبو تمام من لم يعشق ولم يفارق الأحباب قرحانًا، على التشبيه، كما قال جرير:
[ ١ / ٥٤٣ ]
* لو كنت من زفرات الحب قرحانا (١) *
ثم قال:
وما صار يوم الدار عذلك كله عدوي حتى صار جهلك صاحبي
فأراد أنه قد عذله على الوقوف والبكاء وأنه كره عذله وشق عليه، فصار عذله عدوًا له، وإنما أراد عداوته في نفسه، ثم قال: «حتى صار جهلك صاحبي»، أي إنما استفرغت عذلك وأنهيت فيه حتى انطلقت معك فصار جهلك صاحبي، وإنما أراد حتى اصطحبتك على جهلك بحالي وأنك غير مجانسي ولا على سجيتي وطباعي في الهوى وتجربته.
ثم قال: «وما بك إركابي من الرشد مركبًا» أي لم تقصد بعذلك إياي قصد من يريد رشدي وصرفي عن الهوى وتسليتي؛ وإنما حاولت رشد الركائب، يعني الإبل، وهي جمع ركوبة، لئلا يطول وقوفها في الدار وترددها واحتباسها، فيتضاعف كلالها ويشق ذلك عليها.
ثم قال: «فكلني إلى شوقي وسر يسر الهوى إلى حرقاتي».
فإما أن يكون قال له هذا قبل أن ينطلق معه أي سر أنت ودعني؛ أو يكون قال هذا وهو سائر معه لما علم أنه لا يقف عليه، وأنه ماض وتاركه، ما يقول المكره: والله ما أريد التوجه، وهو متوجه.
وهذا من معاني أبي تمام التي يسأل الناس عنها، وليس له إن شاء الله وجه غير ما ذكرته.
وهذه العويصات في الشعر هي شر مذاهبه، وأرداها وأقلها حلاوة.
ومن رديء ما جاء في هذا الباب، قوله:
[ ١ / ٥٤٤ ]
ما عهدنا كذا نحيب المشوق كيف والدمع آية المعشوق (١)
كأنه يقول لنفسه: ما عهدنا كذا نحيب المشوق؛ أو أن يكون حكى قول أصحابه، وأراد أن يقول: بكيت فانتحبت، فقالوا: ما عهدنا كذا نحيب المشوق، وأراد أن يقول: فقلت لهم: كيف والدمع، فاقتصر على حكاية كلامهم وجوابه، وأسقط قالوا؛ فقلت: وكان الأجود أن يقول: آية العاشق، لأن من علامات المحب البكاء، وقال: آية المعشوق، أي أن دمعي علامة لمن أحبه في أنى عاشقه، وهذا لا يكون جوابًا صحيحًا عما أنكروه عليه من شدة نحيبه، لأنه لم يبك ليعلمها أنه عاشق، وإنما بكى من شدة وجده، وإنما كان يصح أن يكون جوابًا عنه أن لو كان صدر البيت:
* حسبتني في الحب غير صدوق *
فيقول:
* كيف والدمع آية المعشوق *
أي كيف لا أكون صدوقًا في حبي ودمعي آية لك يشهد بأني محب.
فهذا كان وجه هذا.
وعلى أن آية العاشق ههنا أيضًا أجود.
والدليل على أن قوله:
* ما عهدنا كذا نحيب المشوق (٢) *
إنما هو حكاية كلام من عنفه على النحيب أنه وصله بأن قال:
فأقلا التعنيف إن غرامًا أن يكون الرفيق غير رفيق
[ ١ / ٥٤٥ ]
واستميحا الجفون درة دمع في دموع الفراق غير لصيق
إن من عق والديه لملعو ومن عق منزلًا بالعقيق
وقفا العيس ملقيات المثاني في محل الأنيق مغنى الأنيق (١)
قوله: «أن يكون الرفيق غير رفيق» أي أن يكون جافيًا عسوفًا غير رفيق بمن يصاحبه.
وقوله: «في دموع الفراق غير لصيق» أي ابكيا بدمع لا يشبه دمع من فارق أحبابه، أي ابكيا وإن لم يكن وراء البكاء حرقة، ولا لاعج هوى، أي على وجه الإسعاد، فأورده بهذا اللفظ الرديء.
وقوله: «إن من عق والديه لملعون» البيت، من أحمق المعاني! وأسخفها وأقبحها، وقد زاد في الحمق بهذا المعنى على معنى البيت الذي قبله، وطم عليه وعلى كل جهالاته في معانيه؛ لأنه لم يقنع بأن يبعث صاحبيه على الوقوف معه والوقوف على المنزل، والبكاء حتى جعل كل من يقف ويعرج كائنًا من كان من الناس: من خاص وعام، وباد وحاضر، ومجتاز وغير مجتاز، ومفارقة لأحبابه وغير مفارق، ملعونًا إذا لم يقف على المنزل بالعقيق، لأن ظاهر المعنى العموم، وما المستحق والله للعن (٢) غيره!، إذ رضي لنفسه بمثل هذا السخف.
وقوله: «في محل الأنيق مغنى الأنيق» قول مالبرد (٣) معناه ولفظه نهاية.
[ ١ / ٥٤٦ ]
وقال أيضًا:
نحرت ركاب القوم حتى يغبروا رجلي لقد عنفوا علي ولامو (١)
وقفوا على اللوم حتى خيلوا أن الوقوف على الديار حرام
وهذا معنى جيد حسن صحيح.
وقال أيضًا:
أراك أكبرت إدماني على الدمن وحملي الشوق من باد ومكتمن (٢)
لا تكثرن ملامي إن عكفت على ربع الحبيب فلم أعكف على وثن
سلوت إن كنت أدري ما تقول إذا جعلت أنملة الأحزان في أذني (٣)
وهذا أيضًا معنى حسن ولفظ جيد.
وقوله: «أنملة الأحزان» أي يشغلني حزني عن أن أفهم ما تقول.
وقال أيضًا:
أجل أيها الربع الذي حف آهله لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله (٤)
وقفت وأحشائي منازل للأسى به وهو قفر قد تعفت منازله
أسائلكم ما باله حكم البلى عليه، وإلا فاتركوني أسائله
وهذا المعنى فيه اضطراب؛ لأنه قال: أسائلكم (٥) ما باله حكم البلى عليه وإلا فاتركوني أسائله، فما هذه المساءلة منه أو للربع في أن حكم البلى عليه وهو قد قدم السبب الذي من أجله بكى، وشرحه في البيت الأول بقوله:
[ ١ / ٥٤٧ ]
خف آهله، يقول: «لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله»، وهذا هو الذي أبلاه؛ لأنه إذا فارق أهله، وتعفت منازله فقد خرب وبلي.
وقال أيضًا:
حييت من طلل لم يبق لي طللا إلا وفيه أسى ترشيحه الذكر (١)
قالوا: أتبكي على رسم؟ فقلت لهم: من فاته العين هدى شوقه الأثر (٢)
قوله: «لم يبق لي طللا»، والطلل: ما شخص من آثار الديار، والطلل: شخص الإنسان وقامته، يقال: ما أحسن طلله، وإنما يريد طلل الدار، أي لم يبق لي طللًا في دياري ومواطني التي فارقتها، وأخليتها، وعكفت عليه، إلا وفيه أسى أي حزن من أهلي الذين فارقتهم عليَّ، ترشيحه الذكر: أي تنميته، وتربيته الذكر، أي ذكرهم لي (٣) يرشح الحزن على أن يمسكه، ويحفظه، ويقوم عليه حتى يبقى ولا يذهب.
ولا يجوز أن يريد بالطلل جملة شخصه وقامته، لأن ذلك يكون مثل قولك: ما لزيد إلا وفيه أثر، وما له رأس إلا وفيه شجة، وهذا خطأ؛ إذ ليس له إلا رأس واحد، وجسد واحد، والبيت الثاني جيد بالغ.
وقال البحتري:
لعمر المغاني يوم صحراء أرثد لقد هيجت وجدًا على ذي توجد (٤)
[ ١ / ٥٤٨ ]
منازل أضحت للرياح منازلًا تردد منها بين نؤي ورفدد (١)
شجت صاحبي أطلالها فتهللت مدامعه فيها وما قلت: أسعد
وهذا لعمري صاحب حسن الصحبة، ولعله كان له شجن وهوى، فلما وقف على الديار تذكر أحبابه فبكى.
وقال أيضًا:
خذا من بكاء في المنازل أودعا وروحا على لومي بهن، أو اربعا (٢)
فما أنا بالمشتاق إن قلت: أسعدا لنندب مغنى من سعاد ومربعا
ولي لوعة تستغرق الهجر والنوى جميعًا ودمع ينفد الحب أجمعا (٣)
وهذا معنى ذهب إليه في الإسعاد حسن جدًا.
ونحو هذا قوله:
فالدار تعلم أن دمعي لم يغض فأرح حامل منة من مسعد (٤)
ما كان لي جلد فيودي إنما أودى غداة الظاعنين تجلدي
وقال أيضًا على السبيل التي سلكها أبو تمام:
يا أخا الأزد ما حفظت الإخاء لمحب، ولا رعيت الوفاء (٥)
عذلًا يترك الحنين أنينًا في هوى يترك الدموع دماء
لا تلمني على البكاء فإني نضو شجو ما لمت فيه البكاء
كيف أغدو من الصبابة خلوًا بعد ما راحت الديار خلاء
[ ١ / ٥٤٩ ]
قف بها وقفة تردد عليها أدمعًا ردها الجوى أنضاء (١)
قوله: «نضو شجو ما لمت فيه البكاء» من المقلوب، وكان يجب أن يقول: ما لمته في البكاء؛ فقال: ما لمت البكاء فيه.
ومثل هذا الشعر كثير، وإنما كان يصدر عن العرب على سبيل السهو، ولا يسوغه متأخر، ومنه ما هو حسن، وقد جاء مثله في القرآن.
فإن قيل: إن لفظ البيت مستقيم، وهو (٢) مستغن بمعناه ولفظه عن أن يتأول فيه القلب، وذلك أن البكاء ليس هو شيئًا غير سكب الدموع، وجريها على الخدود، فكما تلوم العين بكاها، وتلوم الدمع على انحداره مجازًا، فكذلك تلوم البكاء مجازًا.
قيل: هذا عدول عن القياس وصحيح التمثيل، وإنما كان ينبغي أن يقول: فكما تلوم انحدار الدمع الذي هو البكاء، فكذلك تلوم البكاء، هذا وجه المعارضة، فإن كنت تلوم انحدار الدمع فقد صح اعتراضك، وإن كنت لا تلومه، وهو البكاء، فلم تلوم البكاء.
ومع هذا فقد جرت العادة بلوم العين على البكاء، ولوم الدمع على الانحدار، ولومها أيضًا على الامتناع، وقالت الشعراء في ذلك ما هو معروف مشهور، ومنه قول متمم بن نويرة يبكي أخاه مالكًا:
عذرتك يا عيني الصحيحة في البكا فما أنت يا عواراء والهملان (٣)
[ ١ / ٥٥٠ ]
فعذر [عينًا] (١) ولام أخرى:
وقال بعض المتأخرين (٢):
لا جزى الله دمع عيني خيرًا وجزى الله كل خير لساني
كنت مثل الكتاب أخفاه طي فاستدلوا عليه بالعنوان
فلام هذا دمعه؛ لأنه فضحه، كما لام ذلك عينه، وما علمنا أحدًا لام البكاء، ومعنى ذلك مفهوم؛ لأن البكاء قد جعل فعلًا للعين على المجاز، والسيلان فعل الدمع، فيقال: بكت عيني، وسال دمعي، فإذا لمنا العين على بكاءها، ولمنا الدمع على انحداره؛ كان ذلك حسنًا جميلًا، لأنا إنما لمنا فاعلًا على فعله، كما نلوم الفاعل الذي فعله حقيقة على فعله، ولكن لا نلوم فعله؛ لأنا إذا لمنا الباكي على أن فعل البكاء، فنلوم البكاء على أن فعل ماذا؟
فإن قيل: على أن كثر واتصل منه.
قيل: فهل سمعت أحدًا قط قال: يا بكاء لم كثرت، ولم اتصلت؟
كما يقال يا عين لم بكيت؟ فإني ما أظن أن أحدًا يقدر أن يقول: إنه سمع بهذا، وذلك أن الإكثار والاتصال إنما هما حركات الفاعل بالفعل، فالباكي هو الذي أكثر البكاء وواصله، لا أن البكاء فعل ذلك بنفسه.
فالمجاز لا يتسع لأن نلوم البكاء كما نلوم العين، ولا أن نلوم انحدار الدمع كما نلوم الدمع، ولا تنتهي الاستعارة إلى هذا الموضع.
ولو حملنا البكاء الذي هو فعل الفاعل على المجاز فلمناه كما نلوم الباكي، لحسن أيضًا أن نلوم الجزع كما نلوم الجازع، ونلوم الغضب
[ ١ / ٥٥١ ]
كما نلوم الغضبان، ونلوم الضحك الذي هو ضد البكاء كما نلوم البكاء.
وما أكثر ما تحمل الأشياء على أضدادها، وما علمت مثل هذا جرى في توسع ولا مجاز: لأن «لمت» ليس هذا موضعها، وإنما هو موضع أحمدت، وذممت [وكرهت] (١) وأنكرت، وأشباهها، وهذه حقائق (٢) وليس كل شيء يحمل على المجازات.
فإن استجزنا أن نلوم البكاء فينبغي أن نلوم أيضًا الضرب، والقتل، والقيام، والقعود، والركوب، والنزول، والأكل، والشرب، وسائر أفعال الفاعلين، ونعذلها أيضًا، ونوبخها؛ لأن العذل والتوبيخ في معنى اللوم.
ونلوم أيضًا النحيب، والشهيق، والزفير، والنشيج كما نلوم البكاء.
وإذا لمنا أيضًا اليد على أن لم يشتد قبضها على الشيء مجازًا لمنا القبض أيضًا مجازًا، وكذلك الرجل إن لمناها على أن عجزت عن المشي، لمنا المشي أيضًا، وعنفناه، وركبنا مجازًا على مجاز، وتوسعًا على توسع.
وهذا ما لم يسمع بمثله في لغة من اللغات.
فعلى كل الأحوال حمل بيت البحتري على القلب الذي قد استعملته العرب في مجازاتها، ونطق به القرآن بوجه منه حسن، وسطره أهل العلم بكلام العرب في كتبهم أولى من حمله على وجه غير مستعمل، ولا معروف، ولا سائغ.
وقد قال المبرد: إن العرب كانت تستعمل القلب لاختصار الكلام، وإقامة الأوزان، وإصلاح القوافي (٣)، وأنشد للفرذدق يصف ذئبًا:
[ ١ / ٥٥٢ ]
وأطلس عسال وما كان صاحبًا رفعت لناري موهنًا فأتاني (١)
وقال (٢): أراد رفعت له ناري: فقلب (٣)، فهذا الآن يقول: إن الوجه من القلب الذي ذكر بعض أهل اللغة أنه جاء في كلامهم على سبيل السهو والغلط، أنهم كانوا يفعلونه اعتمادًا، وإذا اعتمدت العرب الشيء ضرورة لم يكن ذاك لمتأخر.
وههنا مع هذا وجهان قويان جيدان يحتملهما بيت البحتري، ويجري على تأليف لفظه، لا على القلب:
أحدهما: أن يكون أراد: لا تلمني على البكاء فإني ذو حزن ما لمت فيه على البكاء، فأسقط «على» كعادة العرب الجارية في حذف حروف الصفات للإيجاز والاختصار فوصل الفعل إلى البكاء فنصبه، وهذا معنى قريب جدًا.
وثل قولهم: جزيتك إحسانك، أي على إحسانك، وعن إحسانك، وقولهم نزلتك، بمعنى نزلت عليك، ونزلت (٤) بك، وهذا من أفصح اللغات وأبلغها، وهو مسطور في كتبهم، وكذلك شغبتك بمعنى شغبت عليك (٥) حكاها أبو زيد.
ومما هو جائز [وجار] (٦) في كلامهم، كلام أهل البدو والحضر- قولهم: بكيت فلانًا، بمعنى بكيت عليه.
وأنشدنا «أبو الحسن الأخفش» قراءة عليه في الكتاب الكامل عن المبرد لأعرابي:
[ ١ / ٥٥٣ ]
فمن يك لم يفرض فإني وناقتي بححر إلى أهل الحمى غرضان (١)
تحن فتبدي ما بها من صبابة وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
أراد لقضى علي، قال المبرد: فأخرجه لفصاحته، وعلمه بجواهر الكلام أحسن مخرج (٢).
وقال عنترة:
ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنال به كريم المأكل (٣)
أي أظل عليه.
قال: ومثله قول الله تعالى: "واختار موسى قومه سبعين رجلًا" (٤) أي من قومه.
وقول الشاعر:
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب (٥)
أي أمرتك بالخير:
وقول الفرذدق:
ومنا الذي اختير الرجال سماحة وجودًا إذا هب الرياح الزعازع (٦)
أي من الرجال، وأشباه لهذا كثيرة.
[ ١ / ٥٥٤ ]
وأنشد أبو مسحل:
سقى الله من يسقي حمامة دارها على فرضة من ماء شرب يقومها (١)
أراد يقوم عليها، وقال: يقال: قام فلان اليوم الماء بين القوم، إذا قسمه بينهم، ومعناه قام على الماء، فلما حذف «على» نصب.
فكذلك قول البحتري: ما لمت فيه البكاء، أي على البكاء.
والوجه الآخر: أن يكون أراد: لا تلمني على البكاء فإني ذو حزن ما لمت فيه ذوي البكاء، وأهل البكاء، فأسقط المضاف فوصل الفعل إلى البكاء فنصبه، وذلك على عادة العرب المستمرة في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ومنه قوله تعالى: "فليدع ناديه" (٢) أي أهل ناديه، "واسأل القرية" (٣) أي أهل القرية، وقول مهلهل:
* واستب بعدك يا كليب المجلس (٤) *
أي أهل المجلس، وقول الله تعالى: "ولكن البر من آمن بالله" (٥) أي بر من آمن بالله، وقوله تعالى جده: "إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات" (٦) أي ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات.
وأوكد من ذلك كله قول الله تعالى: "وأشربوا في قلوبهم العجل" (٧).
أي حب العجل.
وكذلك قول البحتري: لا تلمني على البكاء فإني ما لمت في هذا الحزن ذو بكاء، أو أهل البكاء، وأسقط «أهل» وأقام البكاء مقامه.
[ ١ / ٥٥٥ ]
وهذا يستوي فيه القدماء والمتأخرون جميعًا؛ لأنه خارج عن الضرورة.
فهذان وجهان في غاية القوة والصحة، والمعنى: لا تلمني على البكاء؛ فإني ما لمت في هذا الشجو باكيًا، لأنه يحق في مثله البكاء، لعظم تأثيره في النفس، وتخونه (١) للجلد، وذهابه بالصبر، ونحو هذا.
وقوله بعده:
كيف أغدو من الصبابة خلوًا بعد ما راحت الديلر خلاء
أي لا تلمني على البكاء؛ فإني [إن] (٢) لم أبك وقد خلت الديار من أهلها فلست ذا صبابة، يقول: إنه يكون إن لم يبك والخلي الذي ليس في قلبه هوى، بمنزلة واحدة، وإذا خفف البكاء من صبابته فقد قضى حق المحبة على كل حال.
وقال البحتري أيضًا:
أحرى الخطوب بأن يكون عظيمًا قول الجهول: ألا تكون حليما (٣)
قبحت من جزع الشجى محسنًا ومدحت من صبر الخلى ذميما
وقال أيضًا:
ماذا عليك من انتظار متيم بل ما تضرك وقفة في منزل (٤)
إن قيل عي عن الجواب فلم يطق رجعًا فكيف يكون إن لم يسأل
لا تكلفن لي الدموع فإن لي دمعًا يتم علي إن لم يفضل (٥)
[ ١ / ٥٥٦ ]
قوله: «يتم علي إن لم يفضل» مثل قوله:
* ودمع ينفد الحب أجمعا (١) *
ومثل قوله أيضًا:
سارت مقدمة الدموع وخلفت حرقًا توقد في الحشا ما ترحل (٢)
إن الفراق كما علمت فخلني ومدامعًا تسع الفراق وتفضل
قال: «سارت مقدمة الدموع وخلفت حرقًا» ثم قال: «فخلني ومدامعًا تسع الفراق وتفضل» ومقدمة الشيء ليس هو الشيء بأسره، إنما مقدمة الجيش: ما يتقدمه من جملته، ويبقى سائره متأخرًا، فقال: «رحلت مقدمة الدموع»، يعني يوم المفارقة، ثم قال: «فخلني ومدامعًا» يريد جملة الدمع المتأخر الذي هو مقرون بالحرق المقيمة التي ذكرها.
وقال في نحوه أيضًا:
خلياه ووقفة في الرسوم يخل من بعض بثه المكتوم (٣)
ودعاه لا تسعداه بدمع حسبه فيض دمعه المسجوم
سفه منكما وإفراط لوم أن تلوما في الحب غير مليم
وقال في نحوه أيضًا:
إن تلك الطلول من وهبينا أحزنت خاليًا، وزادت حزينا (٤)
فاتركاني فما أطيع عذولًا واخذلاني فما أريد معينا
وقال أيضًا:
ومن الجهالة أن تعنف باكيًا وقف الغليل به على مجهولها (٥)
[ ١ / ٥٥٧ ]
إن الدموع هي الصبابة فاطرح بعض الصبابة تسترح بهمولها
وهذا معنى حسن معروف، والدموع ليست الصبابة، لأن الصبابة؛ رقة الشوق، وإنما يبكي الباكي من شدة صبابته، ولما كانت الصبابة تخف بالبكاء، وتذهب بذهاب الدمع قال: إن الدموع هي الصبابة، أي إنها تذهب بذهابه، وتمضي بمضيه، أي فدعني أبكي؛ فإني أستريح بهمول الدمع.
وقال أيضًا:
وما انفك رسم الدار حتى تهللت دموعي وحتى أكثر اللوم صاحبي (١)
وقفنا فلا الأطلال ردت إجابة ولا العذل أجدى في المشوق المخاطب
تمادت عقابيل الهوى وتطاولت لجاجة معتوب عليه وعاتب
وهذا معنى حسن، ولفظ له ماء ورونق، وهو أجود وأسلم من قول أبي تمام:
وما صار يوم الدار عذلك كله عدوي حتى صار جهلك صاحبي (٢)
وقال أيضًا:
في غير شأنك بكرتي وأصيلي وسوى سبيلك في السلو سبيلي (٣)
بخلت جفونك أن تكون مساعدي وعلمت ما كلفي فصرت عذولي (٤)
جار الهوى يوم استخف صبابتي لخلى ما تحت الضلوع ملول
أي جار الهوى علي لخلى ما تحت الضلوع، أي لخلى من الهوى، أي جار علي له.
[ ١ / ٥٥٨ ]
وقال أيضًا:
ما أنت للكلف المشوق بصاحب فاذهب على مهل فليس بذاهب (١)
عرف الديار وقد سئمن من البلى ومللن من صوب السحاب الصائب (٢)
فأراك جهل الشوق بين معالم منها وجد الدمع بين ملاعب
قوله: «على مهل» لست أراه مفيدًا شيئًا، وما أظنها إلا حشوًا، وهذا [من مواضع] (٣) قولهم: فامض لشأنك، وامض لسبيلك.
وقال أيضًا:
بعض هذا العتاب والتفنيد ليس ذم الوفاء بالمحمود (٤)
ما بكينا على زرود ولكنـ ـنا بكينا أيامنا في زرود
ودموع المحب إن عصت الذ ال كانت طوع النوى والصدود (٥)
وهذا من أحسانه المشهور (٦).
وقال أيضًا:
فيم ابتداركم الملام ولوعا أبكيت إلا دمنة وربوعا (٧)
عذلوا فما عدلوا بقلبك عن هوى ونهوا فما وجدوا الشجى سميعا (٨)
[ ١ / ٥٥٩ ]
وقال أيضًا:
يا وهب هب لأخيك وقفة مسعد يطعي الأسى من دمعه المبذول (١)
أو ما ترى الدمن المحيلة تشتكي غدرات عهد للزمان محيل
إن كنت تنكرها فقد عرف البلى قدمًا معارف رسمها المجهول (٢)
وقال أيضًا:
وقفنا فحيينا لأهلك باللوى ربوع ديار دارسات المعالم (٣)
ذكرنا الهوى العذري فيها فأنسيت عزاها مشوقات القلوب الهوائم
خلعنا بها عذر الدموع فأقبلت تلوم وتلحى كل لاح ولائم
وهذا كله على اختلاف معانيه، جيد بالغ، وحلو نادر.
وقال أيضًا:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلًا مقصرًا من صبابة أو مطيلا (٤)
قف مشوقًا أو مسعدًا، أو حزينًا أو معينًا، أو عاذرًا، أو علولا
قد وسع البحتري على هذا الصاحب كل السعة، أي قف على أية حال كنت عليها من هذه الأحوال، ولو أن تعذل بعد أن تتلوم علي، ولا تنصرف عني فإني أحتمل عذلك، وهذه غاية النصفة، ثم أتبع هذا بأن قال:
إن بين الكثيب فالجزع فالآ ـرام رسمًا لآل هند محيلا (٥)
أبلت الريح والروائح، والأ ـيام منه معالمًا، وطلولا (٦)
[ ١ / ٥٦٠ ]
وخلاف الجميل قولك للذا كر عهد الأحباب: صبرًا جميلا
لا تلمه على مواصلة الد مع فلؤم لوم الخليل الخليلا
عل ماء الدموع يخمد نارًا من جوى الحب، أو يبل غليلا
وبكاء الديار مما يرد الشو ق ذاكرًا، والحب نضوًا ضئيلا
لم يكن يومنا طويلًا بنعما ن ولكن كان البكاء طويلا
قوله: «أبلت الريح والروائح» فالروائح: السحائب التي تمطر النهار بأسره، وتروح عشيا.
وقوله: «مما يرد الشوق ذاكرًا» أي يخففه حتى يصير تذكرًا لا يليق، ولا يزعج كإقلاق الشوق.
«والحب نضوًا» أي يرد الحب نضوًا، أي يخفف الهوى، ويصغره؛ لأنه يرى الدار، وخلوها من أهلها، وييأس فيبكي ويستريح، فذلك هو تصغير الحب.
وقوله: «لم يكن يومنا طويلًا بنعمان» ينبغي أن يكون هذا اليوم كان يوم توديع لم يكن طويلًا؛ لأن يوم مشاهدتهم ورؤيتهم لا يستطيله بل يستقصره، قال: «ولكن كان البكاء طويلا».
وهذا خلاف قول أبي تمام:
* يوم الفراق لقد خلقت طويلا (١) *
وأنا أستقصي الكلام في هذا عند ذكر بيت أبي تمام في «باب الفراق»،
[ ١ / ٥٦١ ]
ومن جيد هذا الباب قول البحتري:
عرجوا فالدموع أن أبك في البـ ـع دموعي، والاكتئاب اكتئابي (١)
وكمثل الأحباب لو يعلم العا ذل عندي منازل الأحباب
وهذا نحو قول امريء القيس:
* قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *
فجعل البكاء للحبيب والمنزل جميعًا
ولا تزيد زيادة في لوم الأصحاب على حسن قول كثير:
يقول خليلي: سر بنا أي موقف وقفت، وجهل بالحليم المعمم
تلوم ولم تعلم بأسرار خلة فتعذر إلا عن حديث مرجم
فإن كنت لم أجهل فقد لمت ظالمًا وإن كنت قد أزرى بي الجهل فاحلم (٢)
أراد أي موقف هذا الذي وقفته، يقول لي الأحباب: سر أي موقف، كأنه يحكي إنكار صاحبه عليه الوقوف.
[ ١ / ٥٦٢ ]