قال أبو تمام:
من سجايا الطلول ألا تجيبا فصواب من مقلة أن تصوبا (١)
فاسألنها واجعل بكاك جوابًا تجد الشوق سائلًا ومجيبا (٢)
وقد ذكرت هذا الابتداء في الابتداءات (٣).
وقوله: «فاسألنها واجعل بكاك جوابًا»، لأنه قال (٤): من سجاياها ألا تجيب، فليكن بكاؤك الجواب؛ لأنها لو أجابت: أجابت بما يبكيك، أو لأنها لما لم تجب علمت أن من كان يجيب قد رحل عنها، فاوجب ذلك بكاءك.
وقوله: «تجد الشوق سائلًا ومجيبًا»، أي أنك إنما وقفت على الدار وسألتها لشدة شوقك إلى من كان بها، ثم بكيت شوقًا إليهم، فكان الشوق سببًا للسؤال، وسببًا للبكاء.
وهذه فلسفة حسنة، ومذهب من مذاهب أبي تمام، وليس على مذاهب الشعراء ولا طريقتهم، ومثله قوله:
تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد ودع حسى عين يجتلب ماءه الوجد (٥)
[ ١ / ٤٩٩ ]
إذا انصرف المحزون قد فل صبره سؤال المغاني فالبكاء له رد (١)
فالجرع: الموضع من الأرض له ارتفاع، ويقال هو حزن، ويقال هو سهل يشبه الرمل، والجمع: اجراع.
وقوله: «فالبكاء له رد»، أي للسؤال، على معنى قوله:
* تجد الشوق سائلًا ومجيبا *
ولم يسلك البحتري هذه الطريق، بل جرى في هذا الباب على مذاهب الناس فقال:
وقفنا على ذات النخيلة فانبرت سواكب قد كانت بها العين تبخل (٢)
على دارس الآيات عاف تعاقبت عليه صبًا ما تستفيق وشمأل
فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا ولا نحن من فرط البكا كيف نسأل (٣)
وقول أبي تمام وإن كان فيه دقة وصنعة، فهذا عندي أولى بالجودة، وأحلى في النفس، وألوط بالقلب، وأشبه بمذاهب الشعراء.
ومثله في الحسن والجودة والحلاوة قوله:
خلفت بعدهم ألاحظ نية قذفًا وأنشد دارسًا مترسما (٤)
طللًا أكفكف فيه دمعًا معربًا بجوى واقرأ فيه خطًا أعجما (٥)
تأبى رباه أن تجيب ولم يكن مستخبر ليجيب حتى يفهما
[ ١ / ٥٠٠ ]
وقال أبو تمام:
قد مررنا بالدار وهي خلاء فبكينا طلولها والرسوما (١)
وسألنا ربوعها فانصرفنا بشفاء وما سألنا حكيما
وهذه معنى حسن حلو، ومذهب صحيح قد تقدم الناس فيه.
وقال البحتري في مثله أو قريب منه:
يا دار لا زالت رباك مجودة من كل غادية تعل وتنهل (٢)
فهمتنا دول الزمان وصرفه وأريتنا كيف الخطوب النزل (٣)
أراد تعل الربى وتنهل من كل غادية.
وقوله: «فهمتنا دول الزمان وصرفه» مع تمام البيت، وقريب من قول أبي تمام: «فانصرفنا بشفاء»، وإن كان أبو تمام إنما انصرف بشفاء من العلم بأهل الدار أنها منهم مقفرة.
والبحتري قد دل على هذا إلا أنه جاء في بيت بأسره، ومعنى أبي تمام جاء به في حكمة واحدة، وأتى بزيادة في غاية الحلاوة والصحة، وهو قوله: «وما سألنا حكيما».
فأبو تمام في هذا عندي أشعر من البحتري.
ومما يشبه قول أبي تمام: «فانصرفنا بشفاء»، أو يقاربه قوله:
[ ١ / ٥٠١ ]
وأبى المنازل إنها لشجون وهلى العجومة إنها لتبين (١)
وهذا بيت حسن، وقد ذكرته في الابتداءات (٢).
وقد قال مسلم بن الوليد:
وقفت على أطلال لهم فكأنها تفهم إلا أنها لم تحاور
وقال أبو تمام:
هل أثر من ديارهم دعس حيث تلاقى الأجراع والوعس (٣)
مخبر السائل الرذية في الـ أطلال أين الجآذر اللعس؟ (٤)
لا تسألنها فليس يسمع جرس الـ قول غلا شخص له جرس (٥)
وهذه أبيات متعسفة، ولفظ غير جيد، ومعنى غير حسن.
وقوله: الأجراع والوعس، فالأجراع: جمع جرع، مثل جبل وأجبال، وهو المكان من الأرض الذي فيه حزونة، ويقال بل هي سهلة غير أنها مرتفعة قليلًا، تشبه الرمل في سهولتها، ويقال أيضًا: أجرع وأجارع وجرعاء وجرعاوات وجرع وأجراع.
[ ١ / ٥٠٢ ]
والوعس: جمع وعساء، مثل حمراء وحمر، وهي: الرملة التي تغوص فيها الرجل، وإذا ذكروا قالوا: أوعس.
وقد تصرف البحتري في هذا الباب تصرفًا كثيرًا حسنًا فقال في قصيدته التي أولها: «هجرت وطيف خيالها لم يهجر»:
مستهتر بالظاعنين وفيهم صد يضرم لوعة المستهتر (١)
يسل المنازل عنهم وعلى اللوى دمن دوارس إن تسل لا تخبر (٢)
ومن السفاهة أن تظل مكفكفًا دمعًا على طلل تأبد مقفر
وهذا كلام فحل، ومعان جيدة صحيحة مستقيمة.
ومثل هذا في الجودة والبراعة قوله:
هويناك من لوم على حب تكتما وقصرك نستخبر ربوعًا وأرسما (٣)
تحمل منها منجد من خليطهم أطاع الهوى حتى تحول منهما (٤)
وما في سؤال الدار إدراك حاجة إذا استعجمت آياتها أن تكلما
قوله: هويناك، تصغير هوينك، والهون: المهل، يقال: سر على مهل، وتكلم على مهل، ويقال للمتكلم: هونًا: أي مهلًا، وهونك: أي مهلك، أي الزم مهلك ولا تعجل.
وأراد البحتري ارفق واكفف من لومك، ألا تراه وكد ذلك بقوله: «وصرك نستخبر»، أي أقصر.
ووجدت بعضهم يستهجن هذه اللفظة، كأنه كره أن يكون مبتدأ
[ ١ / ٥٠٣ ]
بها، وليست عندي بمكروهة ولا مستهجنة، وهو ابتداء إن لم يكن من جيد ابتداءاته ونادرها، فليس هذا من رديئها.
ووصل هذا بأن قال:
نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع تلاحقن في أعقاب وصل تصرما
وتيمني أن الجوى غير مقصر وأن الحمى وصف لمن حل بالحمى
فقوله: «نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع»، يعني الدار، بعد قوله: «وما في سؤال الدار إدراك حاجة» لأنه لما لم يجد في سؤالها إدراك حاجة.
وهذا قريب من قول أبي تمام:
فاسألنها واجعل بكاك جوابًا تجد الشوق سائلًا ومجيبا (١)
وقوله: «وأن الحمى وصف لمن حل بالحمى»، غير جيد، وهو من توليدات المتأخرين، وأصل من أصول أبي تمام التي يعمل عليها.
وقوله: «نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع»، خطأ اتبع فيه أبا تمام في قوله:
دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة فلباه طل الدمع يجري ووابله (٢)
وقد شرحت المعنى فيما تقدم (٣).
وقال البحتري:
وبذي الأراكة من مصيف لابس نسج الرياح ومربع مهضوب (٤)
[ ١ / ٥٠٤ ]
دمن لزينب قبل تشريد النوى من ذي الأراك بزينب ولعوب
تأبي المنازل أن تجيب ومن جوى يوم الديار دعوت غير مجيب
وهذا من جيد شعره، وبارع ألفاظه، ومتقن معانيه.
وقال أيضًا:
إذا شئت أجرت أدمعي من شؤؤنها ربوع لها بالأبرقين وأرسم (١)
وقفت بها والركب شتى سبيلهم يفيضون منهم عاذرون ولوم
هي الدار إلا أنها لا تكلم عفا معلم منها وأقفر معلم
تقيض لي من حيث لا أعلم النوى ويسري إليَّ الشوق من حيث أعلم (٢)
وهذه أبيات جياد.
وقوله: «عفا معلم منها»، أي انمحى وذهب، «وأقفر معلم»، أي خلا من أهله، وفي هذا سؤال، وهو أن يقال: المعلم الذي عفا هو أيضًا مقفر؛ لأن المقفر: الخالي، فما وجه هذا التقسيم؟
والجواب: ان العافي: هو الذي قد ذهب وفني وعدم، فلا ينسب إلا أنه مقفر؛ لأن المقفر: الخالي، والخالي لا يكون معدومًا. فأراد الحبتري: أن معلمًا منها عفا، أي عدم، ومعلمًا بقي مقفرًا، أي خاليًا من أهله، كما يقول القائل في الرجلين: مات أحدهما وأعدم الآخر، فالميت لا يقال له معدم.
وقال البحتري:
أرسوم دار أم سطور كتاب درست بشاشتها على الأحقاب (٣)
[ ١ / ٥٠٥ ]
يجتاز زائرها بغير لبانة ويرد سائلها بغير جواب
قوله: «أرسوم دار» من ابتداءاته العجيبة لفظًا ومعنى، وقد ذكرته في بابه من الابتداءات (١).
وقوله: «يجتاز زائرها بغير لبانة» أي إذا عرج عليها زائرها في اجتيازه بها فإنه يجتاز، أي يجوزها ويمضي بغير حاجة قضيت له، وأراد: ينصرف عنها بغير لبانة، فجعل في موضع «ينصرف»، «يجتاز».
وقال البحتري أيضًا:
هب الدار ردت رجع ما أنت قائله وأبدى الجواب الربع عما تسائله (٢)
أفي ذاك برء من جوى ألهب الحشا توقده واستغزر الدمع جائله (٣)
وهذا معنى حلو، ومذهب حسن إلا أنه معنى صدر البيت في عجزه، وهذا قبيح من مثله، وجعل البيت الثاني معلقًا بالأول، والعذر له أن يقال: إنه جعل الدار غير الربع.
وقال أبو تمام في قصيدته التي أولها:
* أي مرعى عين ووادي نسيب *
فعليه السلام لا أشرك الأطـ لال في لوعتي، ولا في نجيبي (٤)
فسواء إجابتي غير داع أم دعائي بالقفر غير مجيب (٥)
[ ١ / ٥٠٦ ]
أخذه البحتري فقال:
أصبابة برسوم رامة بعدما عرفت معالمها الصبا والشمأل (١)
وسألت من لا يستجيب فكنت في اسـ تخباره كمجيب من لا يسأل (٢)
وبيت أبي تمام أجود.
قال أبو تمام:
لهم منزل قد كان بالبيض كالدمى فصيح المغاني ثم أصبح أعجما (٣)
ورد عيون الناظرين مهانة وقد كان مما يرجع الطرف مكرما (٤)
وهذا في غاية الحسن والحلاوة.
وقال البحتري:
منازل ما تجيب الصب من خرس ولا تريغ غلى شكواه من صمم (٥)
أقام ينشد شملًا غير متفق من آل ليلى وشعبًا غير ملتئم
قوله: «ما تجيب الصب من فرس»، أي ما تجيب الصب لخرسها، ولا تريغ إلى شكواه من صمم، أي لصممها.
وهذه أيضًا أبيات حلوة، حسنة الغرض.
[ ١ / ٥٠٧ ]
فهذا ما وجدته لهما في هذا الباب، وهما عندي فيه متكافئان، وأجود من كل ما قالاه من ذلك قول جميل:
أصبح الربع من بثينة فيا زاده طول ما تأبد عيا
وإن ما يبين رجع سؤال ولقد يسمع السؤال الخفيا
وقال المخبل:
وكأنما أثر النعاج بجوها بمدافع الركنين ودع جوار
وسألتها عن أهلها فوجدتها عمياء جافية عن الإخبار
وهذا كلام حلو جدًا.
وقال عوف بن عطية بن الخرع:
وقفت بها ما تبين الكلا م لسائلها القول إلا سرار (١)
أي إنا قد فهمنا عنها وإن لم تجب؛ فجعل ذلك سرارًا.
وقال ذو الرمة:
وقفنا فسلمنا فردت تحيتنا علينا ولم ترجع جواب المخاطب (٢)
الأصمعي يقول: من سرورنا بها رأينا أنها قد ردت علينا التحية وأجابتنا.
وقال غيره: ردت تحية، أي لم تقبلها منا.
[ ١ / ٥٠٨ ]