قال أبو تمام:
سيبتعث الركاب وراكبيها فتى كالسيف هجعته غرار (١)
أطل على كلى الآفاق حتى كأن الأرض في عينيه دار (٢)
غرار: قليل، وهذا البيت حسن جدًا، ولو كان في مدح خليفة ضبط الدنيا، وأحسن سياستها، ومراعاة كل ناحية منها، كان أحسن وأليق.
وإنما سرق المعنى من قول منصور النمري يمدح الرشيد:
وعين محيط بالبرية طرفها سواء عليه قربها وبعيدها
وقال:
سلي هل عمرت القفر وهو سباسب وغادرت ربعي من ركابي سباسبا (٣)
تغربت حتى لم أجد ذكر مشرق وشرقت حتى قد نسيت المغاربا (٤)
[ ٢ / ٢٦٣ ]
خطوب إذا لاقيتهن رددنني جريحًا كأني قد لقيت الكتائبا (١)
ومن لم يسلم للنوائب أصبحت خلائقه طرًا عليه نوائبا
وقد يكهم السيف المسمى منية وقد يرجع المرء المظفر خائبا
فآفة ذا أن لا يصادف صارمًا وآفة ذا أن لا يصادف ضاربا (٢)
قوله: «فآفة ذا أن لا يصادف صارمًا» ليس بالجيد؛ لأن الشجاع المظفر قد يقطع السيف الكهام في يده، ألا ترى إلى قول البحتري:
وما السيف إلا بز غاد لزينة إذا لم يكن أمضى من السيف حامله (٣)
وكان الأجود له أن يقول: فآفة ذا أن لا يصادف مغنمًا، أو مضربًا.
يعني المرء المظفر، وآفة ذا أن لا يصادف ضاربًا، يعني السيف، لأنه قد جعل آفته في أن صار كهامًا أي أنه لم يجد ضاربًا يضرب به، ولم يذهب إلى نحو قول الفرزدق:
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها وتقطع أحيانًا مناط القلائد (٤)
لأن هذا معنى آخر.
وقال أبو تمام:
وأخرى لحتني حين لم أتبع الهوى قيادي ولم ينقض زماعي ناقض (٥)
أرادت بأن يحوي الرغيبات وادع وهل يفرس الليث الطلى وهو رابض
وهذا بيت الباب كله، فإنه لا يمر فيه أجود منه، ولا أليق، ولا أحسن.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وعلى أنه معنى مأخوذ من مثل للأسد: قيل له: أم أنت غليظ الرقبة؟ فقال: لا ألزم خدري وأتكل في فريستي على غيري.
وقد سمعت فيه شعرًا أيضًا منظومًا، ولكن أبا تمام أحسن العبارة عن المعنى جدًا.
وقال:
إن خيرًا مما رأيت من الصفـ ـح عن النائبات والإغماض (١)
غربة تقتدي قيس بـ ـن زهير والحارث بن مضاض
غرضي نكبتين ما فتلا رأ يًا فخاخًا عليه نكث انتقاض (٢)
من أبن البيوت أصبح في ثو ب من العيش ليس بالفضفاض
والفتى من تعرفته الليالي والفيافي كالحية النضناض (٣)
صلتان أعداؤه حيث حلوا في حديث من ذكره مستفاض (٤)
كل يوم له بصرف الليالي فتكة مثل فتكة البراض
أبن البيوت: أقام بها ولزمها، والفضفاض: الواسع، والحية النضناض: هو الخفيف الكثير الحركة.
وقد عيب عليه قوله: «مستفاض»، وقالوا: إنما هو مستفيض، وقيل: إنه أراد مستفاض فيه، وليس ذلك بشيء (٥).
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وقد قاله البحتري أيضًا في قصيدته التي على هذا الوزن:
أفرطت لوثة ابن أيوب والشا ئع من ذكر أفنه المستفاض (١)
وقد نطق بها غير واحد من المتأخرين، وهي رديئة.
وذكرها الطرماح على غير هذا الوجه، فقال يصف حمار وحش:
ويظل المليء يوفي على القر ن عذوبًا كالحرضة المستفاض (٢)
القرن: الجيل، عذوقًا: رافعًا رأسه لا يذوق شيئًا.
شبهه بالحرضة، وهو رجل يجيء به أصحاب الميسر، رذل من الرجال ساقط، ويشدون عينه، ويدفعون إليه القداح فيفيض بها لهم، فقيل له: المستفاض؛ لأنه جعله مفيضًا، والإفاضة بالقداح هي أن يدفعها دفعة واحدة من الربابة إلى قدام، فيخرج من مخرجها الضيق قدح واحد، ويقوم الرقيب فيأخذه، وينظر: فإن كان لاظ له رده إلى الربابة، وقال للحرضة: أعد الجلجلة والإفاضة، وإن كان السهم من ذوات الحظوظ دفعه إلى صاحبه وقال له: اعتزل، فإن كان الفذ أخذ نصيبًا واحدًا وهو عشر الجزور، وإن كان غيره أخذ على قدر أنصبائه.
ولقيس بن زهير، والحارث بن مضاض في اغترابهما حديث وكذلك للبراض في فتكته، وأنا أذكر بجميع ذلك بعد الفراغ من [هذا] (٣) الباب بإذن الله.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وقال أبو تمام:
أعاذلتنا ما أخشن الليل مركبًا وأخشن منه في الملمات راكبه (١)
دعيني وأهوال الزمان أعانها فأهواله العظمى تليها رغائبه (٢)
ألم تعلمي أن الزماع على السرى أخو النجح عند النائبات وصاحبه؟! (٣)
دعيني على أخلاقي الصم التي هي الوفر أو سرب ترن نوادبه (٤)
فإن الحسام الهندواني إنما خشونته ما لم تفلل مضاربه
وقلقل نأي من خراسان جأشها فقلت اطمئني أنضر الروض عازبه (٥)
وركب كأطراف الأسنة عرسوا على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدوره وليس عليهم أن تتم عواقبه
وحسبك بهذا كله جودة وحسنًا.
وهذا البيت الأخير إنما أخذ معناه من قول الشاعر، وأنشده في الحماسة:
فكان على الفتى الإقدام فيها وليس عليه ما جنت المنون (٦)
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وقال أبو تمام وسبيله أن يقدم في أول الباب؛ لأنه من إحسانه المشهور:
ولكنني لم أحو وفرًا مجمعًا ففزت به إلا بشمل مبدد (١)
ولم تعطني الأيام نومًا مسكنًا ألذ به إلا بنوم مشرد
وطول مقام المرء في الحي مخلق لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت ملاحة إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
قوله: «لم أحو وفرًا مجمعًا. . . إلا بشمل مبدد» يريد أنه لم يحو ذلك إلا في الغربة مع مفارقة وطنه وأحبابه، وأنه لم ينم نومًا ساكنًا إلا بعد نوم مشرد في الأسفار، وهذا مبني على قول عروة بن الورد:
* ولم تدر أني للمقام أطوف * (٢)
وقوله: «فإني رأيت الشمس». . . مسروق من قول الكميت:
* ولو لم تغب شمس النهار لملت *
وقال أبو تمام:
هن البجاري أيا بجير أهدى لها الأبؤس الغوير (٣)
يوم مقام على وفاز وسائر الدهر فيه سير
في ثبة إن سرن جن أو يمموا شقة فطير
قد ضج من فعلهم جديل بنسله واشتكى غرير
هذا عبيد وذا زياد وذا لبيد وذا زهير
يا لك من همة وعزم لو أنه في عصاك سير
[ ٢ / ٢٦٨ ]
رب قليل جدًا كثير كم مطر بدؤه مطير
صبرًا على النائبات صبرًا ما صنع الله فهو خير
فهذه معان مستقيمة صحيحة، ونسج جيد، ولفظ حسن إلا قوله: «هن البجاري يا بجير»، فإنه لفظ متعسف مستكره، والبجاري: جمع بجرية وهو ما يمر بالإنسان (١) من البجر والمصائب، من قوله ﵇: «أشكو إلى الله عجري وبجري» فالبجر: جمع بجرة.
ثم قال: «أهدى لها الأبؤس الغوير»، وهذا هو المثل: «عسى الغوير أبؤسا» (٢).
يقول: جاءها البؤس من حيث لم تعلم أن هناك بؤسًا، (٣) والبجاري هي البؤس أنفسها، فكان ينبغي أن يقول: أهدى لي الأبؤس الغوير، لا أهدى لها.
وإن كان أراد أهدى لها يعني نفسه، ولم يجر لها ذكر فهو رديء.
وقال البحتري:
وأحب آفاق البلاد إلى الفتى أرض ينال بها كريم المطلب (٤)
كم مشرقي قد نقلت نواله فجعلته لي عدة في المغرب
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وقال:
أمسي زميلًا للظلام وأغتدي ردفًا على كفل الصباح الأشهب (١)
فأكون طورًا مشرفًا للمشرق الـ أقصى وطورًا مغربًا للمغرب (٢)
وإذا الزمان كساك حلة معدم فالبس لها حلل النوى وتغرب
ولقد أبيت مع الكواكب راكبًا أعجازها بعزيمة كالكواكب
والليل في لون الغراب كأنه هو في حلوكته وإن لم ينعب
حتى تبدى الصبح من جنباته كالماء يلمع من خلال الطحلب (٣)
والعيش تنصل من دجاه كما انجلى صبغ الشباب عن القذال الأشيب (٤)
وهذا من إحسان أبي عبادة الذي يتقدم عل كل إحسان في معناه.
وما قيل في وضوح الصبح أجود ولا أطلف معنى، ولا أبرع من قوله: «كالماء يلمع من خلال الطحلب».
وقوله: «فأكون طورًا مشرقًا للمشرق الأقصى» أجود من قول أبي تمام:
«تغربت حتى لم أجد ذكر مشرق»؛ لأنه يجوز أن لا يكون سمع (٥) أهل بلد يذكرون المشرق، وليسوا جهالًا به.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وقوله: «حتى نسيت المغاربا»، يجوز أن ينساها فلا يذكرها، وأن ينسى أباه فلا يذكره، وليس ماله بروي (١)، لأن غرضه فيه معروف، ولكن قول البحتري أجود.
وقال البحتري:
أشرق أم أغرب يا سعيد وأنقص من زماعي أم أزيد (٢)
عدتني عن نصيبين العوادي فحظي أبله فيها بليد (٣)
أرى الحرمان أبعده قريب بها والنجح أقربه بعيد
تقاذف بي بلاد عن بلاد كأني بينها خبر شرود (٤)
قوله: «خبر شرود»، معنى غريب طريف.
وقال:
وإن اغتراب المرء في غير بغية يطالبها من حيف دهر يطالبه (٥)
فليس بمعذور إذا رد سربه عليه بأن تعيا عليه مذاهبه
ويعطيه مرجو العواقب مسرعًا إليه ركوب الأمر تخشى عواقبه
أرجي وما نقع الرجاء إذا التقت مناحس أمر مجحف ومعاطبه
ومما يعني النفس كل عنائها توقعها الصنع البعيد تقاربه (٦)
وهذا البيت يصلح أن يكون في باب الصبر والقناعة، ومعناه من أتقن المعاني وأحسنها.
[ ٢ / ٢٧١ ]
وقال:
عست الإضافة أن تنال بها سعة ونكل ضاربًا شبعه (١)
والفسل تسلبه عزيمته أدنى وجود كفاية تسعه
لا يلبث الممنوع تطلبه حتى يثوب إليك ممتنعه
والنيل دين تسترق به فارتد لرقك عند من تضعه (٢)
قوله: «نكل ضاربًا شبعه»، أي أقعده حتى نكل عن المطلب.
وقال:
أسير إذ كنت في طول المقام بها أكدي لعلي أجدي عند مرتحلي (٣)
وربما حرم الغازون غنمهم في الغزو ثم أصابوا الغنم في قفل (٤)
شرق وغرب فعهد العاهدين لما طالبت في ذملان الأينق الذمل (٥)
ولا تقل أمم شتى ولا نسق فالأرض من تربة والناس من رجل (٦)
قوله: «ولا تقل أمم شتى ولا نسق» أي لا يصدنك عن السفرأن تقول: كيف ألاقي أممًا متفرقين متباعدين، غير مقترنين، ولا متسقين، وأترك أهلي وبلدي، فإن تربة الأرض واحدة، والناس أبناء رجل واحد.
وصدر هذا البيت رديء، وعجزه في غاية الحسن والبراعة.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
ولولا أن محاسن أبي تمام في هذا الباب هي أبياته الأربعة والجميع من معانيها مسروقة لفضلته على البحتري إلا في بيت الطحلب فإنه معنى ما علمت أحدًا سبق إليه، ولا قيل في وضوح الصبح أبرع منه، فأجعلهما متكافئين.
[ ٢ / ٢٧٣ ]