قال أبو تمام:
ومقدودة رود تكاد تقدها إصابتها بالعين من حسن القد (١)
تعصفر خديها العيون بحمرة إذا وردت كانت وبالًا على الورد (٢)
وقال:
وخوطية شمسية رشئية مهفهفة الأعلى ردا ح المحقب (٣)
تصدع شمل القلب من كل وجهة وتشعبه بالبث من كل مشعب
بمختتل ساج من الطرف أحور ومقتتل صاف من الثغر أشنب
من المعطيات الحسن والمؤتياته مجلببة أو فاضلًا لم تجلبب
وهذه معان حسنة وقول حلو.
والرداح: العظيمة العجز.
وقوله: تصدع شمل القلب، وتشعبه بمعنى واحد، ولولا قوله: «بالبث» لصلح أن يكون تشعبه: تضم أجزاءه، وتلائم بينها، لأن من الأضداد (٤): يكون جمعت وفرقت، فكأن المعنى حينئذ: تصدع شمل
[ ٢ / ١١٠ ]
القلب أي تفرقه إذا شاءت، وتشعبه أي تضمه وتجمعه، كما قال في موضع آخر:
وعهدي بها تحي الهوى وتميته وتشعب أعشار الفؤاد وتصدع (١)
أي تحي الهوى بهجرها، وتميته بوصلها.
وقوله: «ساج» أي يختل بنظره، ومقتتل صاف، يريد قتل الحب؛ يقال: اقتتله الحب، واقتتلته الجن، كأنه اعتمد ازدواج اللفظين بقوله: مختتل، ومقتتل.
وقوله: «مجلببة» من الجلباب وهو: الخمار، وقد يكون أيضًا الثوب.
«أو فاضلًا لم تجلببب»، والفاضل: هي المتفضلة في ثوب واحد، وهو الذي تلبسه (٢) المرأة للبذلة والاعتمال.
وقال:
من كل ضاحكة الترائب أرهفت إرهاف خوط البانة المياس (٣)
بدر أطاعت فيك بادرة النوى خطأ وشمس أولعت بشماس (٤)
وإذا مشت تركت بصدرك ضعف ما بحليها من كثرة الوسواس (٥)
والخطء: ما يعتمده الإنسان، والخطأ: ما لا يعتمده (٦).
[ ٢ / ١١١ ]
وقوله: «ضاحكة الترائب»: يريد ما على صدرها من الحلي، والترائب: عظام الصدر.
وقال:
إن في خيمهم لمطعمة الحجـ ـلين والمتن متن خوط وريق (١)
وهي لا عقد ودها ساعة البيـ ـن ولا عقد خصرها بوثيق
قوله: «مطعمة الحجلين»، والحجل، الخلخال، والمطعم: المرزوق من الطعم، جعل امتلاء لحم ساقها طعمًا لخلخالها؛ لأنه يعض به.
وقوله: «وهي لا عقد ودها ساعة البين [أراد: ولا عقد ودها ساعة البين] بوثيق، ولا عقد خصرها بوثيق عل كل حال، ولكنه أخبر عنها (٢) خبرًا واحدًا، ونسق بأحدهما على الآخر صار الظرف، وهو ساعة البين، على ظاهر اللفظ، كأنه يضمهما (٣) معًا، فيكون عقد خصرها غير وثيق أيضًا في ساعة البين، وهو قبيح على جوازه وسوغه.
وقال البحتري:
وفيهن مشغول به الطرف هارب بعينيه لحظ المحب المخالس (٤)
يخبر عن عصن من البان مائد إذا اهتز في ضرب من الدل مائس
وهذا نمط البحتري الحلو، وإنما قال: «هارب بعينيه»، فخصهما
[ ٢ / ١١٢ ]
دون غيرهما؛ لأن الحسن (١) إنما هو في العين، علاقة الحب إنما تكون عند النظر إلى العين (٢).
وقال:
وقد بان فيهم غصن بان إذا بدا ثوى مخبرًا عن مثله أو مثاله (٣)
يسوءك ألا عطف عند انعطافه ويشجيك ألا عدل عند اعتداله (٤)
كأنه أراد بالمثل الشيء نفسه، والمثال: الشبه، أي ثوى مخبرًا عن غصن بان مثله، أو شبهه، إلى هذا ذهب.
وقال:
أعطيت بسطة على الناس حتى هي صنف في الحسن والناس صنف (٥)
اعتدال يميل منه انخناث وتثن فيه الفخامة لطف (٦)
نعمة الغصن إن تأود عطف منه عن هزة تماسك عطف (٧)
مسكري إن سقيت منه بعيني أرجوان من خمر خديه صرف (٨)
وهذا من أحسانه المشهور.
[ ٢ / ١١٣ ]
وقال:
لما مشين بذي الأراك تشابهت أعطاف قضبان به وقدود (١)
في حلتي حبر وروض فالتقى وشيان: وشي ربي ووشي برود
وسفرن فمتلأت عيون راقها وردان: ورد جنى، وورد خدود (٢)
وضحكن فاغترب الأقاحي من ند غض وسلسال الرضاب برود (٣)
وهذا أيضًا من إحسانه المعروف.
وقوله «فاغترب» يريد الضحك، والمستعمل استغرب في الضحك إذا اشتد فيه، وأغرب أيضًا، قال ذو الرمة:
فما يغربون الضحك إلا تبسمًا ولا ينسبون القول إلا تناجيا (٤)
ولم أسمع في الضحك اغترب، إنما ذلك من الغربة والبعد، فقوله: «اغترب الأقاحي من ند غض» يريد النور نفسه، «وسلسال الرضاب» يعني الثغور، كأنه جعلهما جميعًا من الأقاحي، وفصله فقال: من ند غض، ومن سلسال الرضاب، وسلسال الرضاب هو ند غض أيضًا، إلا أنه جعل الفرق بينهما أن هذا أندى، وأجرى من ذاك.
وأظن المستغرب في الضحك إنما أخذ من غروب الأسنان إذا بدت كلها في الضحك، وهي أطرافها، وغرب كل شيء: حده.
أو أن يكون استغرب في الضحك أي امتلأ ضحكًا من قولهم: أغربت
[ ٢ / ١١٤ ]
السقاء إذا ملأته، قال بشر بن أبي خازم:
وكأن ظعنهم غداة تحملوا سفن تكفأ في خليج مغرب (١)
وسبيل هذا البيت أن يلحق في «باب الثغور».
وقوله: «فالتقى وردان: ورد جنى، وورد خدود» إن كان أراد هذا الورد المعروف فمن أين بذي الأراك ورد؟، إلا أن يريد بعض الأنواع (٢)، والحمر من الأنوار فإنها كثيرة، وإياها -إن شاء الله- أراد.
ومن عجيب ما أورده في حسن القد قوله:
تهتز مثل اهتزاز الغصن أتعبه مرور غيث من الوسمي سحاح (٣)
وقال:
بيضاء يعطيك القضيب قوامها ويريك عينيها الغزال الأحور (٤)
تمشي فتحكم في القلوب بدلها وتميس في برد الشباب فتخطر (٥)
وتميل من لين الصبا فيقيمها قد يؤنث تارة ويذكر
وقال:
هل الذلفاء مخبرتي أهجرًا أرادت بالتجنب، أم دلالًا؟ (٦)
ذكرت بها قضيب البان لما غدت تختال في الحسن اختيالا
تشاكله انعطافًا واهتزازًا وتحيكه قوامًا واعتدالا
[ ٢ / ١١٥ ]
وهذا ما لا يكاد يسمع أحلى ولا أعذب ولا أبرع منه.
وقال:
ألام على هوى ظمياء ظلمًا وقلبي في يدي ظمياء عان (١)
إذا انصرفت أضاءت شمس دجن ومال من التعطف غصن بان
قوله: «أضاءت شمس دجن» أي إذا انصرفت مولية بوجهها كان ضوؤها كضوء الشمس من تحت الدجن، وهو إلباس الغم الأفق، وهذا أحسن ما يكون من المعنى (٢) وألطفه، أي إذا غاب وجهها حين تولى فأنا منها أيضًا في ضياء كضياء (٣) الشمس من تحت الدجن.
وقال أبو تمام:
أدنت نقابًا على الخدين وانتسبت للناظرين بقد ليس ينتقب (٤)
وهذا حسن جدًا.
وقال أبو تمام:
ليالي أضللت العزاء وجولت بعقلك آرام الخدور الخواذل (٥)
من الهيف لو أن الخلاخل صبرت لها وشحًا جالت (٦) عليها الخلاخل
منها الوحش إلا أن هاتا أوانس قنا الخط إلا تلك ذوابل
[ ٢ / ١١٦ ]
قوله: «جولت» من أجل قوله: «الخواذل» وهن (١) اللواتي تخلفن من جملة السرب على أولادهن، فأراد أن يطابق بين «الجولان» و«التأخر» وهو طباق غير جيد، ولا لائق.
وقوله: «من الهيف لو أن الخلاخل صيرت لها وشحًا» من أقبح الخطأ وأفحشه، لأن الخلخال لا يكون في موضع الوشاح؛ لأن الوشاح: ما تتقلده المرأة من سير، أو خيط فيه خرزًا، أو حليًا من فضة أو غيرها، تتزين به فيكون منها في موضع حمائل السيف من الرجل، والخلخال لا يكون في هذا الموضع إلا إذا مسخها الله، وأقمأها.
[(٢) وقد أخطأ في البيت الثاني أيضًا فقال: «قنا الخط إلا أن تلك ذوابل» وإنما قيل للرماح: «ذوابل» للينها وتثنيتها، فنفى ذلك عن قيود النساء التي من أكمل أوصافها التثني واللين والانعطاف، كما قال تميم بن أبي بن مقبل]:
يهززن للمشي أوصالًا منعمة هز الجنوب ضحى عيدان يبرينا (٣)
أو كاهتزاز رديني تداوله أيدي التجار فزادوا متنه لينا
وقد ذكرت هذا مشروحًا في أغاليطه (٤).
ولله در أبي عبادة إذ يقول:
غدت قضبان أسحلة عليها لفرط الجدل أو شحة تجول (٥)
[ ٢ / ١١٧ ]
يقوم من تثنيها اعتدال تكاد تقول من هيف نحول (١)
مشين على خمائل ذي طلوح وقد ضاقت بما فيها من الحجول
فقلت: أزيد من سقم فؤادي وهل يزداد من قتل قتيل (٢)
فهذا -والله- هو الشعر، لا تعليلات أبي تمام بطباقه وتجنيسه، وفرط تقعره، وكثرة أحالاته، وما زلت أسمع الشيوخ يفضلون هذا البيت الأخير على كل ما سمعوه في الغزل.
وهذه القصيدة من قلائده، وفيها يقول قبل هذه الأبيات:
بعيدة مطلب وجماد نيل فها هي لا تنال ولا تنيل
إذا خطرت تأرج جانباها كما خطرت على الروض القبول
ويحسن دلها والموت فيه وقد يستحسن السيف الصقيل
وقال أبو تمام:
وناضرة الصبا حين اسبكرت طلاع المرط والدرع اليدي (٣)
تشكى الأين من نصف سريع إذا قامت ومن نصف بطي
وهذا ما لا مدفع لجودته وحسنه، وكأنه صفوة خاطر أبي تمام، إذا كان بجمامه يأتي به وبأمثاله، فإذا أعيا وكل زمانًا رمى بالأوساخ والأقذار والغثاء.
[ ٢ / ١١٨ ]
وقوله: «طلاع المرط» أي تملأ الملحفة تمامًا وكمالًا، كأنها تطلع عليها، أي تعلوه، والدرع: القميص التام، واليدي: الواسع.
وقال البحتري:
نواصع كسيوف الصقل مشعلة ضوءًا ومرهفة في الجدل إرهافا (١)
إذا نضون شفوف الريط آونة قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا
كأنهن وقد قربن من طرفي ضدين في الحسن تثقيلًا وإخطافا (٢)
رددن ما خففت منه الخصور إلى ما في المآزر فاسثقلن أردافا
وحسبك بهذا حسن لفظ، وحلاوة نظم، وصحة معنى.
وألطف من قوله: «قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا» قول أبي تمام:
لآليء كالنجوم قد لبست أبشارها صدف الإحصان لا الصدفا (٣)
وبيت البحتري أبرع وأحلى.
وقال البحتري أيضًا:
غدت أترابها ينهضن هونًا لثقل من روادفها الثقال (٤)
مشين ضحى بأقدام لطاف وسوق في خلاخلها خدال
إذا اجتبن الحلي رأيت بياضًا أوانس كاللآليء في اللآليء (٥)
[ ٢ / ١١٩ ]
وقال:
أطاع لها دل غرير، وواضح شتيت وقد مرهف وشوى خدل (١)
وألحاظ عين ما علقن بفارغ فحلينه حتى يكون له شغل (٢)
وهذا من مشهور أبي عبادة.
[وقال أبو تمام] (٣):
ومن جيد غيداء التثني كأنما أتتك بليتيها من الرشإ الفرد (٤)
كأن عليها كل عقد ملاحة وحسنًا وإن أمست وأضحت بلا عقد
ومن نظرة بين السجوف عليلة ومحتضن شخت ومبتسم برد (٥)
ومن فاحم جعد ومن كفل نهد ومن قمر سعد ومن نائل ثمد (٦)
محاسن ما زالت مساو من النوى تغطي عليها أو مستاو من الصد
شخت: دقيق يتمكن الذراع من احتضانه، كأنه ينفي عنها ضخم البطن وموضع (٧) [الكشح] ويستحب فيها الضمر.
[ ٢ / ١٢٠ ]