قال أبو تمام:
أسيء على دهري الثناء فقد قضى علي بجور صرفه المتتابع (١)
أيرضخنا رضخ النوى وهو مصمت ويأكلنا أكل الدبا وهو جائع (٢)
وإني إذا ألقى بربعي رحله لأزعره في سربه وهو راتع (٣)
أخو منزل الهم الذي لو بغى القرى لدى حاتم لم يقره وهو طائع (٤)
إذا شرعت فيه الليالي بنكبة تمزقن عنه وهو في الصبر دارع (٥)
[له همم ما إن تزال سيوفها قواطع لو كانت لهن مقاطع]
قد روى: «ويأكلنا أكل الدبا وهو جائع» وهو عندي أشبه وأصح إن شاء الله، و«يأكلنا أكل الربا» لأن الربا يأكل النعم، ويمحق المال.
وقوله: «لو كانت لهن مقاطع»: أي شيء يقطعه.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وقال:
لقد ساسنا هذا الزمان سياسة سدى لم يسسها قط عبد مجدع (١)
تروح علينا كل يوم وتغتدي خطوب كأن الدهر منهن يصرع
حلت نطف منها لنكس وذو الحجا يداف له سم من العيش منقع
قد عاب الناس عليه قوله: «كأن الدهر منهن يصرع» وهو -لعمري- قبيح.
وقال:
كم فتى للزمان وقد ألقى مقاليده إليه القبيض (٢)
لوذعي يهلل المشرفي الـ ـعضب عنه والزاعبي النحيض (٣)
أتأرتني الأيام بالنظر الشز ر وكانت وطرفها لي غضيض
كيف يمسي برأس علياء ممس وجناح السمو منه مهيض (٤)
همة تنطح النجوم وجد آلف للحضيض فهو حضيض
قوله: «أتأرتني الأيام» أي أدامت نظرها إلي؛ يقال: أتأرت إليه النظر: إذا أحددته.
والقبيض: اسم لجلة (٥) الخلق، واللوذعي الحديد الفؤاد.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
والمشرفي: السيف منسوب إلى المشارف، قرى تعمل فيها السيوف.
والنحيض: الذي قد ذهب نحضه أي (١) لحمه، وإنما يعني سنان الرمح أنه قد دقق وحدد.
والزاعبي: الرمح، قيل: هو منسوب إلى رجل كان يقوم الرماح يقال له زاعب، وقال قوم زاعب: موضع لا تعرف حقيقته، ويقال: التزعب: السرعة والنشاط فيجوز أن يكون قيل زاعبي لحركته وتثنية.
وقال البحتري:
وما جزع الجزوع من الليالي بمحرزه ولا جلد الجليد (٢)
جحدنت سهمة الحدثان فينا لو أن الحق يبطل بالجحود (٣)
فيا ويح الحوادث كيف تعطي شقي القوم من حظ السعيد (٤)
وكيف تجوز إن حكمت بحكم فتحمل للغوي على الرشيد (٥)
وما براحت صروف الدهر حتى أرتنا الأسد قتلى للقرود
وهذا مما مزيد على حسنه وجودته لفظًا ومعنى.
وقال:
يغتر بالدهر ذو الإضاعة والدهر عدو مطلوبة إحنة (٦)
[ ٢ / ٢٣٧ ]
في زمن رنقت حوادثه أشبه شيء بحادث زمنه
رضيت من سيء الزمان بأن يعشره غير زائد حسنه
رنقت حوادثه: دنت ورفرفت كما يرنق النسر.
وهذا أيضًا حسن.
وقال:
أرانا عناة في يد الدهر نشتكي تأكد عقد من عراه وثيق (١)
وليس طليق اليوم إن رجعت له صروف الليالي في غد بطليق (٢)
تفاوتت الأيام فينا فأفرطت بظمآن باد لوحه وغريق
وكنت إذا ما الحادثات أصببني بهايضة صم العظام دقوق
شمخت فلم أبد اختشاعًا لشامت ولم أبتعث شكوى لغير شقيق (٣)
أرى كل مؤذ عاجزًا عن أذيتي إذا هو لم ينصر علي بموق
فقد ترى هذه الفصاحة والبلاغة، والألفاظ الحلوة المتمكنة، والمعاني القريبة العجيبة.
وأجود من قوله: «وكنت إذا ما الحادثات أصببني. . .» والبيت بعده قول العكوك (٤):
ألا رب هم يمنع النوم دونه أقام كقبض الراحتين على الجمر (٥)
[ ٢ / ٢٣٨ ]
بسطت له وجهي لأكبت حاسدًا وأبديت عن ناب ضحوك وعن ثغر
وشوق كأطراف الأسنة في الحشا ملكت عليه طاعة الدمع أن يجري
وقال البحتري:
أطل جفوة وتهوين شأنها فما العاقل المغرور فيها بعاقل (١)
يرجي الخلود معشر ضل رأيهم ودون الذي يرجون غول الغوائل
وليس الأماني في البقاء وإن مضت بها عادة إلا أحاديث باطل
إذا ما حريز القوم بات وماله من الله واق فهو بادي المقاتل
وما المفلتون أجمل الدهر فيهم بأكثر من أعداد من في الحبائل
يسار بنا قصد المنون وإننا لنشغف أحيانًا بطي المراحل
عجالًا عن الدنيا بأسرع سعينا إلى آجل منها شبيه بعاجل (٢)
أواخر من عيش إذا ما امتحنتها تأملت أمثالًا لها في الأوائل
وما عامك الماضي وإن أفرطت به عجائبه إلا أخو عام قابل
غفلنا عن الأيام أطول غفلة وما خوفها المخشي عنا بغافل (٣)
تغلغل رواد الفناء ونقبت دواعي المنون عن جواد وباخل
وقال:
إذا عاجل الدنيا ألم بمفرح فمن خلفه فجع سيتلوه آجل (٤)
وكانت حياة الحي سوقًا إلى الردى وأيامه دون الممات مراحل (٥)
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وما لبث من يغدو وفي كل لحظة له أجل في مدة العمر قاتل
وللمرء يوم لا محالة ما له غد وسط عام ماله الدهر قابل
كفانا اعترافًا بالفناء ورقبة لمكروهه أن ليس للخلد آمل
وقال:
أناه أيها الفلك المدار أنهب ما تطوف أم خيار (١)
ستفنى مثل ما تفنى وتبلى كما تبلى فيدرك منك ثار
تناب النائبات إذا تناهت ويدمر في تصرفه الدمار
وما أهل المنازل غير ركب مناياهم رواح وابتكار
لنا في الدهر آمال طوال ترجيها وأعمار قصار (٢)
وقال:
أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد لها ومتى حدثت نفسك فاصدق
أرى علل الأشياء شتى ولا أرى التـ ـتجمع إلا علة للتفرق
أرى العيش ظلًا توشك الشمس نقله فكس في ابتغاء العيش كيسك أومق (٣)
أرى الدهر غولًا للنفوس وإنما يقي الله في بعض المواطن من يقي
ولم أر كالدنيا حليلة وامق مب متى تحسن بعينيه تطلق
تراها عيانًا وهي صنعة واحد فتحسبها صنعي لطيف وأخرق (٤)
[ ٢ / ٢٤٠ ]
فانظر أشعار أهل الزهد وتأملها، هل ترى فيها من هذا النحو شيئًا؟ هيهات؛ هذا مذهب يتقدم كل مذهب.
وقال:
أرى غفلة الأيام إعطاء مانع نصيبك أحيانًا وحلم سفيه (١)
إذا ما نسبت الحادثات وجدتها بنات الزمان أرضعت لبنيه (٢)
متى أرت الدنيا نباهة خامل فلا تنتظر إلا خمول نبيه
وقال:
أغشى الخطوب فإما جئن مأربتي فيما أسير أو أحكمن تأديبي (٣)
إن تلتمس تمر أخلاف الخطوب وإن تلبث مع الدهر تسمع بالأعاجيب (٤)
وما أحسن ما قال ابن عيينة:
ما راح يوم على حي ولا ابتكرا إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا
ولا أتت ساعة في الدهر فاننصرمت حتى تؤثر في قوم لها أثرا
إن الليالي والأيام أنفسها عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا
أنشد المبرد هذه الأبيات (٥)، وذكر أن الطائي أخذ هذا المعنى وجمعه في ألفاظ يسيرة فقال:
عمري لقد نصح الزمان وإنه لمن العجائب ناصح لا يشفق
[ ٢ / ٢٤١ ]
أراد أن قوله: «عمري لقد نصح الزمان» من قوله: «إلا رأي عبرة فيه إن اعتبرا»، كأنه أراد أن ما يأتي فيه من العبر كأنه نصح (١) منه وتنبيه.
وكذلك قوله: «ولا أتت ساعة» وقوله: «إن الليالي والأيام»، فجعل هذا كله كنصح (٢) من الزمان لما يريناه من العبر.
قال أبو العباس: وزاد عليه بقوله: «ناصح لا يشفق» (٣).
وما قاله الناس في هذا المعنى أكثر من أن يحتاج الطائي إلى أن يأخذه من وهذه الأبيات.
[ ٢ / ٢٤٢ ]