قال البحتري:
وجدت نفسك من نفسي بمنزلة هي المصافاة بين الماء والراح (١)
وهذا حسن جدًا وأظنه أخذه من قول بشار:
وإذ نلتقي خلف العيون كأننا سلاف عقار بالنقاخ مشوب (٢)
أخذه أيضًا من قول ابن أبي عيينة (٣) فقال:
ذاك إذ روحها وروحي مزاجا ن كأصفى خمر بأعذب ماء (٤)
وقول البحتري أيضًا أجود من البيتين، وأخذه عباس بن الأحنف فقال:
ما أنس لا أنس يمناها معطفة على فؤادي ويسرها على راسي (٥)
وقولها: ليته ثوب على جسدي أوليتني كنت سربالًا لعباس
أو ليته كان لي خمرًا وكنت له من ماء مزن فكنا الدهر في كاس
[ ٢ / ١٣٨ ]
وأخذه علي بن الجهم وجعله في العناق [فقال] (١):
وبيتنا على رغم الحسود كأننا خليطان من ماء الغمامة والخمر (٢)
وأجود من هذا كله وأحلى وألطف معنى قول بشار:
لقد كان ما بيني زمانًا وبينها كما بين ريح المسك والعنبر الورد (٣)
وقال عبد الصمد بن المعذل في العناق والاختلاط:
كأنني عانقت ريحانة تنفست في ليلها البارد (٤)
فلو ترانا في قميص الدجى حسبتنا في جسد واحد
وهذا أحسن من بيتي العباس الأولين.
وقال البحتري:
ولم أنس ليلتنا في العنا ق لف الصبا بقضيب قضيبا (٥)
وما زلت أسمع أهل العلم بالشعر يقولون إن هذا البيت أجود ما قيل في العناق؛ لأنه أصاب حقيقة التشبيه بأجود لفظ، وأحسن نظم.
ومثله قول آخر وجدته في الأناشيد، ولست أدري أيهما أخذ من صاحبه:
وضم لا ينهنه واعتناق كما التف القضيب على القضيب (٦)
[ ٢ / ١٣٩ ]
وبيت البحتري أجود سبكًا، وأحلى لفظًا؛ لقوله: «لف الصبا»؛ لأن القضيب إنما يلتف بالقضيب بالريح.
وقد قال بشار في نحو هذا، وأظن هذين منه أخذا:
إنني أشتهي لقاءك واللـ ـه فماذا عليك من لقياني (١)
قد تلف الرياح غصنًا من البا ن إلى مثله فيلتقيان
وقال علي بن الجهم في وكيد الالتزام:
سقى الله ليلًا ضمنا بعد هجعة وأدنى فؤادًا من فؤاد معذب (٢)
فبتنا جميعًا لو تراق زجاجة من الراح فيما بيننا لم تسرب
وهذا أيضًا حسن لفظًا ومعنى.
وأحسن ما قيل في المضاجعة قول امريء القيس/
تقول وقد جردتها من ثيابها كما رعت مكحولًا من العين أتلعا (٣)
وجدك لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
فبتنا نذود الوحش عنا كأننا قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا
تجافى عن المأثور بيني وبينها وتدني علي السابري المضلعا
إذا أخذتها هزة الروع أمسكت بمنكب مقدام على الهول أروعا
وهذا لاشيء أجود منه ولا أحلى ولا أبرع وقد أخبر بالأمر على ما كان.
[ ٢ / ١٤٠ ]
وقد أحسن أيضًا عبد بني الحسحاس في قوله:
وبتنا وسادانا إلى علجانة وحقف تهاداه الرياح تهاديا (١)
فما زال بردي طيبًا من ثيابها إلى الحول حتى أنهج البرد باليا (٢)
ولست أعرف لأبي تمام في هذا الباب شيئًا.
[ ٢ / ١٤١ ]