قال أبو تمام:
سرت تستجير الدمع خوف نوى غد وعاد قتادًا كل مرقد (١)
قوله: «سرت» يريد أنها سهرت فكأنها قطعت الليل بالسهر، مستجيرة بالدمع، تبكي ليلها أجمع، ولم يرد أنها سارت ليلًا، فجعل سهرها سرى، وفسر ذلك بقوله: «وعاد قتادًا عندها كل مرقد».
وهذا ابتداء ليس من جيد الابتداءات، ولا من رديئها.
وقال أيضًا:
بدلت عبرة من الإيماض يوم شدوا الرحال بالأغراض (٢)
«الإيماض» أراد تبسمها وبريق (٣) ثغرها، جعله مثل وميض البرق.
يريد أنها بدلت من الضحك البكاء لما استعدوا للرحيل.
وهذا بتداء جيد.
وقد عابه «ابن عمار» وغيره لقوله: «الأغراض»، ولحنوه، وقالوا: الأغراض جمع غرض، وفعل لا يجمع على أفعال.
أفما (٤) سمعوا بقولهم: فرخ وأفراخ، وفرد وأفراد، وشكل وأشكال، وجفن وأجفان، وعصر وأعصار، وزند وأزناد؟!.
[ ٢ / ٧ ]
وقول الأعشى:
* وزندك أثقب أزنادها (١) *
وقولهم أيضًا: شرط وأشراط، وقول الله تعالى: «فقد جاء أشراطها» (٢) فقد نطقت العرب بهذا الجمع بعينه، قال الراجز في وصف الإبل:
حتى إذا ما قلقت أغراضها ونصحت بمائها أعراضها
وقال غيلان بن حريث الربعي:
بكل سام في الزمام نهاض خيسة بالذل روض الرواض (٣)
في قلص تمطو سفيف: نسيج، والأغراض: جمع غرض، وهو للبعير مثل الحزام للفرس.
وأنشدنا الأخفش لرجل من طيء:
إذا العيس أضحت بالفلاة كأنها وقد قلقت أغراضهن جفون
ومثله في الشعر -إذا تتبعته- كثير.
وقال أبو تمام:
بسطت إليك بنانة أسروعا تصف الفراق، ومقلة ينبوعا (٥)
وهذا ابتداء ليس بالجيد، ولا بالرديء.
والأسروع: دويبة ناعمة تكون في الرمل تشبه بها أصابع النساء.
[ ٢ / ٨ ]
وقال أيضًا:
نثرت فريد مدامع لم تنظم والدمع يحمل بعض ثقل المغرم (١)
وقال أيضًا:
أظن دموعها سنن الفريد وهي سلكاه من نحر وجيد (٢)
وهذان ابتداءان جيدان.
وقال:
ذريني منك سافحة المآقي ومن سرعان عبرتك المراق (٣)
وهذا قول فيه جفاء.
ووجدت الناس يستحسنون قوله:
خذي عبرات عينك عن زماعي وصوني ما أزلت من القناع (٤)
زماعه: إزماعه الرحيل، يقال: أزمع يزمع.
وقوله: «وصوني ما أزلت من القناع» لأنها برزت عند الفراق جزعًا، وكشفت القناع.
[ ٢ / ٩ ]