وقال أبو تمام:
وثنياك إنها إغريض ولآل توم وبرق وميض (١)
وأقاح منور في بطاح هزه في الصباح روض أريض
وارتكاض الكرى بعينيك في النو مفنونًا وما لعيني غموض (٢)
لتكاءدنني غمار من الأحـ ـداث لم أدر أيهن أخوض
وهذه لعمر الله يمين في غاية الحسن [والحلاوة] (٣) والملاحة.
وقوله: «وأقاح منور في بطاح» كلام مستقيم، والبطاح: ما اطمأن من الأرض وانهبط (٤) والندى، والعشب فيه أبقى، ورياض الحزن أحسن، فأما قول الأعشى:
* ما روضة من رياض الحزن معشبة (٥) *
فإن الحزن ههنا: موضع كانت أبل الملوك ترعي فيه على ما ذكر.
وقوله: «هزة في الصباح روض أريض» ليس بالجيد اللائق؛ لأن الأقاحي هي من الروض، والروض أنما يهزه ويحركه الندى، والنسيم لا أن يهز بعضه بعضًا.
[ ٢ / ١٠٥ ]
والأبيض (١): هو المتمكن في موضعه، الجيد النبات.
وقال البحتري:
لها غرائب دل ما يزال لها على الغرام به حث وتحريض (٢)
تفاح خد إذا احمرت محاسنه مقبل بخفي اللحظ معضوض
وواضحات تريك الدر متسقًا كأنهن إذا استغربن إغريض (٣)
لو كان يكفيك علم الشيء تجهله فقد كفاك من التصريح تعريض (٤)
فقوله: «تريك الدر متسقًا» أحسن، وأصح من قول أبي تمام:
«ولآل توم» غير أن أبا تمام شبه الثغر في بيته بثلاثة أشياء وقد فعل البحتري ذلك فقال:
بات نديمًا لي حتى الصباح أغيد مجدول مكان الوشاح (٥)
كأنما يضحك عن لؤلؤ منظم أو برد أو أقاح
فشبه الثغر بثلاثة أشياء، وشرط في اللؤلؤ أنه منظم، كما قال في البيت الآخر:
«تريك (٦) الدر متسقًا»، حتى استوى التشبيه بالإغريض.
[ ٢ / ١٠٦ ]
وقد شبه الثغر بالبرد والأقاحي في مصراع فقال:
يضحكن عن برد ونور أقاح ويشبن ظلم رضابهن براح (١)
ووصله ببيت هو في حسنه وحلاوته فقال:
وإذا برزن من الخدور سفرن عن هميك: من ورد ومن تفاح
وقد شبه البحتري أيضًا بياض ثغر المرأة بالبرق، وبضوء المصاح فقال:
أضوء برق بدا أم ضوء مصباح أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي (٢)
ثم قال بعده:
ويرجع الليل مبيضًا إذا ضحكت عن أبيض خضل السمطين لماح (٣)
وهذا أحسن كلام، وأصحه، وأحلاه.
ولكن البديع في تشبيه الثغر بالبرق قول العديل بن الفرخ العجلي:
ضحكت فقلت غمامة برقت لنا بشعاب مكة برقها لا يبرح (٤)
فشرط أن برقها مقيم لا يبرح، وهذ ألطف ما يكون من المعاني وأحسنها.
وقد أحسن البحتري كل الإحسن في قوله:
وشتيتًا يغض من لؤلؤ النظـ ـم ويزري على شتيت الأقاحي (٥)
[ ٢ / ١٠٧ ]
ومن إحسانه المشهور لفظًا ومعنى قوله:
ولما التقينا والنقا موعد لنا تعجب رائي الدر حسنًا ولاقطه (١)
فمن لؤلؤ تبديه عند ابتسامها ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه (٢)
والعرب تشبه الثغر باللؤلؤ والإغريض وهو ما (٣) يتشقق
عنه الطلع من النخل، والأقاحي، وهو أشبهها بالثغر هيئة، وشكلًا، وبياضًا، وتفلجًا، وتشبهه بالبرد، وبشوك السيال، وهو شجر، ولا يريدون اللون، وإنما يريدون الشكل والتفرق، قال الأعشى:
باكرتها الأغراب في سنة النو م فتجري خلال شوك السيال (٤)
الأغراب: أقداح الفضة باكرتها وفيها الخمر وقد قال أبو تمام:
وعلى العيس خرد يتبسمـ ـن عن الأشنب الشتيت البراد (٥)
كان شوك السيال حسنًا فأضحى دونه للفراق شوك القتاد (٦)
فالبراد: هو البارد، والأشنب أيضًا: البارد، والشنب: البرد، وإنما جمع بينهما لاختلاف اللفظ.
وقال أبو تمام:
ولو تبسم عجنا الطرف في برد وفي أقاح سقته الخمر والضرب (٧)
من شكله الدر في رصف النظام ومن صفاته الفتنتان: الظلم والشنب
[ ٢ / ١٠٨ ]
قوله: «وفي أقاح الخمر والضرب» معنى حسن جدًا، ولائق بالمعنى.
والظلم: ماء الأسنان، والشنب: بردها.
وتزعم الرواة أن أحسن ما قيل في وصف الثغر قول بشر بن أبي خازم (١):
يفلجن الشفاه عن أقحوان جلاه غب سارية قطار (٢)
وهذا -لعمري- يستحق التقديم والتفضيل وليس بدونه قول النابغة:
كالأقحوان غداة غب سمائه جفت أعاليه وأسفله ندي (٣)
بل قول النابغة أجمع للمعنى؛ لأن قوله: «كالأقحوان غداة غب سمائه» بإزاء قول بشر: «جلاه غب سارية قطار».
وقول النابغة: «جفت أعاليه وأسفله ندي» زيادة حسنة.
ولكن بيت بشر أبرع؛ لأنه مستغن بنفسه، وبيت النابغة متعلق على البيت الذي قبله.
[ ٢ / ١٠٩ ]