قال أبو تمام يخاطب الربع:
قد كنت معهودًا بأحسن ساكن ثاو فأحسن دمنة ورسوم (١)
أيام للأيام فيك غضارة والدهر في وفيك غير مليم
وظباء أنسك لم تبدل منهم بظباء وحشك ظاعنًا بمقيم
من كل ريم لو تبذل قطعت ألحاظ مقلته فؤاد الريم
قوله: «ثاو بأحسن دمنة ورسوم» غلط؛ لأن رسوم الدار لا تسمى رسومًا إذا كان أهلها ثاوين فيها، بل إنما تسمى رسومًا: إذا فارقها ساكونها وارتحلوا عنها؛ لأن الرسم هو الأثر الباقي بعدهم.
والصحيح المستقيم قول البحتري:
يا مغاني الأحباب صرت رسومًا وغدا الدهر فيك عندي ملوما (٢)
وليس أبو تمام ممن يذهب هذا عليه، ولكنه يسامح نفسه في ألفاظه، فيقع الغلط عليه عند كلال خاطره، ألا تراه قال:
قالوا: أتبكي على رسم فقلت لهم: من فاته العين هدى شوقه الأثر (٣)
فجاء بالرسم في موضعه، وقد ذكرت هذا فيما تقدم (٤).
وقوله: «من كل ريم لو تبذل» لفظ غير لائق بالمعنى، ولا ملتئم معه؛ لأنه يريد بالريم: المرأة؛ وتبذلها لا يقطع فؤاد الريم، فإن كان
[ ١ / ٥٣٤ ]
أراد بالتبذل ظهروها للريم، فإن ظهروها للريم ليس بتبذل، ولا هي محجوبة ولا مصونة عن الريم، وإنما كان المعنى يصح وينتظم لو قال: «من كل ريم لو عرف الريم كنه جماله، ثم رآه أو واجهه»، فأما التبذل فقد يقع منها وربما لا يراها (١).
ويروى: «من كل ريم لو تبدى» أي لو ظهر، وليس بشيء؛ لأنها ليس بشيء، لأنها ليست محجوبة عن الريم.
وقال:
أأطلال هند ساء ما اعتضت من هند أقايضت حور العين بالعون والربد (٢)
إذا شئت بالألوان كن عصابة من الهند والآذان كن من الصغد (٣)
أعجنا عليك العيس بعد معاجها على البيض أترابًا على النوى والود (٤)
فلا دمع أو يعفو على إثره دم ولا وجد ما لم تعي عن صفة الوجد (٥)
قوله: «حور العين» يريد النساء.
وقوله: «بالعين» يريد بقر الوحش، وقيل لها عين: لعظم أعينها.
والربد: النعام، جعلها ربدًا في ألوانها.
وقوله: «كن عصابة من الهند» لأن الهند سمر إلى الصفرة الكدرة وتلك هي الربدة
[ ١ / ٥٣٥ ]
والصغد: إذ أنهم صغار جدًا، وربما وجد فيهم من لا يكون له أذن ظاهرة، لصغرها ولصقوها برأسه، قال ذلك: لأن النعام لا آذان لها، فقال: إذا شئن، من أجل ألوانهن، كن من الهند، أو من أجل أنهن لا آذان لهن، من الصغد.
وقوله: «أو يعفو على إثره دم» أي يكثر، يقال: عفا شعره: إذا كثر، وهو من الأضداد (١)، وهذه طريقة لا حلاوة لها.
والبيت الأول والأخير جيدان.
وقوله: «أعجنا عليك العيس» بيت مضطرب النظم (٢)، رديء اللفظ؛ لأنه يخاطب الأطلال، فكأنه أراد أن يقول: أعجنا العيس منك على النوى والود، بعد معاجها على البيض أترابًا، فجعل «عليك» في موضع «منك».
وقال أيضًا:
تبدل غاشية بريم مسلم تردى رداء الحسن طيفًا مسلما (٣)
ومن وشى خد لم ينمنم فرنده معالم يذكرن الكتاب المنمنما (٤)
وبالحلي إن قامت ترنم فوقها حمامًا إذ لاقى حمامًا ترنما
وبالخدالة الساق المخدمة الشوى قلائص يتلون العبنى المخدما (٥)
قوله: «تبدل غاشية بريم مسلم» يعني المرأة.
«طيفًا مسلمًا» يعني خيالها يعنى خيالها، ولم يرد أن من يغشى هذا المنزل ينام فيه حتى يرى الطيف في منامه، وإنما أراد: أن يتصور له خيال من كان يهواه فيه فسماه طيفًا، وهذا غير منكر.
[ ١ / ٥٣٦ ]
وقوله: «ومن وشي خد لم ينمنم فرنده» ففرنده: ماؤه ورونقه.
لم ينمنم: لم ينقش كما تنقش الخدود إذا زينت، لاستغنائه عن ذلك بحسنه، وجعله وشيًا، والوشي: ما كان ألوانًا مختلفة كألوان الزهر في الرياض، فجعل بياض الخد وتلونه بالأحمر وشيًا، أي يدل غاشي الربع من ذلك معالم يذكرن الكتاب المنمنم، أو المكتوب، وبالحلي إن قامت ترنم فوقها حمامًا يترنم.
وقوله: «وبالخدلة الساق» أي الممتلئة، يعني المرأة.
والمخدمة الشوى: التي في رجلها خدمة، وهي الخلخال.
والشوى: الأطراف.
والقلائص من الإبل: جمع قلوص، وهي الفتية السن.
من يقف على الربع يتلون العبني، وهو الفحل الغليظ.
والمخدم: الذي في رجله خدمة، وهي سير غليظ محكم، يشد مثل الحلقة في رسغ البعير، ثم يشد إليه نعله، وسموا الخلخال خدمة.
ثم قال بعد هذا:
سوار إذا قابلن ممتنع الفلا جعلن الشعارين: الجديل وشدقما (١)
وهما فحلان، يقول: إذا قابلت هذه الإبل سير الفلاة رجعت إلى أنها من نتاج هذين الفحلين الكريمين، فتقوى على قطع الفلا، فجعل ذلك شعارًا لها.
[ ١ / ٥٣٧ ]
وقال: سوار -رفع- وهو وصف القلائص (١) والعبني، وهي منصوبة.
وهذا تحمل إذا اعتمد بالكلام الاستئناف.
والمعنى أيضًا ليس بالجيد؛ لأنه جعل الإبل التي ذكر أنها مجتازة بهذا المنزل وغير مقيمة لقوله: سوار - أسوة معالمه التي قد درست، وحمائمه التي تألفه وتقطنه، ولو كان هذا المنزل عامرًا بأهله، لما خلوا من إبل مقطورة تجتاز بهم، لقوم مسالمين من العشائر أو مخالفين أو متاجرين، أو أبل لهم أنفسهم يقطرونها لبعض مسيرهم ومآربهم.
ولعل منزلهم كان يألف من هذا الجنس من الإبل وهو عامر، أكثر مما يجتاز وهو خراب.
وقال البحتري:
ويزيده شجوًا تقارض وحشها وصلين وصل أحبة وحبائب (٢)
ترعى السهولة والحزون يقينها بينا لهن صدى الغراب الناعب
ما كان أحسن هذه من وقفة لو كان ذاك السرب سرب كواعب
وقوله: «وصلين» يريد وصل الذكور للإناث، ووصل الإناث للذكور.
والأحبة: الذكور.
والحبائب: الإناث؛ جمع حبيبة.
وقوله: «ترعى السهولة والحزون يقينها» يريد بالحزون: المواضع التي
[ ١ / ٥٣٨ ]
يعتصم بها، ويستتر فيها من جوارح الطير والسباع.
وقوله: «صدى الغراب» يعني صوته، والصدى: هو ما يسمع بعد الصوت من جبال أو نحوه، وهو حكاية الصوت سواء، فجعل صوت الغراب صدى ولعل له أصلًا.
وقال البحتري:
أأنت ديار الحي أيتها الربى الـ ـأنيقة أم دار المهى والنعائم (١)
وسرب ظباء الوحش هذا الذي أرى أمامك؟ أم سرب الظباء النواعم
وأدمعي اللاتي عفاك انسجامها وأبلاك؟ أم صوب الغيوث السواجم (٢)
وأيامنا فيك اللواتي تصرمت مع الوصل؟ أم أضغاث أحلام حالم (٣)
وهذا كأنه في مذهب أبي تمام في استقصاء المعاني؛ وليس هو بوصف جيد.
وقوله أيضًا: إن الدموع السجام هي التي عفت الديار وأبلتها أم الغيوث؛ إسراف ومبالغة غير حسنة ولا جميلة.
وأجود من هذا ومن جميع ما قاله الطائيان في هذا الباب، وأبرع لفظًا وألطف معنى ما أنشده إبراهيم الموصلي:
وما يستفيق القلب إلا انبرى له توهم ضيف من سعاد ومربع (٤)
[ ١ / ٥٣٩ ]
أخادع عن عرفانها العين إنه متى تعرف الأطلال عيني تدمع (١)
عهدت بها وحشًا عليها براقع وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع
تشابه في أجيادها وعيونها ولم يتفق أشباه سوق وأذرع
وأخذ بشار -فيما أظن- قول هذا الشاعر:
* متى تعرف الأطلال عيني تدمع *
فقال:
متى تعرف الدار التي بان أهلها بسعدى فإن الدمع منك قريب (٢)
فأساء إساءة بينة، لأنه جعل الدمع قريبًا ولم يجعله جاريًا، وقد كان يمكنه أن يقول: فدمع المقلتين سكوب، أو جرى المقلتين غروب، أو نحو هذا ولكنه وصله ببيت في غاية الحسن، فقال:
تذكر من أحببت إذ أنت يافع غلام، فمغناه إليك حبيب (٣)
ومن هنا أخذ ابن الرومي قوله:
وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا (٤)
[ ١ / ٥٤٠ ]