ورأى الطائي الطباق في أشعار العرب، وهو أكثر وأوجد في كلامها من التجنيس، وهو: مقابلة الحرف بضده أو ما يقارب الضد، وإنما قيل " مطابق " لمساواة أحد القسمين صاحبه، وإن تضادا أو اختلفا في المعنى، ألا ترى إلى قولهم في أحد المعنيين - إذا لم يشاكل صاحبه - ليس هذا طبق هذا، وقولهم في المثل " وافق شنٌ طبقه " والطبق للشيء إنما قيل له طبقٌ لمساواته إياه في المقدار، إذا جعل عليه أو غطى به، وإن اختلف الجنسان.
قال الله ﷿ " لتركبن طبقًا عن طبق " أي: حالا بعد حال، ولم يرد تساويهما في تمثيل المعنى، وإنما أراد جل وعز - وهو أعلم - تساويهما فيكم، وتغييرهما إياكم؛ بمرورهما عليكم، ومنه قول العباس بن عبد المطلب:
إذا انقضى عالمٌ بدا طبق
أي: جاءت حال أخرى تتلو الحال الأولى؛ ومنه طباق الخيل، يقال: طابق الفرس إذ١اوقعت قوائم رجليه في موضع قوائم يديه في المشي أو العدو؛ وكذلك مشي الكلاب، قال الجعدي:
[ ١ / ٢٨٨ ]
طباق الكلاب يطأن الهراسا
فهذا حقيقة الطباق، إنما هو مقابلة الشيء لمثله الذي هو على قدره، فسموا المتضادين - إذا تقابلا - مطابقين؛ ومنه قول زهير:
ليثٌ بعثر يصطاد الرجال إذا ما الليث كذب عن أقرانه صدقا
فطابق بين قوله " كذب " وبين قوله " صدقا "؛ وقول طفيلٍ الغنوى يصف فرسًا:
يصان وهو ليوم الروع مبذول
فطابق بين قوله " يصان " وبين قوله " مبذول "، وقول طرفة بن العبد:
بطئ عن الجلى سريعٍ إلى الخنا
فطابق بين " بطئ " و" سريع ": فلو اقتصر الطائي على ما اتفق له في هذا الفن من حلو الألفاظ وصحيح المعنى نحو قوله:
[ ١ / ٢٨٩ ]
نثرت فريد مدامعٍ لم تنظم
ونحو قوله:
جفوف البلى أسرعت في الغصن الرطب
ونحو قوله:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلى الله بعض القوم بالنعم
وأشباه هذا من جيد أبياته، وتجنب مثل قوله:
قد لان أكثر ما تريد، وبعضه خشنٌ، وإني بالنجاح لواثق
وقوله:
لعمري لقد حررت يوم لقيته لو أن القضاء وحده لم يبرد
وقوله:
وإن خفرت أموال قومٍ أكفهم من النيل والجودى فكفاه مقطع
ونحو هذا مما يكثر، إن ذكرته ذهب عظيم شعره وسقط، وأكثر ما عيب عليه منه.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وهذا باب - أعني المطابق - لقبه أبو الفرج قدامة بن جعفر في كتابه المؤلف في نقد الشعر " المتكافئ "، وسمى ضربًا من المجانس المطابق، وهو: أن تأتي الكلمة مثل الكلمة سواء في تأليفها واتفاق حروفها، ويكون معناها مخالفًا، نحو قول الأفوه الأودي:
وأقطع الهوجل مستأنسا بهوجلٍ عيرانةٍ عنتريس
والهوجل الأول: الأرض البعيدة، والهوجل الثاني: الناقة العظيمة الخلق الموثقة، وقول أبي دواد الإيادي:
عهدت لها منزلا دارسًا وآلًاِ على الماء يحملن آلا
فالآل الأول: أعمدة الخيام، والآل الثاني: ما يرفع الشخوص.
وقول زياد الأعجم:
ونبئتهم يستنصرون بكاهلٍ وللؤم فيه كاهلٌ وسنام
وما علمت أن أحد فعل هذا غير أبي الفرج، فإنه وإن كان هذا اللقب يصح لموافقته معنى الملقبات، وكانت الألفاظ غير محظورة،
[ ١ / ٢٩١ ]
فإنى لم أكن أحب له أن يخالف من تقدمه، مثل أبي العباس عبد الله بن المعتز وغيره ممن تكلم في هذه الأنوع والألف فيها؛ أذا قد سبقوه إلى اللقب، وكفوه المؤونة.
وقد رأيت قومًا من البغداديين يسمون هذا النوع المجانس الممائل، ويلحقون به الكلمة إذا تكررت وترددت، نحو قول جرير:
تزود مثل زاد أبيك فينا فنعم الزاد زاد أبيك زادا
[وبابه قليل]
[ ١ / ٢٩٢ ]