قال أبو تمام:
قف بالطلول الدارسات علاثا أضحت حبال قطينهن رثاثا
قسم الزمان ربوعها بين الصبا وقبولها ودبورها أثلاثا
وهذا غلط منه؛ لأن الصبا هي القبول، ولو قال: بين الصبا وشمالها وجنوبها أثلاثا؛ كان قولًا مستقيمًا؛ لأن هذه الرياح الثلاث أكثر هبوبًا من الدبور، ولو اقتصر على ريحين كان ذلك أيضًا صوابًا، كما قال امرؤ القيس:
* لما نسجتها من جنوب وشمال (٢) *
وكما قال الأعشى:
دمنة قفرة تعاورها الصيـ ـف بريحين من صبا، وشمال (٣)
ولكنه جعلها ثلاثًا من أجل القافية لا غير.
وقد حكى عن النضر بن شميل أنه قال: ريح بين الصبا والجنوب.
وهذا إن كان النضر قاله فليس بمعروف ولا معول عليه؛ لأن الناس جميعًا على خلافه في أن القبول هي: الصبا.
وقال ابن الأعرابي: القبول: كل ريح لينة طيبة المس، تقبلها النفس.
وهذا لا حجة فيه لبيت أبي تمام، وقد استقصيت القول في هذا فيما مضى عند ذكر أغاليطه من هذا الكتاب (٤).
[ ١ / ٤٩٢ ]
وقال البحتري، فذكر (١) الرياح الأربع:
متروكة للريح بين شمالها وجنوبها ودبورها وقبولها (٢)
وأحسن من هذا ومن كل ما قيل في هذا المعنى قوله أيضًا:
بين الشقيقة فاللوى فالأجرع دمن حبسن على الرياح الأربعا
وقد تقدم ذكره (٣).
قال أبو تمام:
أو ما رأيت منازل ابنة وائل رسمت له كيف الزفير رسومها (٤)
آثارها وطلولها ونجادها ووهادها وحديثها وقديمها
تغدو الرياح وعوافيًا فتضيم مغناها وليس تضيمها (٥)
قوله: «رسمت له كيف الزفير» لفظة غير لائقة بالمعنى؛ وإنما جاء بها ليجانس بينها وبين قوله: «رسومها».
وقوله في البيت الثاني: «وحديثها وقديمها» حشو لم يفد به فائدة.
وقوله: «فتضيم مغناها»؛ يعني الرياح إنها تضيم المغنى وليس يضيمها، وهذا أيضًا معنى ليست له حلاوة، ولا يقود إلى فائدة؛ لأن المعلوم أن الأرض لا تضيم الريح.
وقال أيضًا في وصف ربع:
ملكته الصبا الولوع فألـ ـفته قعود البلى وسؤر الخطوب (٦)
[ ١ / ٤٩٣ ]
قوله: «الصبا الولوع»، وإنما أراد المولعة بالهبوب، لأنها أكثر الرياح هبوبًا، ولا أعلمه يقال: ولع بالشيء يولع فهو ولوع، ولكن قد سمعت: وَلِعَ يَلِعُ، مثل وزع يزع، وولع يلع، مثل وسع يسع، حكاهما أبو زيد (١).
والولوع: هو المصدر، وما أراه يقال: هو ولوع بكذا، والقياس هو ولع بكذا، مثل وزعم به (٢)، ووالع مثل واسع، واللغة المعروفة: أولعت بالشيء فأنا مولع به، والمصدر الولوع.
وقوله: «ألفته»، ليس هذا موضع ألفته؛ لأن معنى ألفته: صادفته، وإذا كانت الريح هي التي فعلت بالربع، فوجه الكلام: «جعلته»، لو استوى به، لا «ألفته»، وإذا لم يستقم له «جعلته»، ولا ما هو في معناها - نقض البيت بأسره، وبناه بألفاظ أخر. وكأنه أراد أن يقول: قعود البلى وهدفًا للخطوب، أو غرضًا للخطوب، أي تقع به أبدًا وتصيبه؛ فلم ينتظم له الوزن، وكأنه أراد أن يقول: وهدفًا للخطوب أو غرضًا للخطوب، أي تقع به أبدًا [وتصيبه] (٣) فقال: سور؛ لأن السور جعل يقع (٤) به كل قارعة دون ما وراءه، فهو هدف وغرض لكل رام، فهذا الذي أراده، والله أعلم.
وليس قول من يقول: سور الخطوب، أي أن هذا الربع محيط بالخطوب فهو كالحارس لها، فهي لا تبرحه ولا تريمه بشيء؛ لأن الأشبه والأولى في
[ ١ / ٤٩٤ ]
هذا أن تجعل الخطوب هي التي أحاطت به من كل وجه حتى عفته وأبلته وأخلته من أهله، لا [أ] نه أحاط بها.
وقد قيل: سؤر الخطوب [بالهمز: بقية ما أبقته الخطوب] (١) كسؤر السبع إذا ولغ في الشيء، ثم أسأر منه، وليس هذا ببعيد من المعنى، بل هو وجه جيد (٢).
وقال البحتري:
مغاني سليمى بالعقيق ودورها أجد الشجا أخلاقها ودثورها (٣)
وما خلتها مأخوذة بصبابتي صحائف تمحى بالرياح سطورها
وهذا من أحسن معنى وأبرعه.
وقوله: «وما خلتها مأخوذة بصبابتي»، مما يسأل عنه فيقال: كيف تؤخذ الصحائف وهي عرصات الدار بصبابته؟، فمعنى مأخوذ بصبابتي: أي ملزمة صبابتي، كما يقال: قد أخذ فلان بأن يفعل كذا وكذا: أي ألزمه، كما يقال للرجل: افعل كذا وكذا، فيقول: من أخذني بهذا، أي من ألزمنيه؟ ومن ناطه بي (٤) وعلقه عليَّ. وكما يقال كذا وكذا وما أخذ ما أخذه، أي وما اتصل به، وتعلق عليه، ولزم طريقته.
ولا أعرف لأبي تمام معنى جيدًا في ذكر الرياح إلا قوله:
يا منزلًا أعطى الحوادث حكمها لا مطل في عدة ولا تسويفا (٥)
[ ١ / ٤٩٥ ]
أرسى بناديك الندى وتنفست نفسًا بعقوتك الرياح ضعيفا
وإنما قال ضعيفًا: لأن الرياح إذا اشتد هبوبها عفت آثار الديار وطمست معالمها، ولذلك قال البحتري:
وإذا هبت الرياح نسيمًا فعلى ربع دارها والجناب (١)
وما زلت أسمع أهل العلم بالشعر يستحسنون بيت أبي تمام هذا، وهو لعمري حسن، ولكنه أخذ المعنى من قول آخر وأنشده إسحاق بن إبراهيم الموصلي ولم يأت به في ذكر الدار:
يا حبذا ريح الجنوب إذا سرت بالليل وهي ضعيفة الأنفاس
قد ضمنت برد الندى وتحملت عبقًا من الجثجات والبسباس (٢)
وأجود من هذا وذاك في وصف طيب الريح، قول أبي الصفي الأسدي:
إذا أصعد الركبان واستقبلتهم جنوب كمس الرازقي هبوبها
الرازقي: الرقيق من الكتان الأبيض (٤)، والريح وإن كانت قد تسفي الترب على رسم الدار فتعغطيه وتعفوه، فإنها أيضًا قد تنسفه (٥) عنه فتكشفه وتجده، ألا ترى إلى قول جرير:
تحيي الروامس ربعها فتجده بعد البلى وتميته الأمطار (٦)
فهي تفعل فعلين مختلفين، وربما نسفت تراب أرضٍ فطرحته على أرض أخرى، وبينهما سير أيام، فتكشف عن معالم تلك الأرض، وتغطي على
[ ١ / ٤٩٦ ]
معالم هذه، وربما غشيت وجه الأرض كله بتراب الأرض الأخرى، وفي ذلك يقول ذو الرمة:
ضهول كساها ترب أرض غريبة سوى أرضها منها الهباء المغربل (١)
ضهول: وصف للريح، وذكرها في بيت قبل هذا، والهاء في كساها راجعة إلى رسوم الدار التي وصفها، وضهول ماؤها: يجيء قليلًا قليلًا.
وضهول كل شيء: رجوعه، وبئر ضهول: يجيء ماؤها قليلًا قليلًا، ويروى: «جفول» أي سريعة ذاهبة، فهذا في ريح واحدة.
فأما الريحان المختلفان، فإن أحداهما تنسف عن الأرض التراب، والأخرى ترده إليها على ما قال امرؤ القيس:
. . . . . . . . . لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمال (٢)
فلعل الطائيين فيما شرطاه إنما أشفقا من أحد فعلي الريح، وهو طموسها للرسم.
وقال البحتري:
أسند صدور اليعملات بوقفة في الماثلات كأنهن المسند (٣)
دمن تقاضاهن إعلان البلى هوج الرياح الباديات العود (٤)
حتى فنين وما البقاء لواقف والدهر في أطرافه يتردد
وهذا معنى عجيب، وغرض حسن، والمسند الدهر، أراد أن طلول الدار والماثلات ثابتة فيه كثبات الدهر ودوامه، وإنما قال: أسند، من أجل قوله: المسند.
[ ١ / ٤٩٧ ]
وأجود منه وأحلى قوله:
عست دمن بالأبرقين خوال ترد سلامي أو تجيب سؤالي (١)
إذا ما تأيا الركب فيها تبينوا ضمانة متبول وصحة بال (٢)
خليلي ما للرامسات وما لها وما لشجوني المبرحات ومالي (٣)
ومما لا مزيد عليه، ولا غاية لحسنه وبراعته، ولطف معناه، قوله:
أصبا الأصائل إن برقة منشد تشكو اختلافك بالهبوب السرمد (٤)
لا تتعبي عرصاتها إن الهوى ملقى على تلك الرسوم الهمد
دمن مواثل كالنجوم فإن عفت فبأي نجم في الصبابة تهتدي (٥)
وقد قرأت شعرًا كثيرًا، في وصف الرياح للدار، لشعراء الجاهلية والإسلام، فما سمعت بأحسن من هذا، ولا أعرف ولا أبدع.
[ ١ / ٤٩٨ ]