قال البحتري:
عيرتني المشيب وهي بدته في عذارى بالصد والاجتناب (١)
لا تريه عارًا فما هو بالشيـ ـب ولكنه جلاء الشباب
وبياض البازي أصدق حسنًا لو تأملت من سواد الغراب (٢)
قوله: «بدته»، أراد بدأته فترك الهمز، يقال: بدأت بالأمر، وأبدأته.
وقوله: «ولكنه جلاء الشباب» من معانيه التي تستحسن.
وقال أبو تمام:
أبدت أسى إذ رأتني مخلس القصب وعاد ما كان من عجب إلى عجب (٣)
ست وعشرون تدعوني وأتبعها إلى المشيب ولم تظلم ولم تجب (٤)
فلا يؤرقك إيماض القتير به فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب
وقد مرت في باب «نزول الشيب قبل حينه» (٥).
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وقوله: «فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب» أحسن من قول البحتري:
«جلاء الشباب»، وأجود وأبرع وأصح معنى.
وقال البحتري:
ها هو الشيب لائمًا فأفيقي واتركيه إن كان غير مفيق (١)
فلقد كف من عناء المعنى وتلافى من اشتياق المشوق
عذلتنا في عشقها أم عمرو هل سمعتم بالعاذل المعشوق
ورأت لمة ألم بها الشيـ ـب فريعت من ظلمة في شروق
ولعمري لولا الأقاصي لأبصر ت أنيق الرياض غير أنيق (٢)
وسواد العيون لو لم يكمل ببياض ما كان بالمرموق (٣)
ومزاج الصهباء بالماء أملى بصبوح مستحسن وغبوق
أي ليل يبهى بغير نجوم أو سحاب يندى بغير بروق
هذا إنما يخرجه الشاعر وأشباهه مخرج النادرة فيستحسن.
وأخذ قوله: «أي ليل يبهى بغير نجوم» من قول الآخر:
أشيب ولم أقض الشباب حقوقه ولم يمض من عهد الشباب قديم (٤)
[ ٢ / ٢٢٨ ]
تفاريق شيب في السواد لوامع وما خير ليل ليس فيه نجوم (١)
وقال آخر في مدح الشيب:
لا يرعك المشيب يا ابنة عبد الله فالشيب حلية ووقار (٢).
إنما تحسن الرياض إذا ما ضحكت في خلالها الأنوار
وما أحسن ما قال امرؤ القيس، وأجوده وأصحه في التعزي عن المشيب:
ألا إن بعد العدم للمرء قنوة وبعد المشيب طول عمر وملبسا (٣)
وقال آخر، ومن هذا أخذ هو وغيره:
والشيب إن يحلل فإن وراءه عمرًا يكون خلاله متنفس (٤)
[ ٢ / ٢٢٩ ]