قال أبو تمام:
أبدت أسى أن رأتني مخلس القصب وآل ما كان من عجب إلى عجب (١)
ست وعشرون تدعوني فأتبعها إلى المشيب فلم تظلم ولم تحب (٢)
فلا يؤرقك إيماض القتير به فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب (٣)
يقال: رأس مخلس وخليس: إذا اختلط به الشيب.
والقصب جمع قصبة وهي خصلة الشعر، «وآل ما كان من عجب» بي ومحبة «إلى عجب» أي تعجب من شيبي.
وقال:
شاب رأسي وما رأيت مشيب الـ ـرأس إلا من فضل شيب الفؤاد (٤)
وكذاك القلوب في كل بؤس ونعيم طلائع الأجساد
طال إنكاري البياض وإن عمـ ـرت شيئًا أنكرت لون السواد
زارني شخصه بطلعة ضيم عمرت مجلسي من العواد
نال رأسي من ثغرة الهم لما لم ينله من ثغرة الميلاد
[ ٢ / ٢١٢ ]
فالأبيات الثلاثة الأولى من فلسفته الحسنة الصحيحة المستقيمة، ومن مشهور أحسانه، وقد عابه قوم بقوله: «شيب الفؤاد»، وليس عندي بعيب؛ لأنه لما كان الجالب للشيب القلب المهموم نسب الشيب إليه على الاستعارة، وقد أحسن عندي، ولم يسيء (١).
وقوله: «عمرت مجلسي من العواد» معنى لا حقيقة له؛ لأنا ما رأينا ولا سمعنا أحدًا جاءه عواد يعودونه من الشيب، ولا أن أحدًا أمرضه الشيب، ولا عزاه المعزون عن الشباب (٢).
وقال ابن حازم الباهلي:
أليس عجيبًا بأن الفتى يصاب ببعض الذي في يديه (٣)
فمن بين باك له موجع وبين معز مغذ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشباب فليس يعزيه خلق عليه
[ ٢ / ٢١٣ ]
فأحب أبو تمام أن يخرج عن عادات بني آدم، ويكون أمة وحده.
وقوله: «نال رأسي من ثغرة الهم. . .» بيت رديء، بعيد المعنى.
ولكنه يقرب ويتخلص إذا وقع التأني للعبارة عنه، فأقول: إن الثغرة هي: الفرجة والثلمة تكون في الشيء؛ ولذلك سمي كل بلد جاور عدوًا ثغرا، كأن معناه أنه مكشوف للعدو فلذلك قيل: قد سد الثغر بالرجال، وأصله -والله أعلم- من ثغر الإنسان؛ لأنه أول ما يقابلك من أسنانه، وأول ما يظهر عند الكلام، وأول ما يسقط فيرى موضعه مثلومًا، فشبه الثغر الذي هو البلد به، وقالوا: قد أثغر الصبي واثغر، وسميت تلك الثغرة فرجة في موضع السن وفي كل موضع منفرج، ومنه ثغرة النحر.
فأراد بقوله: «نال رأسي من ثغرة الهم»، أي وجد الشيب من الهم فرجة دخل على رأسي منها، جاء به على مذهبه في الاستعارة، والهم يشيب لا محالة.
وقوله: «لما لم ينله من ثغرة الميلاد»، يذهب في ثغرة الميلاد إلى الوقت الذي يهجم عليه (١) فيه الشيب من عمره؛ لأنه يجد السبيل في ذلك الوقت إلى الحلول برأسه، فجعله ثغرة حينئذ، فيقول: إن المشيب حل برأسه من جهة همومه وأحزانه لما لم يبلغ السن الذي يوجب حلوله به من جهة كبره (٢).
وكان وجه الكلام أن يقول: من ثغرة الكبر، أو من ثغرة السن، لا من ثغرة الميلا (٣).
[ ٢ / ٢١٤ ]
وكان يجب أيضًا أن يقول: حل برأسي، أو نزل (١)؛ فإن هذه اللفظة هي المستعملة في مثل هذا دون قوله: «نال»، كأنه يجعل الشيب لم يزل يترصده، ويتطلب فرصة منه ينتهزها في الدخول عليه وذلك لبعده كان عن الأفراح والمسار (٢)، وكثرة أحزانه وهمومه، وليس لثغرة الصبي وهو إثغاره إذا سقط سنه ها هنا وجه؛ لأن الإنسان قد يشيب وهو حديث السن فأما في ذلك الوقت فلا.
وقال:
نسج المشيب له قناعًا مفدفا يققًا فقنع مذرويه ونصفا (٣)
نظر الزمان إليه قطع دونه نظر الشفيق تحسرًا وتلهفا
ما اسود حتى ابيض كالكرم الذي لم يأن حتى جيء كيما يقطفا
لما تفونت الخطوب سوادها ببياضها عبثت به فتفوفا
ما كان يخطر قبل ذا في فكرة في البدر قبل تمامه أن يكسفا
قوله: نظر الزمان إليه، أي نظره بالشيب قطع دونه نظر الشفيق عن أن ينظر إليه فيتحسر عليه ويتلهف، وإنما أراد «قطع دونه» خفيفة فثقلها ليستوي له الوزن، وقد يجوز أن يكون أراد التثقيل، أي أن الشفيق الذي كان يديم النظر إليه ويواصله إعجابًا به صار لا يملأ طرفه لما شاب
[ ٢ / ٢١٥ ]
تحسرًا وتأسفًا، كلما نظر إليه أعرض عنه إعراض آسف عليه، لا إعراض بغضة وشناءة، فجعل ذلك الإعراض عنه في أوقاته تقطيعًا للنظر إليه.
وقوله: «ما اسود حتى ابيض»، يريد سرعة مشيبه.
وقوله: «كالكرم الذي لم يأن جتى جيء كيما يقطفا» (١) كلام في غاية القبح والغثاثة والبرد (٢)، كأنه جعل مجيء القاطف إلى الكرم الذي لم يدرك ليقطفه كحلول الشيب برأسه قبل أوانه ليفنى عمره.
وقوله: «لما تفرقت الخطوب سوادها ببياضها»، أذى لما اختلفت عليه بالخير والشر فوفت رأسه أي خلطت سواده ببياض الشيب.
وقوله: «ما كان (٣) يخطر قبل ذا في فكرة. . .» بيت لفظه ومعناه في غاية الاضطراب والسخافة (٤).
وقال البحتري:
أقول للمتي إذ أسرعت بي إلى الشيب اخسري فيه وخيبي (٥)
مخالفة بضرب بعد ضرب وما أنا واختلافات الضروب (٦)
وكان جديدها فيها غريبًا فصار قديمها حق الغريب (٧)
[ ٢ / ٢١٦ ]
قوله: وكان جديدها فيها غريبًا من قول أبي تمام:
طال إنكاري البياض وإن عمـ ـرت شيئًا أنكرت لون السواد (١)
وبيت أبي تمام أجود.
وقول البحتري: «مخالفة بضرب بعد ضرب» في غاية الحسن والصحة والبراعة.
وقال البحتري:
هل أنت صارف شيبة إن غلست في الوقت أو عجلت عن الميعاد (٢)
جاءت مقدمة أمام طوالع هذي تراوحني وتلك تغادي
وأخو الغبينة تاجر في لمة يشري جديد بياضها بسواد
لا تكذبن فما الصبا بمخلف لهوًا ولا زمن الصبا بمعاد (٣)
وأرى الشباب على غضارة حسنه وجماله عددًا من الأعداد
قوله: «يشري» أي يبيع «جديد بياضها بسواد» يريد الخضاب؛ لأنه قال: «لا تكذبن فما الصبا بمخلف» (٤).
[ ٢ / ٢١٧ ]
وقوله: «عددًا من الأعداد»، أي عددًا قليلًا يسيرًا (١).
وقال:
ما كان شوقي ببدع يوم ذاك ولا دمعي بأول دمع في الهوى سفحا (٢)
ولمة كنت مشغوفًا بجدتها فما عفا الشيب لي عنها ولا صفحا
وهذا من إحسانه المشهور:
ووجدت في ديوان أبي تمام في الخضاب، وهو يشبه كلامه، وأظنه منحولا (٣):
فإن يكن المشيب طرا علينا وأودى بالبشاشة والشباب
فإني لست أدفعه بشيء يكون عليه أثقل من خضاب
أراد بأن ذاك وذا عذاب فينتقم العذاب من العذاب (٤)
وقال البحتري:
لو رأت حادث الخضاب لأنت وأرنت من احمرار اليرنا (٥)
وقال:
قالت الشيب أتى قلت أجل سبق الوقت ضرارًا وعجل (٦)
[ ٢ / ٢١٨ ]
ومع الشيب على علاته مهلة للمرء حينًا والغزل (١)
خليت أن التصابي خرق بعد خمسين ومن يسمع يخل
وقال:
تزيدني الأيام مغبوط عيشة فينقضي نقص الليالي مرورها (٢)
وألحقني بالشيب في عقر داره مناقل في عرض الشباب أسيرها
مضت لي سواد الليل أولى بطالتي فدعني يصاحب وخط شيبي أخيرها (٣)
يقول: إذا زادتني الأيام شيئًا من غبطة العيش اجتمعت مع الليالي على انتقاصه، أي ارتجاعه، والمناقل: جمع منقلة، وهي المرحلة من مراحل السفر (٤).
وعقر الدار، وعقرها -بالفتح والضم- أصلها.
وهذا من بارع لفظه وفصيحه وبليغه.
ومن هذا الباب، ويصلح أن يثبت في الباب الذي بعده قول آخر:
نزل المشيب بعارضيـ ـي وضقت ذرعًا بالمشيب
وبكيت إذ رحل الشبا ب بكا المحب على الحبيب
[ ٢ / ٢١٩ ]
داء عياء ليس ممـ ـما ما أشتكيه إلى الطبيب
ما للمشيب بكيت لـ ـكن خشية الأجل القريب
وما أحسن ما قال عمرو بن المبارك الخزاعي في هذا:
من لأذني بملام ولكفي بمدام
رق عظم الجهل مني وانحنى متن عرامي
وتمشى السيف من شيبـ ـبي إلى شيبي التوام
نظمك الدر إلى الدر رة في سلك النظام
ومما لا شيء أجود منه في معناه قول الآخر، ولا تشينه شهرته:
ألقى عصاه وأرخى من عمامته وقال ضيف فقلت الشيب قال أجل (١)
فقلت أخطأت دار الحي قال لقد تمتلك الأربعون الوفر ثم نزل (٢)
فما شجيت بشيء ما شجيت به كأنما اعتم منه مفرقي بحبل
وقد تصرف البحتري في هذا الباب تصرفًا حسنًا.
ولولا قول أبي تمام: «فلا يؤرقك إيماض القتير به».
وقوله: «شاب رأسي»، والبيتان بعده لفضلت البحتري عليه في افتنانه، وبراعة لفظه، وسلامة، لكني أجعلهما متكافئين.
[ ٢ / ٢٢٠ ]