قال أبو تمام:
قفوا نعطي المنازل من عيونٍ لها في الشوق أحساءٌ غزار
عفت آياتهن، وأي ربعٍ يكون له على الزمن الخيار؟
أثافٍ كالخدود لطمن حزنًا ونويٌ مثل ما انفصم السوار
قوله " أحساء " جمع حسي، وهو الماء يغيض في الرمل، فإذا وصل إلى الصلابة وقف؛ فيحفر عنه ويشرب، وقد قال في موضع آخر:
ودع حسي عينٍ يحتلب ماءه الوجد
وقوله " أثافٍ كالخدود لطمن حزنًا " من قول المرار الفقعسي:
أثر الوقود على جوانبها بخدودهن كأنه لطم
وقال البحتري:
عوضٌ منهم خسيسٌ وقد حلوا اللوى منزلٌ بوجرة عافي
لم تدع منه مبليات الليالي غير نؤيٍ تسفى عليه السوافي
[ ١ / ٤٨٣ ]
وأثافٍ أتت لها حججٌ دو ن لظى الناء مثلٌ كالأثافي
وقوله " مثل " أي قائمة ثابتة " كالأثافي " يريد الكواكب التي عند الفرقدين وهي ثلاثة، قيل لها أثاف لشبهها بالأثافي، فشبه البحتري الأثافي بها لثبوتها وأنها مثلٌ على مر الدهر؛ قال أبو حنيفة الدينوري في كتابه في الأنواء: إن في تثليثها طولًا، ولو شبهها البحتري بالنسر الواقع - لأنه أشهر وأظهر وأقرب شبهًا - لكان ذلك أحسن وأليق وأكشف للمعنى من أن يشبهها بشيء إنما استعير له اسمها، وليس يعرفه كل أحد، ولكنه جاء به من أجل القافية، وقال البحتري:
لها منزلٌ بين الدخول فتوضح متى تره عين المتيم تسفح
عفا غير نؤي دارسٍ في فنائه ثلاث أثافٍ كالحمائم جنح
وهذا جيد حسن وعلى منهج الشعراء، وأظنه أخذه من قول عدي بن زيد:
وثلاث كالحمامات بها بين مجثاهن توشيع الحمم
قال ابن الأعرابي: لا يكون " مجثاهن " إنما هو " مجراهن ".
[ ١ / ٤٨٤ ]
أو من قول أبي نواس:
كما اقترنت عند المبيت حمائم بعيدات ممسى ما لهن وكون
وهذا أجود من بيت عدي ومن بيت البحتري.
وقد شبه الأثافي بالحمائم غير واحدٍ من الشعراء، والبديع النادر في وصف الأثافي قول كثير:
أمن آل قيلة بالدخول رسوم وبحوملٍ طللٌ يلوح قديم؟
لعب الزمان برسمه فأجده حونٌ عواكف في الرماد جثوم
سفع الخدود كأنهن وقد مضتحججٌ عوائد بينهن سقيم
قوله " فأجده جونٌ عواكف " يعني الأثافي؛ لأن الريح لما كشفت عنها فظهرت سوداء، شبهها بالعوائد، والجون: الأسود، والجون: الأبيض، وهو من الأسماء المتضادة، قال الأصمعي: يقال: غابت الجونة، وطلعت الغزالة، يعني مغيب الشمس وطلوعها، وهما أسمان من أسماء الشمس، وإنما سميت الشمس جونة عند الغروب لما يعرض فيها من تغير اللون إلى السواد.
[ ١ / ٤٨٥ ]
وقال حميد بن ثورٍ:
على أن سجقًا من رمادٍ كأنه حصى إثمدٍ بين الصلاء سحيق
وقال أبو سعيد المخزومي:
يبكي ثلاثًا كالحمام ركدا تسفى بها الريح رمادًا أرمدا
كأنما يطحن فيها إثمدا
وقال بشار بن برد:
ومسجد شيخٍ كنت في زمن الصبا أحييه أحيانًا وفيه نكوب
غدا بثلاثٍ ما ينام رقيبها وأبقى ثلاثًا ما لهن رقيب
" غدا " يريد الشيخ " غدا بثلاث " أي بثلاث نسوة " ما ينام رقيبها " يعني الشيخ أنه ما ينام عن رقبتها " وأبقى ثلاثا " يعني الأثافي.
وأخذ أبو تمام قوله " ونؤى مثل ما انفصم السوار " من قول آخر:
نؤى كما نقص الهلال محاقه أو مثل ما فصم السوار المعصم
وهذا العجز ما لحسنه نهاية. وقال كثير:
عرفت لسعدى بعد عشرين حجة بما درس نؤيٌ في المحلة منحن
قديمٌ كوقف العاج، ثبتٌ حواؤه مغادر أوتادٍ برضمٍ موضن
[ ١ / ٤٨٦ ]
قوله " منحن " مستدير. والوقف: السوار من الذبل ومن العاج. والرضم: صخور عظام. والرضم - أيضًا - هضاب صغار. والموضن: هو الذي بعضه فوق بعض. يقول: ضربت الأوتاد بحجارة الرضمة.
وما أحسن قول بشار:
ونؤي كخلخال الفتاة وصائم أشج على ريب الزمان رقوب
الصائم الأشج يعنى الوتد، والصائم القائم قال النابغة:
خيلٌ صيامٌ، وخيلٌ غير صائمةٍ تحت العجاج، وخيلٌ تعلك اللجما
فجعله رقوبا لانفراده، على الاستعارة. والمرأة الرقوب ولاشيخ الرقوب: الذي لا يعيش له ولد، والذي لا ولد له فهو ينتظره. والمستعمل في الرقبة أن يقال: رقيبٌ، وراقبٌ. وأظنه ذهب إلى توكيد الفعل، مثل قولهم " ضارب " فإذا وكدوا قالوا " ضروبٌ ". وكذلك " شاربٌ وشروبٌ، وآكلٌ وأكولٌ " أي كثير الأكل والشرب. وقال أبو تمام:
والنؤى أهمد شطره فكأنه تحت الحوادث حاجبٌ مقرون
وهذا أيضًا في وصف النؤى حسنٌ،
[ ١ / ٤٨٧ ]
ولست أعرف للبحتري في مثل هذا شيئا إلا ما لا يشتبه فيه، وهو قوله:
آثار نؤيٍ بالفناء مثلمٍ ورمام أشعث بالعراء مشجج
وهذا على مذاهب الناء. وقال النابغة:
رمادٌ ككحل العين ما إن تبينه ونؤيٌ كجذم الحوض أثلم خاشع
ووصل البحتري بيته بأن قال:
دمنٌ كمثل طرائق الوشى انجلت لمعاتهن من الرداء المنهج
يضعفن عن إذ كارنا عهد الصبا أو أو يهجن صبابةً لم تهتج
ولرب عيشٍ قد تبسم ضاحكا عن طرق زمنٍ بهن مدبج
وهذا كله على مذاهب الناس، ونحو قوله " كمثل طرائق الوشى " قول النابغة:
على الغصن الحالي كأن رسومها الركنين وشيٌ مرجع
" مرجع " بعضه على بعض في النساجة، وقال كثير:
مغاني ديارٍ لا تزال كأنها بأفنية الشطآن ريطٌ مضلع
وقال كثير أيضا:
غشى الركب ربعها فعجبنا من بلاه، وما المدى بقديم
[ ١ / ٤٨٨ ]
كحواشي الرداء قد مح منه بعد حسنٍ عصائب التسهيم
وهذا حسن جدًا. وقول البحتري " يضعفن عن إذكارنا عهد الصبى " يعني لطول عهدهن ودروسهن.
وقد تصرف شعراء الجاهلية والإسلام في وصف آثار الديار أحسن تصرفٍ، وأتوا فيه بكل تشبيه مستحسن ومعنى مستغرب؛ فمنه قول طرفة:
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
الوشم: أثر الحناء. وخص ظاهر اليد لأن دروسه أسرع. وقال لبيد:
وجلا السيول عن الطلول كأنها زبرٌ تجد متونها أقلامها
وهذا ما زلت أسمع العلماء تعجب من حسنه ولطافة معناه، وكان الفرزدق إذا أنشده يسجد ويقول: إنا نعرف مكان السجود في الشعر كما تعرفونه في القرآن. وقال آخر، وأنشده إسحاق بن إبراهيم:
تمتع بكر الطرف في رسم منزلٍ تحمل عنه قاطنوه فأقفرا
ترى فيه آثارًا، وإن كان داثرًا تذكرك الشوق القديم فتذكرا
[ ١ / ٤٨٩ ]
قوله " فتذكرا " ليس بالجيد، ووجهه الرفع، ولكنه جاء به على إدارة التوكيد، وقد جاء مثله في أشعارهم، قال جذيمة الأبرش:
ربما أوفيت في علمٍ ترفعن ثوبي شمالات
وقال الجعدي:
وأقبل على مجدي ومجدك نبتحث مساعينا حتى نرى كيف نفعلا
ومثله قليلٌ. وأحسن من هذا ومن كل حسنٍ قول محمد بن عبيد الأزدي:
فلم تدع الأرواح والماء والبلى من الدار إلا ما يشوق ويشغف
وأنشد إسحاق، ووجدته في التعليقات ليعلى الطائي:
لبسن البلى حتى كأن رسومها طعمن الهوى أو ذقن هجر الحبائب
وقال ابن وهيب في مثله يذكر منزلين:
لبسا البلى فكأنما وجدا بعد الأحبة مثل ما أجد
وقال البحتري في مثل هذا:
صبٌ يخاطب مفحمات طلول من سائل باكٍ ومن مسئول
[ ١ / ٤٩٠ ]
حملت معالمهن أعباء البلى حتى كأن نحولهن نحولي
وأنشدني غير واحد من الشيوخ:
ما غير الدار بعد بينهم ريحٌ عفت آيها ولا مطر
كأنما جزعةٌ يمانيةٌ قد نشرت في عراصها الحبر
وقال آخر، وأنشده حماد:
قد وقفنا بطلول وأرسم
لائحاتٌ كأنها برد وشى منمنم
وسألنا فألحمت عن جواب المكلم
وهذا كله أحلى وألطف معاني، وألوط بالنفس من كل ما قال الطائيان.
[ ١ / ٤٩١ ]