قال أبو تمام:
على مثلها من أربع وملاعب أذيلت مصونات الدموع السواكب
قد أنكر " مصونات الدموع السواكب " بعضهم وقال: كيف من السواكب ماهو مصون وإنما أراد أبو تمام أذيلت مصونات الدموع التى هى الآن سواكب، ولفظة يحتمل ما أراده، والبت لفظًا ومعنى ونظمًا.
وقال أيضًا:
أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا فلا تكفن من شانيك أو يكفا
هذا ابتداء حسن.
وقال أيضًا:
أزعمت أن الربع ليس يتيم والدمع في دمنٍ عفت لا يسجم
وقال أيضًا:
قرى دارهم منى الدموع السوافك وإن عاد صبحى بعدهم وهو حالك
وهذان ابتداءان جيدان.
[ ١ / ٤٥١ ]
وقال أيضًا: تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد ودع حسى عينٍ يحتلب ماءه الوجد الجرع والأجرع والجرعاء: أرض ذات رملٍ وحجارة مختلطة خشنة، وقد قيل: رملة سهلة، والحسى: ماء المطر يغيض في الرمل قليلا ثم يصير إلى الصلابة فيقف فيحفر عنه ويشرب، وجمعه أحساء.
وقال البحتري:
متى لاح برقٌ أو بدا طللٌ قفر جرى مستهلٌ لا بكئٌ ولا نزر
وهذا بيت حسبك به جودةً وحسنا وبراعة وفصاحة.
ونحوه قوله:
لها منزلٌ بين الدخول فتوضح متى تره عين المتيم تسفح
هذا مثل قول امرئ القيس " بين الدخول فحومل " وهذا أيضًا بيت جيد، وليس كالأول.
وقال أيضًا:
أفي كل دارٍ منك عينٌ ترقرق وقلبٌ على طول التذكر يخفق
[ ١ / ٤٥٢ ]
وهذا أيضًا غاية في جودته وبراعته وكثرة مائه.
وقال أيضًا:
ألما يكف في طللى زرود بكاؤك دارس الدمن الهمود
وقال أيضًا:
أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم وقوفٌ بربعٍ أو بكاءٌ على رسم
هذه الأبيات الثلاثة كأنه منكر على نفسه البكاء، وقد أحسن فيما اعتمد من ذلك وأجاد، وهو ضد ما ذهب إليه أبو تمام في أبياته.
وقال البحتري، وهو حسن جدًا:
وقوفك في أطلالهم وسؤالها يريك غروب الدمع كيف انهمالها
وقال:
عند العقيق فماثلات دياره شجنٌ يزيد الصب في استعباره
وقال:
يأبى الخلي بكاء المنزل الخالي والنوح في دمنٍ أقوت وأطلال
وقال:
أبكاءً في الدار بعد الدار وسلوا عن زينبٍ بنوار
[ ١ / ٤٥٣ ]
وهذا من البحتري تصرفٌ في البكاء على الديار حسن، ومعانٍ فيه مختلفة عجيبة، كلها جيد نادر، وأبو تمام لزم طريقة واحدة لم يتجاوزها، والبحتري في هذا الباب أشعر.
[ ١ / ٤٥٤ ]