قال أبو تمام:
لا شوق ما لم منه بالَّتي هجرتك وجدًا كالأباء المحرق (١)
يغلي إذا لم يضطرم ويري إذا لم يحتدم ويغص إن لم يشرق
قوله: ما لم تصل منه أي من الشوق، وجدًا: أي من الوجد.
كالأباء المحرق: أي فتكون إذا مليت (٢) به كالأباء المحرق من الوجد.
وقوله: «يغلي إذا لم يضطرم»، كأنه جعل الاضطرام أشد من الغلي، والغلي هو اضطرام أيضًا.
«ويري» معناه يحرق، والاحتدام: شدة الحر، ويقال: وجدت للحر حدمة.
يقول: هو يحرق وإن لم يشتد حره.
«ويغص إن لم يشرق»، فنزل من الغليان، والاضطرام، والورى، والاحتدام إلى الغصص، والشرق، وليس ذلك بخطأ ولا هو بالجيد، ولا الحلو، ولا الشهي.
وقال البحتري:
وحرض شوقي خاطر الريح إذ سرى وبرق بدا من جانب الغرب لامع (٣)
[ ٢ / ١٢٣ ]
وما ذاك أن الشوق يدنو بنازح ولا أنني في وصل علوة طامع
خلا أن وجدًا ما يغب ولوعة إذا اضطرمت فاضت عليها المدامع (١)
وهذه طريقة البحتري التي يخبر فيها بالشيء على ما هو فيعفي (٢) على كل بديع واستعارة إذا اعتمدها؛ وذلك لحسن عبارته وتلخيصه.
وقوله: «خاطر الريح»: من الخطران كما قال في موضع آخر:
* كما خطرت على الروض القبول (٣) *
وقال:
شوق إليك تفيض منه الأدمع وجوى عليك تضيق عنه الأضلع (٤)
وهوى تجدده الليالي كلما قدمت وترجعه السنون فيرجع
وقال:
هل أنت من حر الصبابة منقذي أو أنت من شكوى الصبابة عائدي (٥)؟
شوق تلبس بالفؤاد دخيله والشوق يسرع في الفؤاد الواجد
ومما أحسن فيه البحتري وأغرب قوله في شدة الحب وتمكنه:
غير حب لسليمى لم يزد فيه إسعاف ولم ينقصه ضن (٦)
ثبتت تحت الحشا آخية منه لا ينزعها المهر الأرن (٧)
[ ٢ / ١٢٤ ]
وقد بالغ أيضًا الذي يقول:
أحبك ما لو كان بين قبائل من الناس أعداء لجر التصافيا (١)
وأبلغ من هذا كله وأجود قول الأعشى:
كفى بالذي تولينه لو تجنبا شفاء لسقم بعد ما كان أشيبا (٢)
ولكنما كانت توابع حبها توالى ربعي السقاب فأصبحا
فتم على معشوقه لا يزيدها إليه بلاء السوء إلا تحببا
وكان حماد الراوية يتعجب من قوله: «فتم على معشوقه»، ويقول: هذا (٣) -والله- غاية العشق، ونهاية الإحسان في النسيب.
يقول: كفى بالذي توليه من البعد والقطيعة شفاء له من سقم الحب لو تجنب، ولكنه لا يقدر على ذلك.
وقوله: «توابع حبها» أي ما تتابع وتوالي من حبها كتوالي الربعي، وهو: السقب الذي نتج في أول الربيع، ينتقل من سن إلى سن حتى قوي ومرن، وانقاد (٤)، جعل هذا مثلًا لزيادة حبه شيئًا فشيئًا حتى تمكن، فذلك معنى قوله قوله: «توالي».
وقد روى «تأول ربعي» من حال إلى حال، من آل يئول.
وقال أبو حية النميري في هذا المعنى، وجاء به أكشف وأبين وأحسن مما جاء به الأعشى فقال:
لا منكر لقبيح منك أعرفه إني أراه -إذا أرضاك- إحسانا
أحدث النفس مسرورا بذكركم حتى كأن الذي قد كان ما كانا
[ ٢ / ١٢٥ ]
ومن هذا أخذ أبو الشيص -والله أعلم- قوله:
وأهنتني فأهنت نفسي عامدًا ما من يهون عليك ممن أكرم (١)
ولكنه تناهى في التذلل فأحسن المعنى كل الإحسان، ولكن الحر الكريم الأنف: «كثير بن عبد الرحمن» إذ يقول:
ولما رأت وجدي بها وتبينت صبابة حران الصبابة صاد
أدلت بصبر عندها وجلادة وتحسب أن الناس غير جلاد
فيا عز صادي القلب حتى يودني فؤادك أو ردي علي فؤادي (٢)
وكان هذا مما ينشده أبو العباس ثعلب كثيرًا ويستحسنه، ذكر ذلك الأخفش.
وقوله: «صادي القلب» أي داريه، والمصاداة: المداراة.
وقال كثير أيضًا وأحسن كل الإحسان:
وكنت ألوم الجازعين على البكا فكيف ألوم الجازعين وأجزع
ولي كبد قد برحت بي مريضة إذا سمتها الهجران ظلت تصدع
وأظن أبا الشيص أخذ بقوله:
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم [إذ كان حظي منك حظي منهم] (٣)
من قول كثير:
مجاورة قومًا عدى لي صدورهم ألا حبذا من حبها من تجاور
[ ٢ / ١٢٦ ]
وقد أحسن أيضًا الإحسان كله الذي يقول:
ولما بدا لي منك ميل مع العدا علي ولم يحدث سواك بديل (١)
صددت كما صد الرمي تطاولت به مدة الأيام وهو قتيل
وقال أبو تمام يذكر الوعد وإخلافه:
وفي الكلة الوردية اللون جوذر من العين ورد الخد ورد المجاسد (٢)
غدت مغتدى الغصبى وأوصت خيالها بحران نضو العيس نضو الخرائد
وقالت نكاح الحب يفسد شكله وكم نكحوا حبًا وليس بفاسد
سآوي بهذا القلب من لوعة إلى ثغب من نطفة اليأس بارد
وهذه أبيات سخيفة المعاني، قد أتى فيها بكل قبح وفحش، لأنه قال:
رمته بخلف بعدما عاش حقبة له رسفان في قيود المواعد
وبعد ذلك بين بأن الوعد كان مباضعة، وأنه لما حقق المطالبة غضبت، وذلك قوله: «غدت مغتدى الغضبى».
وقوله: «وقالت: نكاح الحب يفسد شكله»، فقال هو: «وكم نكحوا حبًا وليس بفاسد»، فاحتجت عليه، واحتج عليها.
وهذه خصومة ومناظرة على ذلك الباب شديدة مستقصاة ما أظن أحدًا سبقه إلى مثلها.
[ ٢ / ١٢٧ ]
وقوله بعد هذا:
سآوي بهذا القلب من لوعة الهوى إلى ثغب من نطفة اليأس بارد (١)
هو أيضًا غضب منه لمنعها إياه مما التمس، ومثل هذا إنما يفصح به الشاعر إذا هزل ومجن، وإنما وصل هذه الأبيات بما افتتحه من قوله:
قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد وإن هي لم تسمع لنشدان ناشد
لقد أطرق الربع المحيل لفقدهم وبينهم إطراق ثكلان فاقد (٢)
وأبقوا لضيق الهم والحزن منهم قرى من جوى سار وطيف معاود (٣)
سقته ذعافًا عادة الدهر فيهم وسم الليالي فوق سم الأساود
به علة صماء للبين الم تصخ لبرء ولم توجب عيادة عائد
ومن يقف على المعاهد، ويصف ما به من الهم، والحزن، والجوى، وأن عادة الدهر فيهم سقته الذعاف -وهو السم- وأن به علة للبين صماء لم تصخ لبرء: أي لم تصغ إليه، ولم تقرب منه فإنه لا يقول بعد ذلك كله: إنه كان التمس من المرأة الفاحشة، وناظرها (٤) عليها، وغضب من منعها إياه، وهذا غاية ما يكون من السخف والحمق.
فإن قيل: إن المعاهد التي وقف عليها لم تك معاهد هذه المرأة ذات الكلة الوردية اللون، وإن هذه إنما كانت معه في الرفاق وهم سائرون، فاستوقفهم لتجديد عهد بديار كان فيها أحباب أول.
[ ٢ / ١٢٨ ]
قيل: هذا غلط من التأويل؛ لأنه قال: «به علة صماء للبين لم تصخ لبرء»، فأوجب بهذا القول أن حبه باق غير منصرم.
وإذا كان لم يبرأ حبه من امرأة أولى، فكيف يقف صحبه على معاهدها وفيهم امرأة أخرى يهواها، وقد طالبها سنة، وهي تعده، وذكر أنها أوصت خيالها [به] (١)، وأنه حران هذا محال، لم يكن الحب إلا لهذه المرأة ذات الكلة [رحم الله غفلته].
وقوله: «نضو العيس» لطول السفر، و«نضو الخرائد»، يعني الخيالات.
ولله در أبي عبادة إذ يقول:
لو تسعفين وما سألت مشقة لعدلت حر جوى ببرد رضاب (٢)
ولئن شكوت ظماي إنك للتي قدمًا من السراب شرابي (٣)
وعتبت من حبيك حتى إنني أخشى ملامك أن أبثك ما بي (٤)
وقال البحتري:
إذا راجعت وصلًا على طول هجرة تراجعت شيئًا من بلاي إلى سقمي (٥)
وقد زعمت أن سوف تنحج ما وأت وظني بها الإخلاف في ذلك الزعم (٦)
خليلي ما لي لا شفاء من الجوى ولا نعم مرجوة النجح من نعم (٧)
[ ٢ / ١٢٩ ]
وقال:
بنفسي من تنأى ويدنو ادكارها ويبذل عنها طيفها وتمانع (١)
خليلي أبلاني هوى متلون له شيمة تأبى وأخرى تطاوع
وهذا لعمري حسن، وأحسن منه قول كثير لأنه تمنى الحال التي وصفها البحتري فقال:
والله ما يدري غريم لويته أيشتد إن لاقاك أم يتضرع (٢)
بخلت فكان البخل منك سجية فليتك ذو لونين يعطي ويمنع
وقال [البحتري] (٣):
ماذا على الأيام لو سمحت لنا بثواء أيام لديك قلائل (٤)
فأويت للقلب المعنى المبتلى بهواك والبدن الضئيل الناحل
وقال أيضًا:
فداؤك ما أبقيت مني فإنه حشاشة حب في نحول عظام (٥)
صلي مغرمًا قد واتر الشوق دمعه سجامًا على الخدين بعد سجام (٦)
فليس الذي حللته بمحلل وليس الذي حرمته بحرام
[ ٢ / ١٣٠ ]
وقال:
وددت وهل نفس امريء بمليمة إذا هي لم تعط الهوى من ودادها (١)
لو أن سليمى أسمحت أو لو أنه أعير فؤادي سلوة من فؤادها (٢)
وقال:
أين الغزال المستعير من النقا كفلًا ومن نور الأقاحي مبسما (٣)
ظمئت جوانحنا إليه وريها في ذلك اللعس الممنع واللمى (٤)
متعتب منم حيث لا متعتب إن لم يجد جرمًا علي تجرما (٥)
ألف الصدود فلو يمر خياله بالصب في سنة الكرى ما سلما
وقال:
أرى ثقة الراجي مواصلة المها تكاءدها أو آدها شك خائف (٦)
كأن الذي يكذبنه نحب ناذر يقضين منه أو ألية حالف (٧)
فليت لبانات المحب رددن في جوانحه أو كن عند مساعف
وهذا حسن جدًا.
وقال:
إذا قربت فهجر منك يبعدني وإن بعدت فوصل منك يدنيني (٨)
[ ٢ / ١٣١ ]
تصرم الدهر لا جود فيطعمني فيما لديك ولا يأس فيسليني
فلست أعجب من عصيان قلبك لي يومًا إذا كان قلبي فيك يعصيني (١)
وهذا إحسانه المشهور، ويقال: إنه أخذه من قول الخليع:
أتطمع أن يطيعك قلب سعدى وتزعم أن قلبك قد عصاكا
وما أحسن ما قال بشار:
وإذا قلنا لها جودي لنا خرجت بالصمت من لا ونعم (٢)
وقال أبو تمام في النائل النزر القليل ماهو فوق كل حسن وحلاوة:
تأبى على التصريد إلا نائلًا إلا يكن ماء قراحًا يمذق (٣)
نزرًا كما استكرهت عائر نفحة من فأرة المسك التي لم تفتق (٤)
وقد تصرف البحتري في جملة معاني هذا الباب تصرفًا كثيرًا حسنًا.
ومن ذلك قوله:
ظلمتني تجنبًا وصدودا غير مرتاعة الجنان لظلمي (٥)
[ ٢ / ١٣٢ ]
ويسير عند القتول إذا ما أثمت في أن تبوء بإثمي (١)
أجد النار تستعار من النا ر وينشا من سقم عينيك سقمي
وقوله:
لو شئت عدت إلى التناصف في الهوى وبذلت من مكنونه ما أبذل (٢)
أحنو عليك وفي فؤادي لوعة وأصد عنك ووجه ودي مقبل (٣)
وإذا هممت بوصل غيرك ردني وله إليك وشافع لك أول (٤)
وأعز ثم أذل ذلة عاشق والحب فيه تعزز وتذلل
وقوله:
وبي ظمأ لا يملك الماء دفعه إلى نهلة من ريقها الخصر العذب (٥)
تزودت منها نظرة لم تجد بها وقد يؤخذ العلق الممنع بالغصب
وما كان حظ العين في ذاك مذهبي ولكن رأيت العين بابًا إلى القلب
أعيذك أن تمنى بشكوى صبابة وإن أكسبتنا منك عطفًا على الصب (٦)
ويجزنني أن تعرفي الحب بالجوى وإن نفعتنا فيك معرفة الحب (٧)
وقوله:
نظرت وكم نظرت فأصدتني فجاءات البدور على الغصون (٨)
[ ٢ / ١٣٣ ]
وربة نظرة أقلعت عنها بسكر في التصابي أو جنون
فيا لله ما تلقى القلوب الـ ـهوائم من جنايات العيون
وقد يئس العواذل من فؤاد لجوج في غوايته حرون
وقوله:
قال بطلًا وأفال الرأي من لم يقل إن المنايا في الحدق (١)
إن تكن محتسبًا من قد ثوى لحمام فاحتسب من قد عشق
يملأ الواشي جناني ذعرًا ويعنيني الحديث المختلق (٢)
حبها أو فرقا من هجرها وصريح الذل حب أو فرق
قوله: «يعنيني الحديث المختلق» من أحسن المعاني وأحلاها، وأجراها في عادات كل عاشق فأراد يعنيني اختلاف الحديث، وهو اختراصه أي ينصبني، ويحزنني؛ لشدة حبي لها، وخوفي من هجرها.
والألف في قوله: «أو» في البيت مقحمة في الموضعين؛ وإنما أراد حبها وفرق هجرها، وصريح الذل حب وفرق، ولم يرد بإدخال الألف أحدهما وقال آخر في نحو هذا:
تكذبني في الحب سلمى وليس لي شهود وأنى بالشهود على صدقي
سوى ذوب جسمي وانتكاث بشاشتي وروعة قلبي بالأباطيل والحق
[قوله: «روعة قلبي بالأباطيل والحق»] (٣) نحو قول البحتري:
* ويعنيني الحديث المختلق *
[ ٢ / ١٣٤ ]
وهذا البيت حسن التقسيم.
كان بعض شيوخ الأدب تعجبه (١) التقسيمات في الشعر، وكان مما يعجبه قول عباس بن الأحنف:
وصالكم هجر وحبكم قلى وعطفكم صد وسلمكم حرب (٢)
ويقول: هذا أحسن من تقسيمات إقليدس.
وقال أبو العباس ثعلب: سمعت «سيد العلماء» يستحسنه، يعني ابن الأعرابي (٣).
ونحو هذا ما أنشده المبرد لأعرابي، وليس هو عندي من كلام الأعراب، وهو بكلام المولدين أشبه:
وأدنو فتقصيني وأبعد طالبًا رضاها فتعتد التباعد من ذنبي (٤)
وشكواي تؤذيها وصبري يسرها وتجزع من بعدي وتنفر من قربي (٤)
[ ٢ / ١٣٥ ]
وقال البحتري:
ولي هفوات باعثات لي الجوى يعرضني من برحه للمتالف (١)
كأن العيون الفتنات تعاونت على ترة عند العيون الذوارف (٢)
وقوله:
وإذا كسرن جفونهن نظرن من مرضي يشفك سحرهن صحاح (٣)
تظمأ إليهن القلوب وقد ترى فيهن ري الحائم الملتاح (٤)
والحب سقم للصحيح إذا غلا فيه المحب ونشوة للصاحي (٥)
بكر العذول فكف غرب بطالتي وبدا المشيب فرد غرب جماحي
قد آن أن أعصي الغواية إذ نضا صبغ الشباب وأن أطيع اللاحي
وقوله:
جنوني إلى سعدى وسعدى خلية وصغوي إلى سعدى وسعدى تجنب (٦)
إذ لبست كانت جمال لباسها وتسلب قلب المجتلي حين تسلب (٧)
وسميتها من خشية الناس زينبًا وكم سترت حبًا عن الناس زينب (٨)
[ ٢ / ١٣٦ ]
غضارة دنيا شاكلت بفنونها معاقبة الدنيا التي تتقلب
وجنة خلد عذبتنا بدلها وما خلت أنا في الجنان نعذب (١)
وهذا البيت يزيد على إحسان كل محسن في الغزل (٢)
ولا خفاء بفضل أبي عبادة على أبي تمام في هذا الباب.
[ ٢ / ١٣٧ ]