قال البحتري (١):
تريك الذي حدثت عنه من السحر بطرف عليل اللحظ مستغرب الفتر (٢)
وقال أيضًا:
غال صبري أما سألت بصبري ما بعينيك من فتور وسحر (٣)
وقال أيضًا:
ما بعيني هذا الغزال الغرير من فتون مستجلب من فتور (٤)
وقال أيضًا:
ومهتزة الأعطاف نازحة العطف منعمة الأطراف فاترة الطرف (٥)
وقال أيضًا:
سطا فما يأمنه خله أغيد ساجي الطرف معتله (٦)
وقال أيضًا:
فتور العيون وإمراضها نبو الجنوب وإقضاضها (٧)
وهذا كله جيد حسن عذب.
وليس لأبي تمام في معناه شيء.
[ ٢ / ٧٥ ]
وقال أيضًا:
لوت بالسلام بنانًا خضيبًا ولحظًا يشوق الفؤاد الطروبا (١)
عهدت بعض الشيوخ يكره قوله: «لوت»، ويقول: كان ينبغي أن يقول: أشارت، أو أومأت، أو نحو هذا، وكان بعضهم يحتج له ويقول: لم يمكنه ذاك في نظم البيت.
والذي أظنه أنا أنه أومأ إليها بالسلام فردت عليه والسلام الأول يشار فيه بمد الإصبع على استقامة، والرد: فمن الناس من يرد بمد الإصبع على استقامة أيضًا، ومنهم من يفتلها ويلويها كأنه يقول بإصبعه: وعليك، فيلويها إذا أراد هذا المعنى، وذلك مما نراه أبدًا مشاهدة، ونفعله.
وقد ذكر البحتري لي البنانة في موضع آخر فقال:
إن الفراق جلا لنا عن غادة بيضاء تجلو عن شتيت أشنب (٢)
ألوت بموعدها القديم، وأيأست منه بلي بنانة لم تخضب (٣)
فدل هذا على مثل ذاك، وإن كان المعنيان مختلفين في أنها لم تمد إصبعها مشيرة بها على استقامة كما يشير المبتديء بالسلام، وإنما ألوت إصبعها في الإشارة إليه إما يمنة أو شأمة بمعنى تنح عنا، أو اعدل عنا؛ فليس إلى ما التمست سبيل.
وفي البيت سؤال آخر وهو قوله: «لم تخضب» ومن شأنهم أن
[ ٢ / ٧٦ ]
يصفوا بنان المرأة بالخضاب نحو قول الشاعر:
ويبدي الحصى منها إذا قذفت به من البرد أطراف البنان المخضب
وقول الراعي:
* حمر الأنامل عين طرفها ساج *
ومثله كثير (١)، وعليه مذاهب الناس.
ولا نعلم أحدًا شرط في البنان أنه غير مخضوب غير البحتري في هذا البيت، وإنما يذكرون الخضاب أو لا يذكرونه.
وما أظن البحتري قال هذا عيًا ولا جزافًا ولا قاله إلا أن البنانة لم تكن مخضوبة، فوصف الحال على مذاهب الناس ومذهبه في وصف الشيء على ما هو؛ لأن هذا إذا أورده على ما هو لم تك فائدة، فأقول:
إنه قد يجوز أن يكون (٢) والله أعلم ذهب إلى أحد معنيين:
إما أن يكون خطر بباله عند نظم البيت قول الشاعر:
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها فليس لمخضوب البنان يمين (٣)
فقال هو: «وأيأست منه بلي بنانة لم تخضب»؛ لأن المرأة لا عهد لها مخضوبة البنان كانت أو غير مخضوبة؛ ألا ترى إلى قوله بعد هذا:
وأرت العهود الغانيات صبابتي آلًا جرى، ووميض برق خلب (٤)
[ ٢ / ٧٧ ]
فدلك هذا على أنه خطر ذلك البيت بباله فذهب إلى ذلك المعنى.
أي من كان يذم عهد مخضوبة البنان فهذه غير مخضوبة وأنا أذم عهدها أيضًا، فهذا المعنى -إن شاء الله- جيد لائق.
والمعنى الآخر: أن يكون أراد أنها عزفت عن الصبا، وتركت الزينة؛ لأنه قال: «ألوت بموعدها القديم»، فدل على أنه إنما انتجزها موعدًا قديمًا وأن حالها الآن غير تلك الحال.
وهذا أيضًا وجه قوي دقيق، وكأنه أولى من المعنى الأول بالصواب، والله أعلم.
قوله: «ولحظًا يشوق الفؤاد الطروبا» بالنصب (١) إنما أراد ألوت بالسلام بنانًا خضيبًا، ولحظت لحظًا يشوق الفؤاد.
[ ٢ / ٧٨ ]