قال أبو تمام:
لا تذيلن صغير همك وانظر كم بذي الأثل دوحة من قضيب (١)
رب خفض تحت السرى وغناء من عناء ونضرة من شحوب
فاسأل العيس ما لديها وألف بين أشباحها وبين السهوب (٢)
وقال:
فتى النكبات من يأوي إذا ما قطفن به إلى خلق وساع (٣)
يثير عجاجة في كل ثغر يهيم بها عدي بن الرقاع
أبن مع السباع الماء حتى لخالته السباع من السباع
فلب الحزم إن حاولت يومًا بأن تسطيع غير المستطاع (٤)
فلم ترحل كناجية المهاري ولم تركب همومك كالزماع
قوله: «قطفن» أي أبطأ في الانصراف والانكشاف عنه، وتثاقلن في المضي، مأخوذ من قولهم: دابة قطوف، وهو الذي يقصر خطوه فيبطيء ذهابه.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
يقول: فإنه مع هذه الحال يأوي إلى خلق واسع، وصبر على المحن حتى تنكشف.
وقوله: «يثير عجاجة في كل ثغر» أي يطأ كل بلدة مخوفة، وتثير مطيته غبار كل بقعة، ونسب العجاجة إلى عدي بن الرقاع لأن عديًا وصف العير والأتان وما يثيرانه من الغبار في السهل من الأرض، فإذا صارا إلى الحزن لم يوجد لها فيه نقع، فشبهه بملاءة ينشرانها مرة، ويطويانها أخرى فقال:
يتعاوران من الغبار ملاءة سوداء داجية هما نسجاها (١)
تطوى إذا علوا مكانًا ناشرًا وإذا السنابك أسهلت نشراها
وهذا من تشبيهات العرب الموصوفة، فجعل أبو تمام عديًا ممن هام بهذه العجاجة، أتى بوصفها إعجابًا بها، وأن ناقته أيضًا تثير عجاجة في كل ناحية كهذه العجاجة.
وهذا تمحل منه لمعنى غير لائق بما هو بسبيله من ذكره سيره؛ لأنه إن كان أراد أنه أيضًا يثير النقع في السهل، ولا يثيره في الحزن فكل سار فيهما هذه حاله، فما وجه ذكره عجاجة عدي، وإنما حسن من عدي، وصح التشبيه لأن الحمار إذا طلب الأتان فليس يجريان على استقامة بل تراهما بيناهما في الحزن صارا إلى السهل، ثم يعودان إلى الحزن، فتراهما مسهلين ومحزنين لجولانهما، فترى عجاجتهما تثور حينًا، وتلبد حينًا، فصح التشبيه وحسن، والمسافر إنما يمر على سنن واحد فليس يكاد يخرج من سهل إلى حزن؛ ومن حزن إلى سهل في وقت واحد تدركه
[ ٢ / ٢٧٥ ]
منه العيون فيكون الغبار مشبهًا لملاءة تنشر وتطوى، وإنما يقع ذلك في أوقات متراخية يسقط معها هذا المعنى.
وقال أبو تمام:
وركب يساقون الركاب زجاجة من السير لم تقصد لها كف قاطب (١)
فقد أكلت منها الغوارب بالسرى وصارت لها أشباحهم كالغوارب (٢)
يرى بالكعاب الرود طلعة ثائر وبالعرمس الوجناء غرة آيب (٣)
كأن به ضغنًا على كل جانب من الأرض أو شوقًا إلى كل جانب
قوله: «لم تقصد لها كف قاطب» أي سيرًا لا يلين ولا يفتر، كما تقطب الراح أن تمزج وتكسر بالماء وتلين.
وقال:
فاطلب هدوءًا بالتقلل واستثر بالعيس من تحت السهاد هجودا (٤)
من كل معطية على علل السرى وخدًا يبيت النوم منه شريدا (٥)
[ ٢ / ٢٧٦ ]
يخدي بمنصلت يظل إذا ونى ضرباؤه حلسًا لها وقتودا (١)
جعل الدجى جملًا وودع راضيًا بالهون يتخذ القعود قعودا (٢)
وقال:
ورأيت ضيف الهم لا يرضى قرى إلا مداخلة القفار دلاثا (٣)
شجعاء جرتها الذميل تلوكه أصلًا إذا راح الغضا حثحاثا (٥)
مداخلة القفار: موثقة الخلق.
والدلاث: السريعة، والمندلث: المسرع، يقال: اندلث اندلاثًا.
و«شجعاء جرتها الذميل» (٦) مثل، أي إذا اجترت الإبل العلف من بطونها ولاكته فليس لهذه الناقة جرة إلا الذميل وهو ضرب من السير
[ ٢ / ٢٧٧ ]
كما قال في وصف الخيل:
* تعليقها الإسراج والإلجام * (١)
جعل ذلك مكان الشعير في المخالي إذا علقت عليها.
يقول: إذا ونت الركاب وغرثت، أي احتاجت إلى العلف، فإن هذه الناقة لاقتدارها على السير وصبرها على (٢) الرمل تلوك الذميل كأنه طعامها.
وهذه القطع كلها جياد صحيحة المعاني والألفاظ.
وقال:
سأخرق الخرق يابن خرقاء كالـ ـهيق إذا ما استجم من نجده (٣)
مقابل في الجديل صلب القرا لوحك من عجبه إلى كنده
تامكه نهده مداخله ملمومه محزله أجده
«ابن خرقاء»: يريد بعيرًا.
والهيق: الظليم، شبهه به لنشاطه وسرعته.
والنجد: العرق، أي هو كالهيق في هذه الحال التي يقدر فيها فتوره.
مقابل: كريم الآباء والأمهات، وفي الجديل: وهو فحل كريم.
لوحك: شد ووثق، والكتد: ما يتصل بالحارك من العنق.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
والتامك: المرتفع، وكذلك النهد (١).
والملموم: الذي قد استوى لحمه وشحمه من سنمه، ولم يبق له عظم شاخص.
والمحزئل: المرتفع، احزأل أي ارتفع في السير.
وهذه معان صحيحة، ولكن النسج لا حلاوة له، ولا طلاوة عليه.
وقال:
وإلى جناب أبي الحسين تشنعت بزمامها كالمصعب المخطوم (٢)
جاءتك من معج خوانق في الرى وعوارف بالمعلم المأموم
من كل ناجية كأن أديمها حيصت ظهارته بجلد أطوم
تثني ملاطيها إذا ما استكرهت سعدانة كإدارة القرزوم
طلبتك من نسل الجديل وشدقم كوم عقائل من عقائل كوم
ينسين أصوات الحداة ونبرها طربًا لأصوات الصدى والبوم
فأصبن بحر نداك غير مصرد وردًا وأم نداك غير عقيم
لما وردن حياض سيبك طلحا خيمن ثم شربن شرب الهيم
قوله: «تشنعت»: أي أخذت أهبتها للسير، وشمرت، من قولهم: تشنع الفارس، إذا لبس سلاحه.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
ومعج: جمع معجة، والمعج: التغلب في الجري، يقال: مر الحمار يمعج معجًا، إذا جرى في كل وجه بسرعة، وحمار معاج.
والخوانق: جمع خنوق، وهي الناقة التي تضرب بيدها في السير من نشاطها وفيه بعض الميل.
والمعلم: الطريق، والمأموم: الذي يؤتم، عارفة بالطريق الذي يجب أن تؤمه لطول دأبها، وكثرة سيرها في الطرق المختلفة.
وقوله: «حبصت» خيطت بجلد أطوم، يقال: إن الأطوم: السلحفاء البحري الذي يجعل من جلده الذبل (١)، ويشبه جلد البعير الأملس به، ويقال: الأطوم: سمكة في البحر غليظة، وقيل بل هي بقرة يتخذ من جلدها الخفاف للحمالين، قال الشماخ يصف الناقة:
وجلدها من أطوم ما يؤيسه طلح كضاحية الصيداء مهزول (٢)
قيل في تفسيره: الأطوم: سمكة بحرية تخصف الخفاف والنعال بجلدها.
ويؤيسه: يذلله، والتأييس: التذليل.
والطلح: والقراد ها هنا، والطلح: الضئيل المهزول.
والصيداء: حصى، والصيدان (٣): حجارة.
وضاحية: ما ضحا للشمس منها وظهر.
وقال الأخفش في تفسير هذا البيت: الأطوم: طي البئر بالصخر الأسود، ويقال: الأطوم: الصدف.
وقوله: «تثنى ملاطيها» أي تباعد بينهما.
وملاطاها: وعضداها.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
سعدانة: والسعدانة من البعير: هي البلدة (١)، أي تباعد بين عضديها كركرة (٢)، أو بلدة مستديرة كإدارة الفرزوم، وهي الخشبة المدورة التي يحذو عليها الحذاء (٣)، وذلك محمود في الإبل أن يتباعد عضد البعير من زوره في السير.
والكوم: العظام الأسنمة، واحدتها كوماء.
وقوله:
ينسين أصوات الحداة ونبرها طربًا لأصوات الصدى والبوم (٤)
أي ألفت صوت الصدى والبوم لكثرة سيرها في الفيافي، حتى صارت تطرب لذلك وتنسى أصوات الحداة.
وهذا من مبالغاته البعيدة الباطلة.
ولو قال: إلفًا لأصوات الصدى كان أشبه بالصواب قليلًا من الطرب.
وهذه أبيات صالحة على ما فيها من التكلف.
وقال:
الهم والعيس والليل التمام معًا ثلاثة أبدًا يقرن في قرن (٥)
حوبًا حلًا قاسميني الهم يا ابنته فقد خلقت لغير الحوض والعطن (٦)
[ ٢ / ٢٨١ ]
قوله: «حوبًا حلا» زجر من زجر الإبل (١)، كأنه زجر ناقته، وقال لها: قاسميني الهم يا ابنته: يا بنت الهم، سيري وانطلقي فقد خلقت لغير الحوض والعطن، أي خلقت لقطع الأسفار لا للإقامة.
ولفظ هذا الأخير رديء، ونسجه قبيح.
وأخذ البحتري معنى الأول فقال:
يا خليلي بالسواجير من ودبـ ـن معن وبختر بن عتود (٢)
أطلبا ثالثًا سواي فإني رابع العيس والدجى والبيد
وقال البحتري:
بنات العيد تعتاد الفيافي إذا شئنا استمر بها الذميل (٣)
وما طرفا زمان المرء إلا مقام يرتضيه أو رحيل
وقال:
وإذا ما تنكرت لي بلاد أو خليل فإنني بالخيار (٤)
وخدان القلاص حولًا إذا قا بلن حولًا من أنجم الأسحار
يترقرقن كالسراب وقد خضـ ـن غمارًا من السراب الجاري (٥)
كالقسي المعطفات بل الأسـ ـهم مبرية بل الأوتار (٦)
وهذا من أوصاف الإبل إذا أضمرها السير وهي في غاية الحسن والصحة والحلاوة في اللفظ والنسج.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
ومثله في الجودة والحسن قوله:
وهي العيس دهرها في ارتحال من حلول أو فرقة من جميع (١)
رب مرت مرت تجاذب قطريـ ـه سرابًا كالمنهل المشروع (٢)
وسرى تنتحيه بالوخد حتى تصدع الليل عن بياض الصديع
كالبري في البرى ويحسبن أحيا نًا نسوعًا مجدولة من نسوع (٣)
وقال:
سوف أعطي السلو والصبر ما أمـ نع من طارف الهوى أو تليد (٤)
بالمهارى يلبسن لونًا جديدًا مستفادًا في كل وقت جديد
فهي طول النهار بيض وطول الـ ـليل في أقمص من الليل سود
طالبات في الغوث غوثًا سكوبًا وحميدًا في آل عبد الحميد
وهذا كل جيد بالغن وعذب حلو، ومعان لطيفة لائقة.
وقد أجاد كل واحد منهما وصف إبله على الطريقة التي قصدها واعتمدها، وإن كانت معاني البحتري فيما ذهب إليه من الضمر حلوة جدًا.
فأقول: إنهما في البابين متكافئين.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
. ولأبي تمام في وصف الإبل أشياء رديئة لم أكتبها، وفيها قصيدة يصف فيها ناقة حج عليها رديئة جدًا أولها:
لعلك ذاكر الطلل القديم وموف بالعهود على الرسوم (١)
له فيها ألفاظ مختلفة، ومعان من معاني السوق، وقد تقدم في الباب (٢) قوله:
وركب كأطراف الأسنة عرسوا على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن يتم صدوره وليس عليهم أن يتم عواقبه
في أبيات ما هي (٣) من ذلك الباب، ثم قال بعدها ما هو من هذا الباب في وصف الإبل، وسبيلها أن تثبت في هذا الباب في أوله:
على كل موار الملاط تهدمت عريكته العلياء وانضم حالبه (٤)
رعته الفيافي بعدما كان حقبة رعاها وماء الروض ينهل ساكبه
فأضحى الفلا قد جد في بري نحضه وكان زمانًا قبل ذاك يلاعبه
فكم جزع واد جب ذروة غارب ومن قبل كانت أتمكته مذانبه
قوله: «موار الملاط» فالملاط: عضد البعير، وموار: يريد حركته في السير.
وعريكته العلياء: يعني سنامه، تهدمت من طول السفر، وكذا انضم حالبه (٥).
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وقوله: «يلاعبه»: لفظة ضعيفة المعنى، وإنما جاء بها من أجل قوله: جد في بري نحضه؛ ليطابق بين الجد واللعب.
أي إن الفلا جد في أخذ لحمه في سيرنا هذا السير، فجعل مكان هذا القول: «وكان زمانًا قبل ذاك يلاعبه» على مذهبه في عشق الطباق الذي لا بد له من أن يأتي به وإن حصل المعنى ضعيفًا ركيكًا، وربما كان محالًا.
وقوله: «أتمكنه» أي أسمنت تامكه، وهو سنامه.
والمذانب: مجاري الماء، وهي أبدًا معشبة.
ولئن كانا جميعًا أحسنا في هذا الباب فما وصفا مطيهما بالسرعة وصف مسلم بن الوليد إذ يقول:
إلى الأمام تهادانا بأرحلنا خلق من الريح في أشياخ ظلمان (١)
كأن إفلاتها والفجر يأخذها أفلات صادرة عن صوت مرنان (٢)
تنساب في الليل لا ترعى لهاجسة كأنني راكب في رأس ثعبان (٣)
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وقد أفرط الذي يقول، وقد أحسن في إفراطه:
مروح برجليها إذا هي هجرت ويمنعها من أن تطير زمامها
وقال الشماخ:
* تكاد تطير من رأي القطيع (١) *
وقال الحطيئة:
وإن نظرت يومًا بموخر عينها إلى علم بالغور قلت له ابعد (٢)
[ ٢ / ٢٨٦ ]