ومن ابتداآتهما من باب الفراف في معانٍ شتى
١ - قال أبو تمام:
سعدت غربة النوى بسعاد فهي طوع الإتهام والإنجاد (١)
٢ - وقال أيضًا:
ألا صنع البين الذي هو صانع فإن تك مجزاعًا فما البين جازع (٢)
وهذا ابتداء صالح.
وقال أيضًا:
أصغى إلى البين مغترًا فلا جرما أن النوى أسأرت في عقله لمما (٣)
قوله: أصغى إلى البين، أي سمع (٤) ما أخبروه به من ذكر الفرقة فغير ذلك من عقله، ويريد باللمم: الجنون.
وقد أوضح هذا المعنى في البيت التالي، وهو قوله:
أصمني سرهم أيام فرقتهم هل كنت تعرف سرًا يورث الصمما
أي صرت لا أفهم شيئًا بعد ذلك السر الذي دلهني، وأطار (٥) عقلي، فكأني أصم عن كل قيل.
[ ٢ / ١٠ ]
وهذا المعنى ليس من اختراعاته، وقد ذكرته في سرقاته، وما جاء في معناه لغير واحد من الشعراء.
وقال:
أهلوك أضحوا راحلًا ومقوضا ومزممًا يصف النوى ومغرضا (١)
المقوض: الذي يقوض البيوت، ويقتلعها للرحيل (٢)، ومزممًا يصف النوى: الذي يزمم الإبل والأزمة، [والمغرض] (٣) يشدها بالغرض.
وهو كالحزام للفرس.
وهذا ابتداء صالح.
وقال أيضًا:
تحمل عنه الصبر يوم تحملوا وعادت صباه في الصبا وهي شمأل (٤)
قال ذلك لأن الصبا: ريح تحبها العرب محبتها للجنوب؛ لأنها ريح لينة عذبة، وقد تجلب المطر في بعض أقطار الأرض كما تجلبه الجنوب، قال امرؤ القيس:
راح تمريه الصبا ثم انتحى منه شؤبوب جنوب منفجره (٥)
فأراد أن صباه -أي ريحه في الصبا التي كانت تولف له ما يهواه ويحبه مع من يحبه- عادت شمالًا؛ لأن الشمال في أكثر نواحي الأرض لا تولف السحاب؛ بل تمحقه وتشينه، كما قال:
[ ٢ / ١١ ]
لعمري لئن ريح المودة أصبحت شمالًا لقدمًا كنت وهي جنوب
وقال أبو تمام:
تصدت وحبل البين مستحصد شزر وقد سهل التوديع ما وعر الهجر (١)
تصدت: أي بدت، وظهرت، ومستحصد: شديد الفتل، والشزر (٢): الفتل إلى فوق، واليسر: الفتل إلى أسفل.
وقوله: «وقد سهل التوديع ما وعر الهجر» يريد أنها كانت هاجرة فبرزت عند التوديع.
وقال أيضًا:
مالي بعادية الأيام من قبل لم يثن كيد النوى كيدي ولا حيلي (٣)
وهذا من جيد ابتداآت هذا الباب.
وقال البحتري:
راجع القلب بثه وخباله لخليط زمت لبين جماله (٤)
وقال أيضًا:
له الويل من ليل بطاء أواخره ووشك نوى حي تزم أباعره (٥)
وقال أيضًا:
شط من ساكن الغوير مزاره وطوته البلاد فالله جاره (٦)
[ ٢ / ١٢ ]
وقال أيضًا:
إذا عرضت أحداج سلمى فنادها سقتك روايا المزن صوب عهادها (١)
وقال أيضًا:
تظن شجوني لم تعتلج وقد خلج البين من قد خلج (٢)
وقال أيضًا:
بمثل لقائها شفي الغليل غداة تزايلت تلك الحمول (٣)
وقال:
فؤاد بذكر الظاعنين موكل ومنزل حي فيه للشوق منزل (٤)
وقال أيضًا:
لما وصلت أسماء من حبلنا شكر وإن حم بالبين الذي لم نرد قدر (٥)
وقال أيضًا:
على الحي سرنا عنهم وأقاموا سلام، وهل يدني البعيد سلام؟ (٦)
وقال أيضًا:
لأوشك شعب الحي أن يتفرقا فيدني الجوى، أو يرجع الحب أو لقا (٧)
[ ٢ / ١٣ ]
أي يصير الحب جنونًا، وهذا كقول أبي تمام:
* أسارت في عقله لمما (١) *
وقال: عاد للصب شجوه واكتئابه ببعاد الذي يراد اقترابه (٢)
وقال أيضًا:
أصدود غلا بها أم دلال يوم زمت برامة الأجمال (٣)
وهذه كلها ابتداآات جياد، حسان، مختارة المعاني.
وقال أبو تمام:
يوم الفراق لقد خلقت طويلا لم تبق لي جلدًا، ولا معقولا (٤)
فجعل يوم الفراق طويلًا.
وقال البحتري كأنه يرد هذا المعنى (٥) على أبي تمام، وينسب يوم الفراق غلى القصر، وذكر العلة في ذلك فقال:
ولقد تأملت الفراق فلم أجد يوم الفراق على امريء بطويل (٦)
قصرت مسافته على متزود منه لدهر صبابة وعويل
وهذه إنما هي حال من كان محبوبه محجوبًا منه، ورؤيته متعذرة عليه قبل يوم الفراق.
[ ٢ / ١٤ ]
وقد بين هذا المعنى بقوله:
إن للبين منة لن تؤدي ويدًا في تماضر بيضاء (١)
حجبوها حتى بدت لفراق كان داء لعاشق ودواء
أضحك البين يوم ذاك وأبكى كل ذي صبوة، وسر وساء
فجعلنا الوداع فيه سلامًا وجعلنا الفراق فيه لقاء (٢)
وهذا مذهب صحيح، ومعنى واضح.
وقال البحتري أيضًا:
ويوم تلاق في فراق شهدته بعين إذا نهنهتها دمعت دما (٣)
فكيف يكون يوم تلاق طويل؟
وقال في نحوه أيضًا:
إن الفراق جلا لنا عن غادة بيضاء تجلو عن شتيت أشنب (٤)
ألوت بموعدها القديم وأيأست منه بلي بنانه لم تخضب (٥)
وقال أيضًا فيما يؤكد هذا المعنى، ويزيده صحة:
من وراء العيون كثبان رمل تنثني أفنانهن فنونا (٦)
وبود القلوب يوم استقلت ظعن الحي أن تكون عيونا (٧)
[ ٢ / ١٥ ]
وقد قال بعض الأعراب، أنشدناه الأخفش عن المبرد:
جزى الله يوم البين خيرًا؛ فإنه أرانا -على علاتها- أم ثابت
تباهي بها الأرض السماء إذا مشت عليها وتحي غشية المتماوت (١)
وقال بعض الظرفاء:
من يكن يكره الفراق فإني أشتيهه لموضع التسليم (٢)
إن في اعتناقة لوداع وانتظار اعتناقة لقدوم
وقال البحتري:
ما كفى موقف التفرق حتى عاد بالبث موقف الإجتماع (٣)
أعناق اللقاء أثلم في الأحـ ـشاء والقلب، أم عناق الوداع؟
وقال أيضًا:
لم يكن يومنا طويلًا بنعما ن ولكن كان البكاء طويلًا (٤)
وإنما ذهب أبو تمام في معنى طول يوم الفراق إلى ما يعهده الناس، ويتعارفونه من أن وقت البؤس، وزمان المحنة أبدًا طويل، ولعله ما كان مهجورًا قبل يوم الفراق، ولا كانت حاله التي وصفها البحتري.
وعلى أن البحتري قد ذهب إلى مثل ما ذهب إليه أبو تمام فقال:
يا ابنة العامري عما قليل يأذن الحي فاعلمي بالرحيل
قد سمعت الغراب يذكر بينًا وانصرامًا لحبلك الموصول (٥)
[ ٢ / ١٦ ]
كيف لي بالسلو لا كيف والبيـ ـن نازل بخطب جليل
إن يوم النوى ليوم طويل ليس يفنى، ويوم حزن طويل
وإنما قال البحتري هذا لأن من يهواه كان مواصلًا له، وذلك قوله: «وانصرامًا لحبلك الموصول».
ولم يقتع بأن قال: «إن يوم النوى ليوم طويل» حتى قال: «ليس يفنى، ويوم حزن طويل».
فلعل أبا تمام كانت هذه حاله أيضًا في مواصلة من فارق، واستطال يوم الفراق لذلك.
ومن رديء ابتداآت أبي تمام في هذا الباب قوله:
هن عوادي يوسف وصواحبه فعزمًا فقدمًا أدرك النأي طالبه (١)
وإنما جعله رديئًا قوله: «هن» فابتدأ بالكناية عن النساء، ولم يجر لهن ذكر بعد.
ثم قال: «عوادي يوسف»، ومعناها صوارف، يقال: عداني عنك (٢) كذا: أي صرفني، أراد: هن صوارف يوسف، وصواحبه، وصوارف ههنا لفظة ليست قائمة بنفسها؛ لأنه يحتاج أن يعلم صوارفه عن ماذا، واللفظة (٣) القائمة بنفسها أن لو قال: «واتن يوسف»، أو «شواغق يوسف»، أو نحو ذلك، وكأنه أراد صوارف يوسف عن تقاه، أو عن هداه، أو عن
[ ٢ / ١٧ ]
صحيح عزمه حتى هم بالمعصية، وإنما يتم معنى الكلمة بمثل هذه الألفاظ ألو وصلها بها.
ثم ألحق بيوسف التنوين، فجاء بثلاثة ألفاظ متوالية كلها رديئة في موضعها.
وتمم البيت بعجز لا يليق بصدره، وهو أردأ معنى من الصدر، وذلك قوله: «فعزمًا فقدمًا أدرك النأي طالبه».
فتصير جملة معنى البيت: هن صوارف يوسف فاعزم؛ فقديمًا أدرك البعد طالبه.
وهذا كلام لا يلائم بعضه بعضًا، ولا يتشابه، وإنما كانت ألفاظه ومعانيه تتشابه لو قال:
هن عوادي يوسف وصواحبه فلا يعدونك مطلب أنت طالبه
أو «فلا يعدونك العزم فيما تطالبه»، أي لا يتجاوزك.
أو «فلا تعدلن عن مطلب أنت طالبه»، أي هن صوارف يوسف عن عزمه، فلا تنصرف أنت عن عزمك ومطلبك لعذلهن، ومن أجلهن.
وقد عاب أبا تمام بهذا البيت أبو سعيد الضرير (١) وأبو العميثل الأعرابي (٢)، وكانا على خزانة الأدب لعبد الله بن طاهر بخراسان وكان الشاعر إذا قصده، عرض عليهما شعره، فإن كان جيدًا عرضاه عليه، أو دعي به فأنشده، وإن كان رديئًا نبذاه، ودفع إلى صاحبه البر على غير
[ ٢ / ١٨ ]
الشعر، فلما قدم أبو تمام على عبد الله قصدهما، ودفع القصيدة إليهما فضماها إلى أشعار الناس، فلما تصفحا الأشعار مرت هذه القصيدة على أيديهما، فلما وقفا على الابتداء طرحاها مع الشعر المنبوذ.
فأبطأ خبرها على أبي تمام فكتب إلى أبي العميثل أبياتًا يعاتبه فيها ويقول:
وأرى الصحيفة قد علتها فترة فترت لها الأرواح في الأجسام (١)
ثم لقيهما فقالا له: لم لا تقول ما يفهم؟ فقال: ولم لا تفهمان ما يقال؟
فاستحسن هذا الجواب من أبي تمام.
والرجلان ما عابا إلا معيبًا، وما أنكرا إلا منكرًا، وكانا من أعلم الناس بالشعر وبكلام العرب.
مضت ابتداآتهما بذكر الفراق فلنذكر الآن ما جاء عنهما من ذلك وسط الكلام.
[ ٢ / ١٩ ]