١ - قال البحتري:
ذنبٌ كما سحب الرداء يذب عن عرفٍ، وعرفٌ كالقناع المسبل
هذا خطأ من الوصف؛ لأن ذنب الفرس - إذا مس الأرض كان عيبا، فكيف إذا سحبه، وإنما الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض ولم يسمها، كما قال امرؤ القيس:
بضافٍ فويق الرض ليس بأعزل
فقال " فويق الأرض " أي: فوق الأرض بقليل.
وقد عيب على امرئ القيس قوله:
لها ذنبٌ مثل ذيل العروس تسد به فرجها من دبر
[ ١ / ٣٧١ ]
وما أرى العيب لحق امرأ القيس في هذا؛ لأن العروس إذا كانت تسحب ذيلها، وكان ذنب الفرس إذا مس الأرض فهو عيبٌ؛ فليس ينكر أن يشبه الذنب به إن لم يبلغ أن يمس الأرض؛ لأن الشيء إنما يشبه بالشيء إذا قرب منه، أو دنا من معناه، فإذا أشبهه في أكثر أحواله فقد صح التشبيه، ولاق به، ولأن امرأ القيس لم يقصد طول الذنب أن يشبهه بطول ذيل العروس فقط، وإنما أراد السبوغ والكثرة والكقافة، أر تراه قال " تسد به فرجها من دبر " وقد يكون الذنب طويلا يكاد يمس الأرض ولا يكون كثيفا، بل يكون رقيقًا نزر الشعر خفيفًا؛ فلا يسد فرج الفرس، فلما قال " تسد به فرجها " علمنا أنه إنما أراد الكثافة والسبوغ مع الطول، فإنما أشبه الذنب الطويل ذيل العروس من هذه الجهة، وكان في الطول قريبًا منه؛ فالتشبيه صحيح، وليس ذلك بموجب للعيب، ولا أن يكون ذنب الفرس من أجل تشبيهه بلاذيل مما يحكم على الشاعر أيضًا أنه قصد إلى أن الفرس يسحبه على الأرض،
[ ١ / ٣٧٢ ]
وإنما العيب في قول البحتري " ذنبٌ كما سحب الرداء " فأفصح بأن الفرس يسحب ذنبه.
ومثل قول امرئ القيس قول خداش بن زهير:
لها ذنبٌ مثل ذيل الهدى إلى جؤجؤٍ أيد الزافر
الهدى: العروس التي تهدى إلى زوجها، وأيد: شديد، والزافر: الصدر؛ لأنها تزفر منه، فإنما أراد بذيل العروس طوله وسبوغه؛ فشبه الذنب الطويل السابغ به، وإن لم يبلغ في الطول إلى أن يمس الأرض.
ومما يصحح ذلك قولهم: فرسٌ ذيال؛ إذا كان طويلا طويل الذنب، فإذا كان قصيرًا طويل الذنب قالوا: ذائل، وإنما قالوا ذلك تسبيهًا للذنب بالذيل لا غير، قال النابغة الذبياني:
بكل مدجج كالليث يسمو إلى أوصال ذيالٍ رفن
رفن ورفل واحدٌ، وهو الطويل الذنب وقد استقصيت الاحتجاج لبيت امرئ القيس فيما بينته من سهو أبي العباس عبد الله بن المعتز فيما ادعاه على امرئ القيس من الغلط في كتابه الذي جمع فيه سرقات الشعراء.
[ ١ / ٣٧٣ ]
٢ - وقال البحتري: هجرتنا يقظى وكادت على عا - دتها في الصدود تهجر وسنى
وهذا عندي غلطٌ؛ لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، يقظى كانت أو وسنى، والجيد قوله:
أرد دونك يقظانًا، وياذن لي عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا
فصحح المعنى، وأتى به على حقيقته وكذلك قوله:
إذا ما تباذلنا النفائس خلتنا من الجد أيقاظًا ونحن نيام
وقوله:
نعذب أيقاظًا وننعم هجدا
جيدٌ أيضًا؛ لأنه حملها على أن حالها مع خياله إذا نامت كحاله مع خيالها إذا نام، وأن واحد منهما ينعم مفردا مع خيال صاحبه؛ لا أنهما ينعمان معا في حال واحدة إذا نام أحدهما فرأى خيال الآخر. وإنما أخذ معنى بيته الأول - وعليه بنى أكثر أوصافه للخيال - من قول قيس بن الخطيم.
[ ١ / ٣٧٤ ]
أنى سربت وكنت غير سروب وتقرب الأحلام غير قريب
ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه في النوم غير مصردٍ محسوب
وما أظن أحدًا سبق قيسًا إلى هذا المعنى في وصف الخيال، وهو حسن جدًا، ولكن فيه أيضًا مقال لمعترض، وذلك هو الذي أوقع البحتري في الغلط؛ لأن قيسًا قال " ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه في النوم " فأراد أيضا أنها تؤتيه نائمة، وخيال المحبوب يتمثل في حال نوم المحب ويقظته كما ذكرت، وكان الأجود لو قال: ما تمنعي في اليقظة فقد تؤتينه في النوم: أي ما تمنعينه في يقظتي فقد تؤتينه في حال نومي، حتى يكون النوم واليقظة معا منسوبين إليه، إلا أنه يتسع من التأويل لقيس مالا يتسع للبحتري، لأن قيسا قال " فقد تؤتينه في النوم " ولم يقل: فقد تؤتينه نائمة فقد يجوز أن يحمل على أنه أراد ما تمنعي يقظي وأنا يقظان فقد تؤتينه في النوم: أي في نومي، ولا يسوغ مثل هذا في بيت البحتري؛ لأن البحتري قال وسنى ولم يقل في الوسن.
[ ١ / ٣٧٥ ]
٣ - وقال البحتري ف يمدح المعتز بالله:
لا العذل يردعه ولا ال تعنبف عن كرمٍ يصده
وهذا عندي من أهجن ما مدح به خليفة وأقبحه، ومن ذا يعنف الخليفة على الكرم أو يصده؟ إن هذا بالهجو أولى منه بالمدح.
٤ - وقال البحتري:
تشق عليه الريح كل عشيةٍ جيوب الغمام بين بكرٍ وأيم
وهذا أيضا غلط؛ لأنه ظن أن الأيم هي الثيب، وقد غلط في مثله أبو تمام، وذكرته في أغاليطه، وسها فيه أيضًا بعض كبار الفهاء؛ فظن البحتري أن الأيم هي الثيب، فجعلها في البيت ضد البكر، والأيم: هي التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبا، قال الله تعالى: " وأنكحوا الأيامى منكم " أراد جل ثناؤه اللواتي لا أزواج لهن؛ فالبكر والثيب جميعا داخلتان تحت الأيم؛ فتكون بكرًا وتكون ثيبا، وإنما أراد الثيب.
فإن قيل: إن الأيم قد تكون ثيبا، وإنما أراد الثيب.
[ ١ / ٣٧٦ ]
قيل: أجل إنها تكون ثيبا وتكون بكرًا ومعنسا وكعابا، إلا أن لفظة " أيم " لا تدل على شيء من هذه الأوصاف، وليست عبارة إلا عن التي لا زوج لها لا غير؛ وقد شرحت هذا المعنى شرحا شافيا في غلط أبي تمام.
٥ - وقال البحتري:
شرطي الإنصاف إن قيل اشترط وصديقي من إذا قال قسط
وكان يجب أن يقول " أقسط " أي: عدل، وقسط - بغير ألف - معناه جار، قال الله ﵎: " وأما الفاسطون فكانوا لجهنم حطبًا " وقال: " إن الله يحب المقسطين ".
٦ - وقال البحتري:
صبغة الأفق بين آخر ليلٍ منقضٍ شانه وأول فجر
يصف فرسا أشقر أو خلوقيا. والحمرة لا تكون بين آخر الليل وأول الفجر وهو عندي في هذا غالط؛ لأن أول الفجر الرزقة، ثم البياض،
[ ١ / ٣٧٧ ]
ثم الحمرة عند بدو قرن الشمس. كما أن آخر النهار عند غيبوبة الشمس الحمرة، ثم البياض، ثم الزرقة وهي آخر الشفق؛ وقال البحتري:
وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه وأول الغيث رشٌ ثم ينسكب
وقال آخر:
وأن يسجع القمرى فيها إذا غدا بركبانه قرنٌ من الشمس أزرق
وكأن البحتري أراد أن يقول بين آخر ليل منقض شأنه وأول نهار؛ فيكون قد قابل بين الليل والنهار، والحمرة قد تكون بين آخر الليل وأول النهار، كما تكون بين آخر النهار وأول الليل، فقال " وأول الفجر "، والجيد في مثل هذا المعنى قول أب يتمام يصف فرسًا أشقر:
كأن قد كسفت في أديمه الشمس
٧ - وقال البحتري:
قف العيس قد أدنى خطاها كلالها وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها
هذا لفظ حسن، ومعنى ليس بالجيد؛ لأنه قال " قد أدنى خطاها كلالها " أي: قارب من خطوها الكلال، وهذا كأنه لم يقف لسؤال الدار التي تعرض لأن يشفيه سؤالها، وإنما وقف لإعياء المطي.
[ ١ / ٣٧٨ ]
والجيد قول عنترة؛ لأنه لما ذكر الوقوف على الدار احتاط بأن شبه ناقته بالقصر، فقال:
فوقفت فيها ناقتي، وكأنها فدنٌ؛ لأقضي حاجة المتلوم
قال ذلك ليعلم أنه لم يقف بها ليريحها. وقد كشف ذو الرمة عن هذا المعنى وأحسن فيه وأجاد، فقال:
أنخت بها الوجناء لا من سآمةٍ لثنتين بين اثنين جاء وذاهب
يقول: أنخت لأصلي، لا من سآمة بها، وقوله " لثنتين " يريد اللتين يقصرهما المسافر " بين اثنين جاء " يريد اللتين يقصرهما المسافر " بين اثنين جاء " يريد الليل " وذاهب " يريد النهار فإن قيل: فإنما قال " قد أدنى خطاها " ليعلم أنه قصد الدار من شقةٍ بعيدة.
قيل: العرب لا تقصد الديار للوقوف عليها، وإنما تجتاز بها، فيقول الرجل لصاحبه أو صاحبيه: قف، وقفا، ولو كان هناك قصدٌ إليها لكانوا إذا وصلوا لا يقولون: قف، ولا قفا وإنما ذلك تعريج على الديار في مسيرها، وسأزيد في شرح هذا المعنى فيما بعد عند ذكر الوقوف على الديار.
٨ - وقال البحتري:
غريب السجايا ما تزال عقولنا مدلهةً في خلةٍ من خلاله
[ ١ / ٣٧٩ ]
إذا معشرٌ صانوا السماح تعسفت به همةٌ مجنونةٌ في ابتذاله
قوله " إذا معشر صانوا السماح " معنى ردئ؛ لأن البخيل ليس من أهل السماح فيكون له سماح يصونه، وسواء عليه قال: صانوا السماح، أو صانوا السخاء؛ أو صانوا الجود، أو صانوا الكرم؛ فإن هذا كله لا يملك البخلاء منه شيئًا، وهو منهم بعيد، فكيف يصونونه؟ فإن قيل: إنما أقام السماح مقام الشيء الذي يسمح به، وفي مجازات العرب ما هو أبعد من هذا.
قيل: البحتري لا يسوغ مثل هذا، ولا يجوز له؛ لأنه متأخر، ولا سيما أن ليست ههنا ضرورة؛ لأنه قد كان يمكنه أن يقول " صانوا الثراء " مكان " صانو السماح ".
[ ١ / ٣٨٠ ]