وما أكثر ما تراه من ذلك، وتجده في شعره، وأظنه سمع ما روى عن عمر ابن الخطاب ﵁ في زهير بن أبي سلمى لما قال فيه: كان لا يعاظل بين الكلا، ولا يتتبع حوشيه، ولا يمدح رجلا إلا بما في الرجال، فلم يرتضى هذا لشعره، وأحب أن يثتكثر بما ذمه وعابه.
وقد فسر أهل العلم هذا من قول عمر، وذكروا معنى المعاظلة، وهي: مداخلة الكلام بعضه في بعض، وركوب بعضه لبعض، من قولك: تعاظل الجراد، وتعاظلت الكلاب، ونحوهما مما يتعلق بعضه ببعض عند السفاد، وأكثر ما يستعمل في هذين النوعين، وكذلك فسروا حوشي الكلام، وهو الذي لا يتكرر في كلام العرب كثيرًا؛ فإذا ورد ورد مستهجنًا.
وقالوا في معنى قوله " وكان لا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال " أراد أنه لا يمدح السوقة بما يمدح به الملوك، ولا يمدح التجار وأصحاب الصناعات بما يمدح به الصعاليك والأبطال وحملة السلاح؛ فإن الشاعر إذا فعل ذلك فقد وصف
[ ١ / ٢٩٣ ]
كل فريق بما ليس فيه، فذكروا هذه الجمل، ثم مثلوا لها أمثلة تزيد ما قاله عمر ﵁ وضوحًا وبيانًا، إلا أبو افرج قدامه بن جعفر فإنه ذكر ذلك في كتابه المؤلف في نقد الشعر ومثل له أمثلة المعاظلة غلطا قبيحًا، وقد ذكرت ذلك في كتابٍ بينت فيه جميع ما وقفت عليه من سهوة وغلطه.
وأنا أذكر ههنا ما إليه قصدت من سائر ما في شعر أبي تمام م هذه الأنواع فإنها كثيرة، وأورد من كل نوع قليلا، فيستدل به على الكثير؛ فأقول: إن من المعاظلة التي قد لخصت معناها في الكتاب على قدامة شدة تعليق الشاعر ألفاظ البيت بعضها ببعض، وأن يداخل لفظة من أجل لفظة تشبهها أو تجانسها، وإن اختل المعنى بعض الاختلال.
١ - وذلك كقول أب يتمام:
خان الصفاء أخٌ خان الزمان أخًا عنه فلم يتخون جسمه الكمد
فانظر إلى أكثر ألفاظ هذا البيت، وهي سبع كلمات آخرها قوله " عنه " ما أشد تشبث بعضها ببعض، وما أقبح ما اعتمده من إدخال
[ ١ / ٢٩٤ ]
ألفاظ في البيت من أجل ما يشبهها، وهو " خان " و" خان " و" يتخون " وقوله " أخ " و" اخا " فإذا تأملت المعنى - مع ما أفسده من اللفظ - لم تجد له حلاوة، ولا فيه كبير فائدة؛ لأنه يريد خان الصفاء أخٌ خان الزمان أخًا من أجله إذا لم يتخون جسمه الكمد.
٢ - وكذلك قوله:
يا يوم شرد يوم لهوى لهوه بصبابتي، وأذل عز تجلدي
فهذه الألفاظ إلى قوله " بصبابتي " كأنها سلسلة، من شدة تعلق بعضها ببعض، وقد كان أيضا استغنى عن ذكر اليوم في قوله " يوم لهوى "؛ لأن التشريد إنما هو واقع بلهوه، فلو قال " يا يوم شرد لهوى " لكان أصح في المعنى من قوله: " يا يوم شرد يوم لهوى " وأقرب في اللفظ؛ فجاء باليوم الثاني من أجل اليوم الأول، وباللهو الثاني من أجل اللهو الذي قبله، ولهو اليوم أيضًا بصبابته هو أيضا من وساوسه وخطائه، ولا لفظ أولى بالمعاظلة من هذه الألفاظ.
[ ١ / ٢٩٥ ]
٣ - ونحو قوله أيضا:
يومٌ أفاض جوى أغاض تعزيا خاض الهوى بحرى حجاه المزبد
فجعل اليوم أفاض جوى، والجوى أغاض تعزيا، والتعزى موصولا به " خاض الهوى " إلى آخر البيت؛ وهذا غاية ما يكون من التعقيد والاستكراه، مع أن " أفاض " و" أغاض " و" خاض " ألفاظ أوقعا في غير موضعها، وأفعال غير لائقة بفاعلها، وإن كانت مستعارة؛ لأن المستعمل في هذا أن يقال: قد علم ما بفلان من جوى، وظهر ما يكتمه من هوى، وبان عنه العزاء، وذهب عنه العظاء والتعزي، فأما أن يقال: فاض الجوى، أو أفيض، أو غاض، أو غيض: فإنه - وإن احتمل ذلك على سبيل الاستعارة - قبيحٌ جدًا، وكذلك خوض الهوى بحر التعزي معنىً في غاية البعد والهجانة، ثم اضطر إلى أن قال " بحري حجاه المزيد " فوحد المزبد، وخفضه، وكان وجهه أن يقول " المزبدين " صفة للبحرين؛ فجعله صفة للحجى، ويقال: إنه أراد ببحري حجاه المزيد قلبه ودماغه؛ لأنهما موطنان للعقل، وذلك محتمل؛ إلا أنه جعل المزبد وصفا للحجى، ولا يوصف العقل بالإزباد، وإنما يوصف به البحر، وهذا وإن كان يتجاوز في مثله فإنه
[ ١ / ٢٩٦ ]
إلى الوجه الأردأ عدل به، وجنب الطريق عن الوجه الوضح.
فإذا تأملت شعره وجدت أكثره مبنيًا على مثل هذا وأشباهه، وقد ذكرت من هذه الأمثلة من شعره ما دل على سواها.
فإن قال قائل: إن هذا الذي أنكرته وذممته في البيات المتقدمة وفي هذا البيت - من شدة تشبث الكلام بعضه ببعض، وتعلق كل لفظةٍ بما يليها، وإدخال كلمة من أجل أخرى تبهها وتجانسها - هو المحمود من الكلام، وليس من المعاظلة في شيء، ألا ترى أن البلغاء والفصحاء لما وصفوا ما يستجاد ويستحب من النثر والنظم قالوا: هذا كلام يدل بعضه على بعض، وآخذ بعضه برقاب بعض.
قيل: هذا صحيح من قولهم، ولم يريدوا هذا الجنس من النثر والنظم، ولا قصدوا هذا النوع من التأليف، وإنما أرادوا المعاني إذا وقعت ألفاظها في مواقعها، وجاءت الكلمة مع أختها المشاكلة لها التي تقتضي أن تجاورها بمعناها: إما على الاتفاق، أو التضاد، حسما توجبه قسمة الكلام، وأكثر الشعر الجيد هذه سبيله، ونحو ذلك قول زهير بن أبي سلمى:
سئمت تكاليف الحياة، ومن يعشثمانين حولًا لا أبا لك يسأم
[ ١ / ٢٩٧ ]
لما قال " ومن يعش ثمانين حولا " وقدم في أول البيت " سئمت " اقتضى أن يكون في آخره " يسأم " وكذلك قوله أيضًا:
الستر دون الفاحشات، وما يلقاك دون الخير من ستر
فالستر الأول اقتضى الستر الثاني، وكذلك قوله:
ومن لا يقدم رجله مطمئنة فيثبتها في مستوى الأرض تزلق
لما قال " ومن لا يقدم رجله مطمئنة " اقتضى أن يأتي في آخر البيت " تزلق " وكذلك قول امرئ القيس:
ألا إن بعد العدم للمرء قنوةً وبعد المشيب طول عمر وملبسا
اقتضى " العدم " في البيت أن يأتي بعده " قنوة " وكذلك اقتضى قوله: " وبعد المشيب " قوله " طول عمر وملبسا " وكذلك قوله:
فإن تكتموا الداء لا نخفه وإن تقصدوا لدم نقصد
[ ١ / ٢٩٨ ]
كل لفظة تقتضي ما بعدها.
فهذا هو الكلام الذي يدل بعضه على بعض، وياخذ بعضه برقاب بعض؛ إذا أنشدت صدر البيت علمت ما ياتي في عجزه؛ فالشعر الجيد - أو أكثره - على هذا مبني، وليست بنا حاجة إلى الزيادة في التمثيل على هذه الأبيات.
[ ١ / ٢٩٩ ]
[* حوشى الكلام وما يستكره من الألفاظ]:
وأما قول عمر ﵁ في زهير: " إنه كان لا يتتبع حوشي الكلام " فإن أبا تمام كان لعمري يتتبعه، ويتطلبه، ويتعمد إدخاله في شعره؛ فمن ذلك قوله:
أهلس أليس لجاءٌ إلى هممٍ تغرق الأسد في آذيها الليسا
ويروى " أهيس أليس " الجاد، وهذه الرواية أجود، وهي مثل:
إحدى لياليك فهيسى هيسى
والهلاس: السلال من شدة الهزال؛ فكان قوله " أهلس " يريد خفيف اللحم، والأليس: الشجاع البطل الغاية في الشجاعة، وو الذي لا يكاد يبرح موضعه في الحرب حتى يظفر أو يهلك؛ فهاتان لفظتان مستكرهتان إذا اجتمعتا، لم يقنع بأهلس أليس حتى قال في آخر البيت " الليسا " يريد جمع أليس،
[ ١ / ٣٠٠ ]
وقوله:
وإن بجيريةٌ نابت جأرت لها إلى ذرى جلدي فاستؤهل الجلد
فقال " بجيرية " " جأرت لها " وهذه الألفاظ وإن كانت معروفة مستعملة فإنها إذا اجتمعت استقبحت وثقلت، وكذلك قوله:
هن البجارى يا بجير
والبجارى: جمع بجرية، وهي الداهية، وقوله:
بنداك يوسى كل جرحٍ يعتلى رأب الأساة بدردبيسٍ قنطر
الدردبيس والقنطر: من أسماء الدواهي، وقوله:
قدك اتئب أربيت في الغلواء
وزاد هذه الألفاظ هجنة أنها ابتداء في ابتداء القصيدة، وقوله:
لقد طلعت في وجه مصر بوجهه بلا طائرٍ سعدٍ ولا طائر كهل
[ ١ / ٣٠١ ]
وإنما سمع قول بعض الهذليين:
فلو كان سلمى جاره أو أجاره رياح بن سعدٍ رده طائرٌ كهل
ووجدت في تفسير أشعار هذيل أن الأصمعي لم يعرف قوله " طائر كهل " وقال بعضهم: كهل ضخم، وما أظن أحدًا قال " طائر كهل " غير هذا الهذلي، فاستغرب أبو تمم معنى الكلمة فأتى بها، وأحب أن لا تفوته؛ فمثل هذه الألفاظ لا يستعملها شاعر متقدمٌ إلا أن يأتي في جملة شعره منها اللفظة واللفظتان، وهي في شعر أبي تمام كثيرةٌ فاشية، وقد أنكر الرواة على زهير - مع ما قاله عمر ﵁ " إنه كان لا يتتبع حوشي الكلام " - قوله:
نقيٌ تقيٌ لم يكثر غنيمةً بنهكةٍ ذى قربى ولا بحقلد
واستشنعوا " بحقلد " وهي اليء الخلق، ولا يعرف في شعره لفظة هي أنكر منها، وليس مجيئه بهذه اللفظة الواحدة قادحا فيما وصفه به عمر ﵁، وأكثر ما ترى هذه الألفاظ الوحشية في أراجيز الأعراب، نحو قول بعضهم
[ ١ / ٣٠٢ ]
أنشده أبو حاتم:
فشجا جحافله جرافٌ هبلع
وقول آخر:
غربًا حرورًا وجلالًا خرخره
وأنشد الأصمعي:
وآخذٌ طعم السقاء سامط وخائرٌ عجالطٌ عكالط
إذا ذهب عن اللبن حلاوة الحليب ولم يتغير فهو سامط، وإذا خثر اللبن جدًا حتى ثخن فهو عكالط،
[ ١ / ٣٠٣ ]
وقول الآخر أنشده الأصمعي:
وربربٍ خماص يأكلن من قراص
وحمصيصٍ وقاص
واس: نبتٌ متصل بعضه ببعض.
وإذا كان هذا يستهجن من الأعرابي القح الذي لا يتعممل له ولا يطلبه، وإنما يأتي به على عادته وطبعه؛ فهو من المحدث - الذي ليس هو من لغته ولا من ألفاظه ولا من كلامه الذي تجري عادته به - أحرى أن يستهجن، ولهذا أنكر الناس على رؤبة استعماله الغريب الوحشي، وذلك لتأخره وقرب عهده، حتى زهد كثير من الرواة في رواية شعره إلا أصحاب اللغة والغريب.
وقد ذكر أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتابه المؤلف في سرقات الشعراء ومعانيهم، عن العنزى، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الصمد السلمي الزارع، قال: حدثني ابن عائشة، قال: قال أبو العتاهية لابن مناذر: إن كنت أردت بشعرك شعر العجاج
[ ١ / ٣٠٤ ]
ورؤبة فما صنعت شيئًا؛ وإن كنت أردت شعر أهل زمانك فما أخذت مأخذنا، أرأيت قولك:
ومن عاداك يلقى المرمريسا
أي شيء في المرمريس أعجبك؟
ووجدت أبا عبيدة ذكر في كتاب الخيل في
باب ما يستدل به على جودة الفرس وهو يحضر " وبيضة مرمريس، وهمةٌ مرمريس، وهي الضخمة " وأراد ابن مناذرٍ الداهية.
وقد جاء أبوتمام بالدردبيس، وهي أخت المرمريس، فقال:
بنداك يوسى كل جرحٍ يعتلى رأب الأساة بدردبيس قنطر
وهي الداهية أيضًا، وكذا القنطر.
[ ١ / ٣٠٥ ]