١- حدثنى العروضى قال: اعلم أن ما لا ينصرف يجوز صرفه فى الشعر، لأنه يردّ إلى أصله؛ نحو قوله:
لم تتلفّع بفضل مئزرها دعد ولم تغذ دعد بالعلب
فصرف وترك الصرف فى بيت واحد.
٢- وأما ترك صرف ما ينصرف فهو غير جائز، لأنه يخرج الشىء عن أصله؛ وقد أجازه الأخفش، وأنشد قول العباس بن مرداس السلمى «١٦٧»:
فما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس فى مجمع
فترك صرف مرداس، وهو اسم منصرف؛ وهذا قبيح لا يجوز ولا يقاس عليه لأنه لحن.
٣- ومثله فى المعنى قصر الممدود؛ يجوز فى الشعر؛ ولا يجوز أن يمد المقصور، لأنه خروج عن الأصل، وقصر الممدود هو ردّ الشىء إلى أصله. قال الشاعر:
بكت عينى وحقّ لها بكاها وما يغنى البكاء ولا العويل
فقصر البكاء ومدّه فى بيت واحد.
٤- وأما مدّ المقصور فقد أنشدوا «١٦٨»:
سيغنينى الذى أغناك عنى فلا فقر يدوم ولا غناء
والوجه الأجود فى هذا أن يكون أوله مفتوحا، لأن معنى الغنى والغناء واحد. والشاعر إذا اضطر إلى مدّ المقصور غيّر أوله ووجّهه إلى ما يجوز، قال «١٦٩»:
[ ١٢٢ ]
والمرء يبليه بلاء السربال كرّ الليالى وانتقال الأحوال «١٧٠»
فلما فتح الباء من البلى ساغ المدّ [٤٢] . ومثل هذا كثير.
وقال آخر «١٧١» - ومد الزنا:
أبا حاضر من يزن يظهر زناؤه ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا
٥- ومما جاء فى الشعر من الاجتزاء بالضمة من الواو- فى مثل كأنّه وله وبيناه- قول الشاعر «١٧٢»:
له زجل كأنه «١٧٣» صوت حاد إذا طلب الوسيقة أو زمير
وقول الآخر «١٧٤»:
فبيناه يشرى رحله قال قائل لمن جمل رخو الملاط نجيب «١٧٥»
وقوله:
فما له «١٧٦» من مجد تليد وماله من الريح فضل لا الجنوب ولا الصبا
[ ١٢٣ ]
٦- قال: ومما حذف منه بعض الكلمة فى البيت قوله:
وطرت يمنصلى فى يعملات دوامى الأيد يخبطن السّريحا
فأسقط الياء من الأيدى؛ كقوله:
كنواح ريش حمامة نجديّة ومسحت باللثتين عصف الإثمد
فأسقط الياء من نواحى.
قال: وقد أسقط الشاعر ما هو ألزم وأثبت فى بابه؛ من هذا نحو قول النجاشى «١٧٧»:
فلست بآتيه ولا أستطيعه ولك اسقنى إن كان ماوك ذا فضل «١٧٨»
فحذف النون من «لكن» .
وقال الآخر «١٧٩»:
دار لسعدى إذه «١٨٠» من هواكا
فحذف الياء من هى.
٧- وقد جاء فى الشعر تسكين الحروف التى عليها «١٨١» الضمّات والكسرات، نحو عضد وفخذ، فقيل عضد وفخذ، وفى كبد كبد، وفى علم علم، وفى كرم كرم، وفى رجل رجل، وفى ضرب ضرب، وفى عصر عصر.
قال الشاعر:
لو عصر منها البان والمسك انعصر
وفى مثل انطلق انطلق: تسكن اللام، وتحرك القاف بالفتح. قال الشاعر:
[ ١٢٤ ]
ألا ربّ مولود وليس له أب وذوى ولد لم يلده أبوان
فحرك الدال بالفتح لما أسكن اللام.
وأما قول الشاعر:
قواطنا مكة من ورق الحمى
فإنه أراد «الحمام» فحذف الألف، فبقى «الحمم»، فاجتمع حرفان من جنس واحد، فأبدل الميم الثانية ياء، كما قالوا: «تظنّيت»، فأبدلوا الياء من النون، ولا يجوز أن نقول- على هذا: الحمى فى الحمار، ولا ما أشبه هذا، لأن هذا شاذ لا يقاس عليه.
٨- وقد ضاعف الشاعر ما لا يجوز أن يضاعف فى الكلام. قال قعنب «١٨٢» .
مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقى أنى أجود لأقوام وإن ضننوا «١٨٣»
وقال الآخر «١٨٤»:
الحمد لله العلىّ الأجلل
«١٨٥» وإنما الكلام «ضنوا» و«العلى الأجل»؛ فضاعف الشاعر.
٩- وقد يردّ الشاعر الإعراب إلى أصله فى مثل قاض، فيقول قاضى وقاضى غير مهموز، وكذلك جوارى وغوانى. فقال «١٨٦»:
لا بارك الله فى الغوانى هل يصبحن إلّا لهنّ مطّلب
وقول الآخر «١٨٧»:
ما إن رأيت ولا أرى فى مدّتى كجوارى يلعبن فى الصحراء
[ ١٢٥ ]
وقال الآخر: الفرزدق «١٨٨»:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ولكنّ عبد الله مولى مواليا
وقد قال الشاعر- فى مثل لم يغز ولم يرم: لم يغزو ولم يرمى، كأنه أسكن الواو والياء بعد وجوب الحركة لهما، فقال «١٨٩»:
ألم يأتيك والأنباء تنمى بما لاقت لبون بنى زياد «١٩٠»
كان أصله يأتيك فحذف الضمة.
١٠- وقد ألحق الشاعر نون الجميع مع الاسم المضمر فى مثل الضاربونه، وكذلك الخائفونه والآمرونه، فقال «١٩١»:
هم القائلون الخير والآمرونه إذا ما خشوا من محدث الأمر مفظعا
١١- وقد حذف الشاعر التنوين من الأسماء المنصرفة لالتقاء الساكنين، فقال:
وحاتم الطّائىّ وهّاب المئى
وقال أبو الأسود الدؤلى «١٩٢»:
وألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا
فحذف التنوين فى حاتم وذاكر، لأنه أراد أن يحرك لالتقاء [٤٣] الساكنين فحذف.
١٢- وقد حذف الشاعر الإعراب، وليس بالحسن. أنشد سيبويه «١٩٣»:
فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل
يريد أشرب، فحذف الضمة؛ والرواية: فاليوم فاشرب.
[ ١٢٦ ]
١٣- وقد قطع الشاعر ألف الوصل وليس بالحسن. قال جميل «١٩٤»:
ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة على حدثان الدهر منى ومن جمل
فقطع ألف اثنين، وهى ألف الوصل.
١٤- ومما حذف إعرابه قوله:
إذا اعوججن قلت صاحب قوّم بالدّوّ أمثال السّفين العوّم
وقد جاء فى الشعر مكان مساجد مساجيد، ومكان دراهم دراهيم.
قال الشاعر «١٩٥»:
تنفى يداها الحصا فى كلّ هاجرة نفى الدراهيم تنقاد الصيارف «١٩٦»
١٥- وقد جاء فى مثل المفتاح المفتح، وفى مثل التأميل التأمال، وفى مثل الكلكل الكلكال، قال الشاعر:
أقول إذ خرّت على الكلكال يا ناقتى ما جلت من مجال
١٦- ومما جاء فى القوافى من الحذف قوله «١٩٧»:
وقبيل من لكيز شاهد رهط مرجوم ورهط ابن المعل
يريد ابن المعلّى، فحذف.
ومما جاء فى تخفيف المشدّد قوله:
دعوت قومى ودعوت معشرى حتّى إذا ما لم أجد غير الشر
كنت امرءا من مالك بن جعفر
[ ١٢٧ ]
فحذف الياء «١٩٨» من الشر.
وقال العباس: «السّرى» بالسين: اسم رجل، وإنما حذف إحدى الياءين.
١٨- وقد وضع قوم الكلام فى غير موضعه، فقدموا وأخروا، نحو قوله:
صددت فأطولت الصدود وقلما وصال على طول الصدود يدوم
يريد: وقلما يدوم وصال.
وقال الآخر «١٩٩»:
إنّ الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يوما على من يتكل
يريد من يتكل عليه؛ فقدم وأخر.
وقال الفرزدق «٢٠٠»:
وما مثله فى الناس إلا مملّكا «٢٠١» أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه
وإنما أراد: وما مثله فى الناس حىّ يقاربه إلا مملّك أبو أمه أبوه، فتعسّف هذا التعسف الشديد، ووضع أشياء فى غير مواضعها «٢٠٢»؛ وإنما مدح بهذا الشعر خال هشام، فقال: ما فى الناس حىّ يقارب خال هشام إلا هشام الذى أبو أمه أبوه، يعنى أن جدّ هشام لأمه هو أبو هذا الممدوح.
وإنما زدنا فى شرحه ليفهم.
وهذا قبيح جدّا، وإنما نصب مملكا لأنه استثناء مقدم، كما قال: «مالى إلا أباك صديق»، إذا أردت مالى صديق إلا أبوك.
[ ١٢٨ ]
١٩- وقد صغّر الشاعر؛ فقال امرؤ القيس «٢٠٣»:
ضليع إذا استدبرته سّد فرجه بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
وقال زهير «٢٠٤»:
فأمّا فويق العقد منها فمن أدماء مرتعها خلاء «٢٠٥»
وقال الأعشى «٢٠٦»:
أبلغ يزيد بنى شيبان مألكة أبا ثبيت أما تنفكّ تأتكل «٢٠٧»
وقال أبو زبيد الطائى:
يابن أمى ويا شقيّق نفسى أنت خلّيتنى لأمر شديد
٢٠- وقد جاء فى غد غدو، نحو قول الشاعر:
وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع
وجاء فى موضع ليتنى ليتى؛ قال الشاعر «٢٠٨»:
كمنية جابر إذ قال ليتى أصادفه وأفقد بعض «٢٠٩» مالى «٢١٠»
٢١- وجاء فى «انعم صباحا:» عم صباحا، قال الشاعر «٢١١»:
[ ١٢٩ ]
أتوا نارى فقلت منون أنتم «٢١٢» فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما «٢١٣»
٢٢- وقد رخّم الشاعر فى النداء، فقال:
يامرو إنّ مطيتى محبوسة ترجو الحياء وربّها لم ييأس
يريد يامروان.
وقال آخر:
فقلتم تعال يا يزى بن مخرّم فقلت لكم: إنى حليف صداء
يريد: يا يزيد، فرخّم.
وأما فى غير النداء [٤٤] فقول امرئ القيس «٢١٤»:
لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره طريف بن مال ليلة الجوع والخصر «٢١٥»
يريد مالك «٢١٦»، فرخّم فى غير موضع النداء.
٢٣- وقد أبدل الشاعر مكان الحرف المتحرك حرفا لا تجرى فيه الحركة؛ نحو قوله «٢١٧»:
لها أشارير من لحم تتمّره من الثّعالى ووخز من أرانيها «٢١٨»
[ ١٣٠ ]
يريد الثعالب وأرانبها، فأبدل الياء من الباء.
ومثله قوله «٢١٩»:
ومنهل ليس به حوازق ولضفادى جمّه نقانق ٢٢»
يريد الضفادع «٢٢١» .
[ ١٣١ ]