قال «٤١»: ومن عيوب الشعر أن تكون القافية مستدعاة، قد تكلّف فى طلبها، فاشتغل معنى سائر البيت بها؛ مثل ما قال أبو تمام الطائى «٤٢»:
كالظّبية الأدماء صافت فأرتعت زهر العرار الغض والجثجاثا
[ ٣٠٠ ]
فجميع هذا البيت مبنىّ لطلب هذه القافية، وإلا فليس فى وصف الظبية بأنها ترتعى الجثجاث كبير فائدة؛ لأنه إنما توصف الظبية إذا قصد لنعتها بأحسن أحوالها؛ بأن يقال بأنها تعطو الشجر؛ لأنها حينئذ رافعة رأسها، وتوصف بأن ذعرا يسيرا قد لحقها؛ كما قال الطرماح «٤٣»:
مثل ما عاينت مخروفة «٤٤» نصّها ذاعر روع «٤٥» مؤام «٤٦»
فأمّا أن ترتعى الجثجاث فلا أعرف له معنى فى زيادة الظبية من الحسن، لا سيما والجثجاث ليس من المراعى التى توصف.
قال «٤٧»: ومن عيوب هذا الجنس أن يؤتى بالقافية لتكون نظيرة لأخواتها فى السجع، لا لأنّ [لها] «٤٨» فائدة فى معنى البيت؛ كما قال على بن محمد البصرى:
وسابغة الأذيال زعف «٤٩» مفاضة تكنّفها منى نجاد مخطط
فى وصف الدرع وتجويد نعتها، وليس يزيد فى جودتها أن يكون نجادها مخططا دون أن يكون أحمر أو أخضر أو غير ذلك من الأصباغ، ولكنه أتى به من أجل السجع.
ومن هذا الجنس قول أبى عدى القرشى «٥٠» [١٢٧]:
ووقيت الحتوف من وارث وا ل وأبقاك صالحا ربّ هود
[ ٣٠١ ]
فليس نسبة هذا الشاعر الله ﷿ إلى أنه ربّ هود بأجود فى هذا البيت من نسبته إلى أنه ربّ نوح، ولكن القافية كانت داليّة فأتى بذلك للسجع، لا لإفادة معنى بما أتى به منه.
قال محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٥١»: ينبغى للشاعر أن يتأمّل تأليف شعره وتنسيق أبياته، ويقف على حسن تجاورها أو قبحه؛ فيلائم بينها لتنتظم له معانيها، ويتصل كلامه فيها، كقول ابن هرمة «٥٢»:
وإنى وتركى ندى الأكرمين وقدحى بكفّى زنادا شحاحا «٥٣»
كتاركة بيضها بالعراء وملبسة «٥٤» بيض أخرى جناحا
وكقول الفرزدق «٥٥»:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه سراب أذاعته رياح السمائم
كان يجب أن يكون بيت لابن هرمة مع بيت للفرزدق، وبيت للفرزدق مع بيت لابن هرمة فيقال:
وإنّى وتركى ندى الأكرمين وقدحى بكفى زنادا شحاحا
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه سراب أذاعته رياح السّمائم
ويقال:
فإنك إذ تهجو تميما وترتشى سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كتاركة بيضها بالعراء وملبسة بيض أخرى جناحا
[ ٣٠٢ ]
حتى يصحّ التشبيه للشاعرين جميعا؛ وإلّا كان تشبيها بعيدا غير واقع موقعه الذى أريد له.
قال «٥٦»: وينبغى للشاعر أن يحترز فى أشعاره؛ ومفتتح أقواله، مما يتطيّر منه أو يستجفى من الكلام والمخاطبات؛ كذكر البكاء ووصف الخطوب الحادثة؛ فإن الكلام إذا كان مؤسسا على هذا المثال تطيّر منه سامعه وإن كان يعلم أنّ الشاعر إنما يخاطب نفسه دون الممدوح؛ فيجتنب مثل ابتداء الأعشى بقوله «٥٧»:
ما بكاء الكبير بالأطلال «٥٨»
ومثل قول ذى الرمة «٥٩»:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
وقول أبى نواس [١٢٨] «٦٠»:
أربع البلى إنّ الخشوع لبادى عليك وإنى لم أخنك ودادى
ومثل إنشاد البحترى لأبى سعيد «٦١» الثّغرى:
لك «٦٢» الويل من ليل بطاء أواخره «٦٣»
فقال له أبو سعيد: الويل لك والحرب! وإنشاد أبى حكيمة راشد بن إسحاق لأبى دلف:
ألا ذهب الأير الذى كنت تعرف
[ ٣٠٣ ]
فقال أبو دلف: أمّك كانت تعرفه.
وليجتنب التشبيب بامرأة يوافق اسمها اسم بعض نساء الممدوح من أمه أو قرابة، أو غيرهما؛ وكذلك ما يتصل به سببه أو يتعلق به وهمه؛ فإن أرطاة بن سهيّة الشاعر لما أنشد عبد الملك «٦٤»:
وما تبغى المنيّة حين تأتى «٦٥» على نفس ابن آدم من مزيد
وأحسب أنها ستكرّ حتى «٦٦» توفّى نذرها بأبى الوليد
فقال له عبد الملك: ما تقول؟ ثكلتك أمّك! قال: أنا أبو الوليد يا أمير المؤمنين؛ وكان عبد الملك يكنى أبا الوليد أيضا، ولم يزل يعرف كراهة شعره فى وجه عبد الملك إلى أن مات.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أحمد بن الهيثم السامىّ، قال: حدثنى العمرى، عن الهيثم بن عدى، قال: أخبرنا القاسم بن معن، قال: حدثنى عبد الله بن كثير التيمى من بنى تيم الله بن ثعلبة- بهذا الحديث؛ فسألت حمادا الراوية عنه، فقال: حدثنى سماك بن حرب، قال: حدثنى المصوّر العنزى- وكان من رواة العرب، فقلت لحماد: أكان من أسنان سماك؟ قال:
نعم، وأكبر من أبيه؛ قال: دخلت على زياد فقال: أنشدنا. فقلت: من شعر من؟
قال: من شعر الأعشى. قال: فأرتج علىّ إلّا قوله «٦٧» .
رحلت سميّة غدوة أجمالها غضبى عليك فما تقول بدا لها
قال: فقطب زياد؛ وعرفت ما وقعت فيه. وقيل للناس: أجيزوا. فأجزت، فو الله ما عدت إليه.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: واسم أم زياد سميّة، فكره ذكر ذلك.
[ ٣٠٤ ]
حدثنى محمد بن إبراهيم الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن خيثمة، عن أبى نصر [١٢٩] أحمد بن حاتم، قال: بلغنى أن الفرزدق دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: من أشعر أهل زماننا؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين. قال: ثم من؟ قال: غلام منّا بالبادية يقال له ذو الرمة. قال: ثم دخل عليه جرير بعد ذلك فقال له: من أشعر الناس- قال: أنا يا أمير المؤمنين. قال: ثم من؟ قال: غلام منا بالبادية يقال له ذو الرمة. فأحبّ عبد الملك أن يراه لقولهما، فوجّه إليه فجىء به، فقال: أنشدنى أجود شعرك فأنشده «٦٨»:
ما بال عينك منها الماء ينسكب كأنه من كلى مفريّة سرب
قال: وكانت عينا عبد الملك تسيلان ماء، قال: فغضب عليه ونحّاه. فقيل له:
ويحك! إنما دهاك عنده قولك:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
فاقلب كلامك. قال: فصبر حتى دخل الثانية، فقال له: أنشده، فأنشد:
ما بال عينى منها الماء ينسكب
حتى أتى على آخرها، فأجازه وأكرمه.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: لما أنشد الأخطل عبد الملك «٦٩»:
خفّ القطين فراحوا منك أو بكرو
قال عبد الملك: بلى منك إن شاء الله- تطيّرا.
وحدثنا محمد بن القاسم الأنبارى، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الرّبعى، قال: حدثنى أحمد بن عثمان بن محمد العثمانى، قال: حدثنى
[ ٣٠٥ ]
أبى، وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قالا: لما أنشد الأخطل عبد الملك:
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا
قال عبد الملك: بلى منك، لا أمّ لك! وتطيّر عبد الملك من قوله؛ فعاد فقال:
فراحوا اليوم أو بكروا
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس، قال: حدثنا أبو عمرو العمرى، عن الهيثم بن عدى، قال:
حدثنى إسحاق بن سعيد، عن عمرو بن سعيد، قال: حدثنى أبى، قال: قدم علينا إبراهيم بن متمم بن نويرة، فنزل بنا؛ فكلمت فيه عبد الملك بن مروان، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ ما رأيت بدويّا يشبهه عقلا وفضلا. قال: أدخله. فأدخلته. فرأى منه ما رأينا منه، فقال: أنشدنا بعض مراثى أبيك عمّك. قال: فأنشده:
نعم الفوارس يوم نشبة غادروا تحت التراب قتيلك ابن الأزور [١٣٠]
فلما انتهى إلى قوله:
أدعوته بالله ثم قتلته لو هو دعاك بمثلها لم يغدر
قال: فالتفت عبد الملك إلىّ، فعرفت ما أراد، فقلت: يا أمير المؤمنين إن كنت علمت أو اطّلعت أو شاورت أو جرى منى فى هذا قول أو فعل فكلّ مرة «٧٠» له طالق، وكلّ مملوك له حرّ، وكلّ مال له فى المساكين، وعليه المشى إلى بيت الله. وحلف بنو عمرو بن سعيد- وهم أخواله- مثلها. فقال عبد الملك: وذاك وذاك. فقام والله ما أمر له بشىء. فلما انصرفنا جمعنا له بيننا دراهم وكسوة وجهزناه ورجع إلى بلاده.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وإنما كره عبد الملك استماع هذا
[ ٣٠٦ ]
الشعر لقتله عمرو بن سعيد الأشدق بعد إعطائه الأمان، وقدّر أنّ ابن متمّم وضعه بنو عمرو بن سعيد على إنشاد البيت الأخير.
حدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: لما أنشد جرير عبد الملك:
أتصحو بل فؤادك غير صاح
قال: بل فؤادك يابن اللخناء. فلما بلغ إلى قوله «٧١»:
تشكّت «٧٢» أمّ حزرة ثم قالت رأيت الموردين ذوى لقاح «٧٣»
قال: لا أروى الله عيمتها «٧٤» .
حدثنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثت فى إسناد متصل أن أبا النجم العجلى أنشد هشاما «٧٥»:
والشمس قد صارت كعين الأحول
وذهب عنه الروىّ فى الفكر فى عين هشام، فأغضبه، فأمر به فطرد.
وأخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الأشناندانى، قال: أخبرنا التّوزى، عن أبى عبيدة، قال: دخل أبو النجم على هشام بن عبد الملك وكان قد حجبه قبل ذلك لما قال:
والشمس قد صارت كعين الأحول
فأمر بسحبه. وكان هشام أحول.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن عليل العنزى، قال: حدثنا على بن الصباح الكاتب، قال: أخبرنا هشام بن محمد الكلبى، وأخبرنى أبو ذر
[ ٣٠٧ ]
القراطيسى، قال: حدثنا ابن أبى الدنيا، قال: حدثنى [١٣١] العباس بن هشام بن محمد الكلبى، عن أبيه، عن محرّر بن جعفر؛ وحدثنى أحمد بن عبد الله العسكرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أبو بكر العليمى الباهلى، قال: حدثنى عطاء الملط، وحدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: حدثنا ابن الأعرابى، وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال:
حدثنا الحسن بن على المهرى، قال: حدثنى الرياشى، قال: حدثنا حنظلة بن غسان- من آل المهلب، عن رجل ذكره، قالوا: دخل أرطاة بن سهيّة المرّى على عبد الملك بن مروان، وقد أتت عليه عشرون ومائة سنة- وقال بعضهم: ثلاثون ومائة سنة- فقال له عبد الملك: ما بقى من شعرك يا بن سهيّة؟ فقال: والله ما أشرب، ولا أطرب، ولا أغضب، ولا يجىء الشعر إلّا على مثل هذه الحال- وقال بعضهم: إلا مع إحدى هذه الخلال- وإنى على ذلك للذى أقول ٧»
:
رأيت المرء تأكله الليالى «٧٧» كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبغى «٧٨» المنية حين تأتى على نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكرّ حتّى توفّى نذرها بأبى الوليد
وكان أرطاة يكنى أبا الوليد. فارتاع عبد الملك، وكان أيضا يكنى بأبى الوليد، واشتدّ عليه، وتغيّر وجهه، وظنّ أنه يعنيه. فقال: لم ترع يا أمير المؤمنين؟ إنى لم أعنك؛ وإنما عنيت نفسى؛ أنا أبو الوليد. فقال عبد الملك: وإياى والله لتوفّين بى نذرها- وقال بعضهم: وأنا والله لتوفينّ بى نذرها، وقال بعضهم: وأنا أيضا ستكرّ على المنية حتى تذهب بنفسى.
وقال على بن الصباح: وحدثنى أبو الحسين راوية المفضل بقصّة أرطاة بن سهيّة هذه.
وأخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، وحدثنا أحمد بن سليمان الطوسىّ [١٣٢]، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنى عمى مصعب بن عبد الله
[ ٣٠٨ ]
ومحمد بن الضحاك، عن أبيه؛ وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: حدثنا مصعب بن عبد الله أنّ أرطاة بن سهيّة المرى لما قال:
رأيت المرء تأكله الليالى
وذكروا الأبيات، فبلغت عبد الملك فأشخصه إليه، وقال: ما أنت وذكرى فى شعرك؟ قال: إنما عنيت نفسى؛ أنا أبو الوليد؛ فسأل عن ذلك، فأخبر بحقيقته، فأفلت منه وخلّى سبيله. وكان أعداؤه قد أرجفوا به لما شخص، فلما رجع إلى أهله قال:
إذا ما طلعنا من ثنيّة لفلف «٧٩» فبشّر رجالا يكرهون إيابى
وخبّرهم أنى رجعت بغبطة أحدّد أظفارى وأصرف «٨٠» نابى
وأنى ابن حرب لا تزال تهرّنى كلاب عدوّ أو تهرّ كلابى
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: ولإسحاق الموصلى فى هذا المعنى خير مع المعتصم يجىء فى موضعه إن شاء الله.
قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: قد سلك قوم من شعراء الأعراب الزّلل والخطأ فى أشعارهم، مع رقّة أذهانهم، وصحّة قرائحهم، واقتدارهم على غريب الكلام. فقال رجل «٨١» منهم يصف رأس بعيره:
ترى شئون رأسه العواردا «٨٢» مضبورة شبا حدائدا
ضبر براطيل جلامدا «٨٣»
قال: وما رأيت عالما إلا وهو يذمّ هذا القول ويستقبح هذا النّسج.
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: أحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبّه، وأحسن منه ما أصاب به الحقيقة، ونبه فيه بفطنته على
[ ٣٠٩ ]
ما يخفى على غيره، وساقه برصف قوى واختصار قريب، وعذل فيه عن الإفراط، كقول بعضهم فى النحافة:
فلو أنّ ما أبقيت منى معلّق بعود ثمام ما تأوّد عودها [١٢٣]
الثمام: نبت ضعيف، واحدته ثمامة. قال: وهذا متجاوز كقول القائل:
ويمنعها من أن تطير زمامها
وقال محمد بن أحمد العلوى «٨٤»: من الأبيات التى أغرق قائلوها فى معانيها قول النابغة الجعدى «٨٥»:
بلغنا السماء نجدة وتكرّما وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
وقول الطّرمّاح «٨٦»:
لو كان يخفى على الرحمن خافية من خلقه خفيت عنه بنو أسد
قوم أقام بدار الذّلّ أوّلهم كما أقامت عليه جذمة الوتد «٨٧»
وقوله «٨٨»:
ولو أن برغوثا «٨٩» يزقّق مسكه إذا نهلت منه تميم وعلّت
ولو أن برغوثا على ظهر نملة «٩٠» يكرّ على صفّى تميم لولّت
ولو جمعت عليا «٩١» تميم جموعها على ذرّة معقولة لا ستقلّت
ولو أنّ أم العنكبوت بنت لهم مظلتها يوم الندى «٩٢» لاستظلّت
[ ٣١٠ ]
وقوله زهير «٩٣»:
لو كان يعقد فوق الشمس من كرم قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
وقول أبى الطمحان القينى «٩٤»:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
وقول امرئ القيس «٩٥»:
من القاصرات الطّرف لو دبّ محول من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا «٩٦»
وقول قيس بن الخطيم «٩٧»:
طعنت ابن عبد الله طعنة ثائر لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها
ملكت بها كفّى فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ماوراءها
وقول الآخر «٩٨»:
ضربته فى الملتقى ضربة فزال عن منكبه الكاهل
وصار ما بينهما رهوة يمشى بها الرامح والنابل
وقول أبى وجزة السعدى «٩٩»:
ألا علّلانى والمعلّل أروح وينطق ما شاء اللسان المسرّح [١٣٤]
بإجانة لو أنه خرّ بازل من البخت فيها ظلّ للشّقّ يسبح
[ ٣١١ ]
وقول جرير «١٠٠»:
ولو وضعت فقاح «١٠١» بنى نمير على خبث الحديد إذا لذابا
إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلّهم غضابا
وقد سلك جماعة من الشعراء المحدثين سبيل الأوائل فى المعانى التى أغرقوا فيها، فقال أبو نواس «١٠٢»:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه لتخافك النّطف التى لم تخلق
وقال بكر بن النطاح «١٠٣»:
لو صال من غضب أبو دلف على بيض السيوف لذبن فى الأغماد
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قال عبد الملك بن مروان لأسيلم بن الأحنف الأسدى: ما أحسن ما مدحت به؟ فاستعفاه، فأبى أن يعفيه، وهو معه على سريره. فلما أبى إلّا أن يخبره قال: قول القائل:
ألا أيها الركب المخبّون هل لكم بسيّد أهل الشام تحبوا وترجعوا
من النّفر البيض الذين إذا اعتزوا وهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا
جلا المسك والحمام والبيض كالدّمى وفرق المدارى رأسه فهو أنزع
فقال له عبد الملك: ما قال أخو الأوس أحسن مما قيل لك «١٠٤»:
قد حصّت «١٠٥» البيضة رأسى فما أطعم نوما غير تهجاع
[ ٣١٢ ]