قال:
ومن عيوب الشعر «٢٢» فساد القسم «٢٣»؛ وذلك يكون إما أن يكررها الشاعر أو يأتى بقسمين أحدهما داخل تحت الآخر فى الوقت الحاضر، أو يجوز أن يدخل أحدهما تحت الآخر فى المستأنف، أو أن يدع بعضها فلا يأتى به.
فأما التكرير فمثل قول هديل الأشجعى «٢٤»:
فما برحت تومى إليه «٢٥» بطرفها وتومض أحيانا إذا خصمها غفل
لأنّ تومض وتومئ بطرفها متساويان فى المعنى.
وأما دخول أحد القسمين فى الآخر فمثل قول أحدهم:
أباذر إهلاك مستهلك لمالى أو عبث العابث
فعبث العابث داخل فى إهلاك مستهلك.
ومثل قول أمية بن أبى الصلت الثقفى «٢٦»:
لله نعمتنا تبارك ربّنا ربّ الأنام وربّ من يتأبّد
فليس يجوز أن يكون أمية أراد بقوله من يتأبّد الوحش؛ وذلك أن «من» لا يقع على
[ ١٠٥ ]
الحيوان غير الناطق؛ وعلى «٢٧» هذا فمن يتوحّش داخل فى الأنام أيضا.
وأما أن يكون القسمان مما يجوز دخول أحدهما فى الآخر فمثل قول أبى عدى القرشى «٢٨»:
غير ما أن أكون نلت نوالا من نداها عفوا ولا مهنيّا
فالعفو قد يكون مهنيّا. والمهنىّ قد يجوز أن يكون عفوا.
وقد ضحك من أنوك «٢٩» سأل مرة، فقال: علقمة بن عبدة جاهلى أو من بنى تميم؟
فلأنّ الجاهلىّ قد يكون من بنى تميم ومن بنى عامر؛ والتميمى يكون جاهيّا وإسلاميا- ما عيب وضحك به.
ومن ذلك قول عبد الله بن سليم الغامدى «٣٠»:
فهبطت غيثا «٣١» ما تفزّع وحشه من بين سرب ناوى وكنوس
ناوى: سمين؛ يقال: نوا أى سمن. والسمين يجوز أن يكون كانسا «٣٢» أو راتعا، والكانس يجوز أن يكون سمينا أو هزيلا.
وأما القسم التى يترك بعضها مما لا يحتمل تركه، فمثل قول جرير فى بنى حنيفة «٣٣»:
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم من العبيد وثلث من مواليها
وبلغنى «٣٥» أنّ هذا الشعر أنشد فى مجلس، ورجل من بنى حنيفة حاضر فيه، فقيل له: من أيّهم أنت؟ فقال: من الثلث الملغى ذكره.
[ ١٠٦ ]
قال: ومن عيوب المعانى فساد المقابلات؛ وهو أن يضع الشاعر معنى يريد أن يقابله بآخر، إمّا على جهة الموافقة أو المخالفة، فيكون أحد المعنيين لا يخالف الآخر ولا يوافقه «٣٦»؛ مثال ذلك قول أبى عدىّ القرشى «٣٧»:
يابن خير الأخيار من عبد شمس أنت زين الدّنيا وغيث الجنود
فليس قوله [٣٨]: «غيث الجنود» موافقا لقوله: «زين الدنيا» ولا مضادّا، وذلك عيب.
ومنه قول هذا الرجل أيضا فى مثل ذلك «٣٨»:
رحماء بذى «٣٩» الصلاح وضرّا بون قدما لهامة الصّنديد
فليس للصنديد فيما تقدم ضدّ ولا مثل، ولعلّه لو كان مكان قوله الصنديد الشّرير كان «٤٠» ذلك جيدا، لقوله: ذو الصلاح.
وللعدول عن هذا العيب غيّر الرواة قول امرئ القيس «٤١»:
فلو أنها نفس تموت سويّة «٤٢» ولكنها نفس تساقط أنفسا «٤٣»
فأبدلوا مكان سوية جميعة «٤٤»، لأنها- فى مقابلة تساقط أنفسا- أليق من سوّية.
[ ١٠٧ ]