قال قدامة بن جعفر الكاتب «١»:
من عيوب أوزان الشعر «٢» التخليع؛ وهو أن يكون قبيح الوزن، قد أفرط قائله فى تزحيفه، وجعل ذلك بنية للشعر «٣» الذى يعرف السامع له صحة وزنه فى أول وهلة إلى ما ينكره حتى ينعم ذوقه، أو يعرضه على العروض، فيصحّ فيه؛ فإنّ ما جرى من الشعر هذا المجرى ناقص الطلاوة، قليل الحلاوة؛ وذلك مثل قول الأسود بن يعفر- وتروى لغيره «٤»:
إنّا ذممنا على ما خيّلت سعد بن زيد وعمرا من تميم «٥»
وضبّة المشترى العار بنا وذاك عمّ بنا غير رحيم
لا ينتهون الدهر عن مولى لنا قورك «٦» بالسهم حافات الأديم
ونحن قوم لنا رماح وثروة من موال وصميم
لا نشتكى الوصم فى الحرب ولا نئنّ منها كتأنان «٧» السليم
ومثل قول عروة بن الورد «٨»:
يا هند بنت أبى ذراع أخلفتنى ظنّى ووترتنى عشقى
ونكحت راعى ثلة يثمّرها والدهر فانيه «٩» بما يبقى
[ ١٠٣ ]
ومثل قصيدة عبيد بن الأبرص، وفيها أبيات قد خرجت عن العروض البتة، وقبّح ذلك جودة الشعر حتى أصاره إلى حد الردىء [٣٧] منه، فمن ذلك قوله «١٠»:
والحىّ «١١» ما عاش فى تكذيب طول الحياة له تعذيب
فهذا معنى جيّد، ولفظ حسن، إلا أنّ وزنه قد شانه، وقبّح حسنه، وأفسد جيده.
فما جرى من التزحيف هذا المجرى فى القصيدة أو الأبيات كلّها أو أكثرها كان قبيحا من أجل إفراطه فى التخليع واحدة، ثم من أجل دوامه «١٢» وكثرته ثانية. وإنما يستحبّ من التزحيف ما كان غير مفرط، أو كان فى بيت أو بيتين من القصيدة، من غير توال ولا اتّساق «١٣» يخرجه عن الوزن؛ مثل ما قال متمم بن نويرة فى قصيدته «١٤»:
وفقد بنى أمّ تداعوا «١٥» فلم أكن خلافهم لأستكين «١٦» وأضرعا «١٧»
فأما الإفراط والدوام فقبيح.
وقال إسحاق، يحكى عن يونس: أهون عيوب الشعر الزّحاف، وهو أن ينقص الجزء عن سائر الأجزاء؛ فمنه ما نقصانه أخفى، ومنه ما هو أشنع؛ وهو [فى ذلك «١٨»] جائز فى العروض؛ قال خالد بن أبى ذؤيب «١٩» الهذلى «٢٠»:
[ ١٠٤ ]
لعلّك إما أمّ عمرو تبدّلت سواك خليلا شاتمى تستخيرها
وهذا مزاحف فى كاف «سواك»؛ ومن أنشده «خليلا سواك» كان أشنع «٢١»