[١] حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «١»، قال: أخبرنى يونس أنّ عبد الله بن أبى إسحاق قال: للفرزدق فى مدحه يزيد بن عبد الملك «٢»:
مستقبلين شمال الشام تضربهم «٣» بحاصب كنديف القطن منثور
على عمائمنا تلقى «٤» وأرحلنا على زواحف تزجى مخّهارير «٥»
فقال له ابن أبى إسحاق: أسأت، إنما هو «رير»، وكذلك قياس النحو فى هذا الموضع.
قال يونس: والذى قال جائز حسن. فلما ألحّوا على الفرزدق قال:
على زواحف نزجيها محاسير
_________________
(١) هذا أول الجزء الثالث كما فى المخطوطة. والفرزدق: هو همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية: إنما سمى الفرزدق لأنه شبه وجهه بالخبزة، وهى فرزدقة، وكان غليظ الوجه جهما. وكان سريع الجواب يقول فى كل شىء. جعله ابن سلام فى الطبقة الأولى من فحول الإسلام. وكانت بينه وبين جرير نقائض. وقال ابن سلام (٣٢٩): ولج الهجاء بينهما نحو أربعين سنة، لم يغلب واحد منهما على صاحبه ولم يتهاج شاعران فى الجاهلية، ولا فى الإسلام بمثل ما تهاجيا به. ومات قبل جرير سنة ١١٠ هـ، وقد قارب المائة، ومكث يقول الشعر نحو أربع وستين سنة. وترجمته فى طبقات ابن سلام ٢٥٠، والشعر والشعراء ٤٢٤، والأغانى: ٨- ٥، والخزانة: ١- ٢٠٢.
[ ١٣٢ ]
قال الفضل: قال التّوزى: يقال: رير ورار، وهو المخ الرقيق، وكيح «٦» الجبل وكاح الجبل: أسفله، وقيد رمح وقاد رمح. قال: ثم ترك الناس هذا ورجعوا إلى القول الأول.
وكان يكثر الرّد على الفرزدق، فقال فيه الفرزدق «٧»:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ولكنّ عبد الله مولى مواليا
ردّ الياء إلى الأصل، وهى أبيات، ولكن هذا البيت تركه «٨» ساكنا. وهو مولى آل الحضرمىّ «٩»، وهم حلفاء بنى عبد شمس بن عبد مناف. والحليف عند العرب مولى، من ذلك قول الراعى يريد غنيّا «١٠»:
جزى الله مولانا غنيّا ملامة شرار موالى عامر فى العزائم
وقال الأخطل «١١»:
أنشتم قوما أثّلوك «١٢» بنهشل ولولا هم كنتم كعكل مواليا
يعنى حلف الرّباب لسعد، وإنما قالها لجرم «١٣» .
وقال الكلبى- يحضّض عذرة على فزارة «١٤»:
وأشجع، إن لاقيتموهم، فإنهم لذبيان مولى فى الحروب وناصر
وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام، قال: قال الفرزدق فى سليمان بن عبد الملك:
مستقبلين شمال الشام تضربنا
[ ١٣٣ ]
وذكر البيتين.
فقال له عبد الله بن أبى إسحاق الحضرمىّ: أقويت. فغيّره الفرزدق، وقال:
على زواحف نزجيها محاسير
وهجا عبد الله بن أبى إسحاق، فقال «١٥»:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ولكنّ عبد الله مولى مواليا
قال الصولى: أجرى «١٦» هذه الياء أعنى «مولى مواليا»؛ وليس بالوجه. وقد قال غيره مثل هذا ونحوه. وابن أبى إسحاق مولى الحضارمة.
قال: وبلغ الفرزدق أنّ الناس يقولون: قد أقوى الفرزدق، ولم يبلغه بعد أن قائله ابن أبى إسحاق، قال: فما بال هذا الذى يجرّ خصييه فى المسجد- يعنى ابن أبى إسحاق- لا يجعل له بحيلته وجها؟
وأخبرنى عبد الله بن هارون الشّيرازى، عن يحيى بن على، عن الأطروش بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن إسحاق، قال: قال الفرزدق ليزيد بن عبد الملك:
مستقبلين شمال الشام تضربنا بحاصب كنديف القطن منثور
على عمائمنا تلقى وأرحلنا على حراجف تزجى مخّهارير [٤٥]
قال: فقال أبو عبيدة: فعاب هذا البيت عليه- يعنى قوله: «مخّهارير» - عنبسة بن معدان؛ وهو معدان الفيل فقيل عنبسة الفيل- فقال: ما يدريك يابن النبطية؟ ثم دخل قلبه منه شىء فغيّره؛ فقال:
على حراجف نزجيها محاسير
فلقيه عبد الله بن أبى إسحاق وقد نجم تلك الأيام، واشتغل عنبسة؛ فقال: عيب عليك بيتك؛ وقد قال الأعشى «١٧»:
[ ١٣٤ ]
كلّ ملثّ صوبه ماطر «١٨»
فقال: قد والله علمت ذاك، ولكن ابن النبطية شكّكنى، فعاد إلى قوله الأول؛ وكان عنبسة يعين على الفرزدق، ويروى عليه؛ فهجاه الفرزدق.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «١٩»، عن يونس، قال: قال ابن أبى إسحاق فى بيت الفرزدق «٢٠»:
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلّا مسحتا أو مجلّف «٢١»
ويروى «مجرّف» . وللرفع وجه.
وقال أبو عمرو بن العلاء: لا أعرف له وجها. وكان يونس لا يعرف له وجها. قلت له: لعل الفرزدق قالها على النّصب ولم يأبه. قال: لا، كان ينشدها على الرفع، وأنشدنيها رؤبة بن العجاج على الرفع. وتقول العرب، سحتّه وأسحتّه نقرؤهما «٢٢» جميعا فى القرآن، فمن قال «٢٣»: «فيسحتكم بعذاب» فهو من أسحت وهو مسحت، وهى التى قال الفرزدق. ومن قال: فيسحتكم- فهى من سحت فهو مسحوت.
قال ابن «٢٤» سلام: فأخبرنى الحارث البنانى أخو أبى الجحّاف أنه سمع الفرزدق ينشد «٢٥»:
فياعجبا حتى كليب تسبّنى كأنّ أباها نهشل أو مجاشع «٢٦»
كأنه جعله غاية فخفض.
[ ١٣٥ ]
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أبو ذكوان، قال: حدثنا عبد الله بن محمد النّحوى، قال: حدثنى الفرّاء، قال: أخبرنا أبو جعفر الرّؤاسى، قال: حدثنا أبو عمرو بن العلاء، قال: أنشد الفرزدق قصيدته «٢٧» .
عزفت بأعشاش وما كدت تعزف
فمرّ فيها:
وعضّ زمان يا بن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلّف
فقال ابن أبى سحاق: على أى شىء رفعت مجلفا؟ قال: على ما يسوءك. قال أبو عمرو: فقلت له: أصبت؛ هو جائز على المعنى على أنه لم يبق سواه.
وكان أبو عمرو ممن حسّن الله علمه وفهمه.
قال الفراء: مسحتا مستأصلا، من قول الله ﷿: فيسحتكم بعذاب؛ أى يستأصلكم، إلا أنه فى القرآن من سحت، وجاء به الفرزدق من أسحت.
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قد يقع الإيماء إلى الشىء فيغنى عند ذوى الألباب عن كشفه، كما قيل «لمحة دالّة»، وقد يضطر الشاعر المفلق، والخطيب المصقع، والكاتب البليغ؛ فيقع فى كلام أحدهم المعنى المستغلق، واللفظ المستكره، فإذا انعطفت عليه جنبتا الكلام غطّتا على عواره، وسترنا من شينه، وإن شاء قائل أن يقول: الكلام القبيح فى الكلام الحسن أظهر، ومجاورته له أشهر- كان له ذلك، ولكن يغتفر السّيئ للحسن، والبعيد للقريب، فممّا وقع كالإيماء قول الفرزدق «٢٨»:
ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل
فتأويل هذا أنّ بيت جرير فى العرب كالبيت الواهى الضعيف- وقوله: وقضى عليك به الكتاب المنزل: يريد قول الله ﷿ «٢٩»: «وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت» .
[ ١٣٦ ]
ومن كلامه المستحسن قوله لجرير «٣٠»:
فهل ضربة الرّومىّ جاعلة لكم أبا عن كليب أو أبا مثل دارم [٤٦]
ومن أقبح الضرورة، وأهجن الألفاظ، وأبعد المعانى قوله «٣١»:
وما مثله فى الناس إلا مملّكا «٣٢» أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه «٣٣»
مدح بهذا الشعر إبراهيم بن إسماعيل بن هشام المخزومى، وهو خال هشام بن عبد الملك فقال: «وما مثله فى الناس إلا مملكا،- يعنى بالمملك هشاما، أبو أم ذلك المملك أبو هذا الممدوح، ولو كان الكلام على وجهه لكان قبيحا، وكان يكون إذا وضع الكلام فى موضعه:
وما مثله فى الناس حىّ يقاربه إلّا مملّك أبو أم هذا المملك أبو هذا الممدوح؛ فدلّ على أنه خاله بهذا اللفظ البعيد، وهجّنه بما أوقع من التقديم والتأخير، حتى كأنّ هذا الشّعر لم يجتمع فى صدر رجل مع قوله «٣٤»:
تصرّم عنى «٣٥» ودّ بكر بن وائل وما كاد «٣٦» منى ودّهم يتصرّم «٣٧»
قوارص تأتينى ويحتقرونها وقد يملأ القطر الإناء فيفعم «٣٨»
وكأنه لم يقع هذا الكلام لمن يقول «٣٩»:
والشّيب ينهض فى الشباب كأنه ليل يصيح بجانبيه نهار
[ ١٣٧ ]
فهذا أوضح معنى، وأعذب لفظ، وأقرب مأخذ.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: للفرزدق فى شعره افتخار بعيد المعنى لا وجه له، من ذلك قوله «٤٠»:
أبا ابن خندف والحامى حقيقتها قد جعلوا فى يدىّ الشمس «٤١» والقمرا
ومنها «٤٢»:
أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها «٤٣» والنجوم طوالع «٤٤»
ومنها:
إنّ السماء التى من دارم خلقت والأرض كانا لنا عزّا ومفتخرا
ومنها «٤٥»:
ولو أنّ أمّ الناس حواء حاربت تميم «٤٦» بن مرّ لم تجد من يجيرها
فينبغى أن يكون جرير حين سئل عن شعره فقال: كذّاب، إنما عنى هذا من شعره وأشباهه.
وقد قال ما يعلم أنه كذب «٤٧»:
أبت عامر أن يأخذوا من أسيركم «٤٨» مئين من الأسرى لهم عند دارم
يعنى بالأسير حاجب بن زرارة، أسره بنو عامر يوم جبلة ولم تأسر بنو دارم يومئذ منهم أحدا، وقد زعم أنهم مئون.
[ ١٣٨ ]
قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: كان الفرزدق- وهو فحل شعراء الإسلام يأتى بالإحالة، وينظم فى شعره أهجن كلام؛ فمن ذلك قوله لإبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومى خال هشام بن عبد الملك، وقد أراد أن يذكر فى شعره خئوله الخليفة، ورحمه به الماسّة، ويمدحه بذلك، فقال «٤٩»:
وما مثله فى الناس إلّا مملّكا أبو أمه حىّ أبوه يقاربه
فأتعب أهل اللغة والنحو بشرحه، منهم سيبويه فمن بعده، ولم يبلغوا منه ما يقنع ويرضى.
ومن قوله المذموم المستقبح «٥٠»:
إنّ السماء التى من دارم خلقت والأرض كانا لنا دون الأعزّاء
ومن ذلك قوله:
ولو أنّ أمّ الناس حوّاء حاربت تميم بن مرّ لم تجد من يجيرها
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: مما يعاب على الفرزدق قوله فى الغزل «٥١»:
يا أخت ناجية بن سلمة إننى اخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى
فلعمرى إنه خلاف الغزل وما قال الحّذاق؛ فإنّ قتيل الهوى عندهم لا يودى ولا يطلب بدمه.
روى عبد الله بن جعفر، عن سلمان، عن الرياشى؛ عن الأصمعى، عن أبى عمرو بن العلاء، قال: كنا عند بلال بن أبى بردة، فأنشد الفرزدق «٥٢» (٤٧):
تريك نجوم الليل «٥٣» والشمس حيّة زحام بنات الحارث بن عباد
[ ١٣٩ ]
فقال عنبسة بن معدان: الزحام مذكر. فقال الفرزدق: اغرب. قال عبد الله، فالزحام له وجهان أن يكون مصدرا مثل الطعان والقتال؛ من قولهم: زاحمته زحاما؛ لهذا مذكر- كما قال عنبسة، أو يكون جمعا للزحمة يراد بها الجماعة المزدحمة، فهذا مؤنث؛ لأن الزحام هو المزاحمة، كما أن الطعان هو المطاعنة، وقول عنبسة أقوى وأعرف فى الكلام.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا الطّيّب بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: سمعت الأصمعى يقول: لا أحبّ قول الفرزدق فى الطعن «٥٤»:
فيها تعلّ صدورهن وتنهل
ويقول: أحسن الطّعان الخلاس، والخلاج، والدّراك، كما قال الجعدى «٥٥»:
أمام لواء كظلّ العقا ب من يأته يلق طعنا خلاسا
وكما قال امرؤ القيس «٥٦»:
نطعنهم سلكى ومخلوجة لفتك لأمين على نابل «٥٧»
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قال الفرزدق فى يزيد بن المهلّب «٥٨»:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكس الأبصار «٥٩»
[ ١٤٠ ]
قال: وفى هذا البيت شىء يستطرفه النحويون، وهو أنهم لا يجمعون ما كان على فاعل نعتا «فواعل»؛ لئلا يلتبس بالمؤنث؛ لا يقولون ضارب وضوارب، وقاتل وقواتل؛ لأنهم يقولون فى جمع ضاربة ضوارب وقاتلة قواتل، ولم يأت ذا إلّا فى حرفين؛ أحدهما قولهم فى جمع فارس فوارس؛ لأن هذا مما لا يستعمل فى النساء، فأمنوا الالتباس. ويقول فى المثل: «هو هالك فى الهوالك»؛ فأجروه على أصله لكثرة الاستعمال، لأنه مثل؛ فلما احتاج الفرزدق لضرورة الشعر أجراه على أصله، فقال:
نواكس الأبصار، ولا يكون مثل هذا أبدا إلا فى ضرورة.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول: تسعة أعشار شعر الفرزدق سرقة، وكان يكابر. وأما جرير فما علمته سرق إلّا نصف بيت؛ قال: ولا أدرى؛ ولعله وافق شىء شيئا. قلت: وما هو؟ فقال: هجاء، ولم يخبرنا به.
قال أبو حاتم: وقد رأيته أنا بعد فى شعره، والبيت «٦٠»:
يقصّر باع العاملىّ عن العلا ولكنّ أير العاملىّ طويل
قال ابن دريد: وهذا البيت لغيره وهو قديم.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى: وهذا تحامل شديد من الأصمعى وتقوّل على الفرزدق لهجائه باهلة، ولسنا نشكّ أنّ الفرزدق قد أغار على بعض الشعراء فى أبيات معروفة، فأما أن نطلق أنّ تسعة أعشار شعره سرقة فهذا محال، وعلى أنّ جريرا قد سرق كثيرا من معانى الفرزدق، وقد ذكرنا ذلك فى أخبار الفرزدق.
وقال أحمد بن أبى طاهر: كان الفرزدق يصلت «٦١» على الشعراء ينتحل أشعارهم، ثم يهجو من ذكر أنّ شيئا انتحله أو ادّعاه لغيره، وكان يقول: ضوالّ الشعر أحبّ إلى من ضوالّ الإبل، وخير السرقة ما لم تقطع فيه اليد.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول: قال الفرزدق لامرأته النّوار: كيف شعرى من شعر جرير؟ قالت: قد شركك فى حلوه، وغلبك على مرّه.
[ ١٤١ ]
وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: قال الفرزدق لامرأته النوار [٤٨]: أنا أشعر أم ابن المراغة «٦٢»؟ فقالت: غلبك على حلوه، وشركك فى مره.
وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبى الذيال، عن ابن الأعرابى، قال: قالت النوار امرأة الفرزدق للفرزدق- وسمعته يعيب شعر جرير، فقالت: هو والله أشعر منك. قال: وكيف علمت ذلك؟ قالت: غلبك على حلوه وشركك فى مرّه.
قال الشيخ أبو عبيد الله رحمه الله تعالى: ولا يقبل قول النّوار على الفرزدق لمنافرتها إياه.
أخبرنا أبن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، عن الضحاك بن بهلول؛ وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبة، عن أبى عبيدة، عن الضحاك بن بهلول الفقيمى، قال: بينا أنا بكاظمة وذو الرمة ينشد قصيدته التى يقول فيها «٦٣»:
أحين أعاذت بى تميم نساءها وجرّدت تجريد اليمانى «٦٤» من الغمد
إذا راكبان قد تدلّيا من نعف كاظمة متقنّعان، فوقفا يسمعان؛ فلما فرغ ذو الرّمة حسر الفرزدق عن وجهه وقال: يا عبيد، اضممها إليك- يعنى راويته- وهو عبيد أحد بنى ربيعة بن حنظلة.
فقال ذو الرمة: نشدتك بالله يا أبا فراس، انتحل ما شئت غيرها، فانتحل أربعة أبيات:
أحين أعاذت بى تميم نساءها وجرّدت تجريد اليمانى من الغمد
ومدّت بضبعىّ «٦٥» الرّباب ومالك وعمرو، وشالت «٦٦» من ورائى بنو سعد
[ ١٤٢ ]
ومن آل يربوع زهاء كأنّه دجى الليل محمود النّكاية والورد «٦٧»
وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه «٦٨» ضربناه فوق الأنثيين «٦٩» على الكرد
الكرد: العنق. حدثنيه إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٧٠»، قال: أخبرنى أبو يحيى الضبى، قال: قال ذو الرمة يوما: لقد قلت أبياتا إن لها لعروضا، وإن لها لمردا «٧١»، ومعنى بعيدا. فقال له الفرزدق: ما قلت؟
قال: قلت:
أحين أعاذت بى تميم نساءها
وذكره والبيتين اللذين بعده، فقال له الفرزدق: لا تعودنّ فيها، فأنا أحقّ بها منك.
قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبدا إلّا لك. فهى فى قصيدة الفرزدق التى يقول فيها «٧٢»:
وكنّا إذا القيسىّ نبّ «٧٣» عتوده ضربناه فوق «٧٤» الأنثيين على الكرد
الأنثيين يريد الأذنين. والكرد: العنق «٧٥» .
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال قال أبو عبيدة: مرّ ذو الرمة فاستوقفه أصحابه فوقف ينشدهم قصيدته التى يقول فيها:
[ ١٤٣ ]
أحين أعاذت بى تميم نساءها وجرّدت تجريد اليمانى «٧٦» من الغمد
ومدّت بضبعىّ الرّباب ودارم «٧٧» وجاشت «٧٨» ورامت من ورائى بنو سعد
فقال له الفرزدق: إياك أن يسمعهما منك أحد؛ فأنا أحقّ بهما منك. فجعل ذو الرمة يقول: أنشدك الله فى شعرى. فقال: اغرب فأخذهما الفرزدق، فما يعرفان إلّا له، وكفّ ذو الرّمة عنهما.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قالا: كان الفرزدق مهيبا تخافه الشعراء [٤٩]؛ فمرّ يوما بالشمردل اليربوعى وهو ينشد قصيدة حتى بلغ إلى قوله:
وما بين من لم يعط سمعا وطاعة وبين تميم غير حزّ الحلاقم
فقال: والله لتتركنّ هذا البيت أو لتتركن عرضك. فقال: خذه على كره منى، لا بارك الله لك فيه؛ فجعله الفرزدق فى قصيدته التى أولها «٧٩»:
تحنّ بزوراء المدينة ناقتى حنين عجول تبتغى البوّ رائم
حدثنى بعض أصحابنا، عن أحمد بن يحيى النحوى، عن محمد بن سلّام، قال:
بلغ الفرزدق قول ابن ميّادة:
لو ان جميع الناس كانوا بتلعة وجئت بجدّى ظالم وابن ظالم
لظلّت رقاب الناس خاضعة لنا سجودا على أقدامنا بالجماجم
فقال الفرزدق: وددت أنى سبقت إلى هذين البيتين قبل. قيل له: فكنت تقول ماذا؟ قال: كنت أقول:
فجئت بجدّى دارم وابن دارم
قال: ثم أدخلهما فى شعره.
[ ١٤٤ ]
قال أحمد بن أبى طاهر، قال حماد بن إسحاق بن إبراهيم: سمعت أبى يقول- عن أبى سهيل: إنّ قول الفرزدق فى رائيته التى يناقض فيها جريرا حين يقول «٨٠»:
كم من أب لى يا جرير كأنّه قمر المجرّة أو سراج نهار
لن تدركوا كرمى بلؤم أبيكم وأوابدى بتنحّل الأشعار «٨١»
إن هذين البيتين للراعى وإن الفرزدق انتحلهما؛ فصارا له.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزّبير بن بكار، قال: حدثنى أبو مسلمة موهوب بن رشيد الكلابى، قال: قدم الفرزدق المدينة، فمرّ بجماعة من الناس قد استكفّوا «٨٢» على جميل، وهو ينشد، فوقف بين الناس يستمع له حتى قال «٨٣»:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
فصاح به الفرزدق: أنا أحقّ بهذا البيت منك؛ فرفع جميل رأسه فعرفه؛ فقال:
أنشدك الله يا أبا فراس. قال: نحن أولى به منك. وانصرف فانتحله.
وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: قال جميل من قصيدة «٨٤»:
وكنا إذا ما معشر أجحفوا بنا ومرّت جوارى طيرهم وتعيّفوا
وضعنا لهم صاع القصاص رهينة وسوف نوفّيها إذا الناس طفّفوا
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
قال: فشدّ الفرزدق على هذا البيت، وقال: أنا أحقّ به منك. وقال: لا تعد فيه.
ولم يكثرثّ له.
[ ١٤٥ ]
روى أحمد بن أبى طاهر، عن حماد بن إسحاق، عن محمد بن سلام، عن كردين البصرى أنّ عريفهم عون بن ثعلبة علق بالفرزدق وقال: يا عدو الله، سرقتنا قول صاحبنا الأعلم العبدى «٨٥»:
إذا اغبرّ آفاق السماء وكشّفت ستور بيوت الحىّ حمراء حرجف «٨٦»
وهتّكت الأطناب كلّ ذفرّة «٨٧» لها تامك من عاتق «٨٨» النىّ أعرف «٨٩»
وجاء قريع الشّول قبل إفالها زفيفا وجاءت «٩٠» خلفه وهى زفّف
وباشر راعيها الصّلى «٩١» بلبانه وكفّيه حرّ النار ما يتحرّف «٩٢»
وأخمدت «٩٣» الشّعرى مع الليل نارها وأمست محولا جلدها يتوسّف «٩٤» [٥٠]
وأصبح موضوع «٩٥» الصّقيع كأنه على سروات النّيب «٩٦» قطن مندّف
وقاتل كلب الحىّ عن نار أهله ليربض فيها والصّلى متكنّف «٩٧»
وجدت الثّرى فينا إذا «٩٨» يبس الثّرى ومن هو يرجو فضله المتضيّف
ترى جارنا فينا يجير «٩٩» وإن جنى فلا هو ممّا ينطف الجار ينطف «١٠٠»
[ ١٤٦ ]
قال: وهذه الأبيات للأعلم كلّها، فأدخلها الفرزدق فى قصيدته:
عزفت بأعشاش [وما كدت تعزف وأنكرت من حوراء ما كنت تعرف] «١٠١»
مع ما سرق من جميل فيها. قال: فقال له الفرزدق: اذهب فخذها من الرّواة.
قال: فخلّى سبيله.
وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا أحمد بن محمد الأسدى، قال:
حدثنا ابن النطاح، قال أبو عبيدة: كان الفرزدق يجتلب القصيدة، ويجتلب المعنى؛ فجاء رجل من قيس إلى محمد بن رباط، فاستعدى على الفرزدق- وقد سلم الفرزدق ثم خرج- فقال محمد: ادعوا الفرزدق، فجاء؛ فقال الفرزدق: سل هذا فيم يستعدى علىّ. قال: غلبنى على قصيدة عمّى الأعلم. فقال: أشهدكم أنى قد رددتها. فقال محمد: نحوّهما.
حدثنى يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: إنما فعل الفرزدق بجميل وذوى الرمة وغيرهما هذا، لأنه لما مرّ به شعر جيد رأى نفسه أحقّ به من قائله؛ لفضله عليه فى الشعر، ولأنه من جنس جيّده لا ردىء قائله.
حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا أحمد بن محمد الأسدى، قال:
حدثنا محمد بن صالح بن النّطاح، قال: حدثنى أبو اليقظان، قال: مرّ رجل من بنى ربيع بن الحارث على الفرزدق وهو ينشد قصيدة له، وقد اجتمع الناس عليه، فمرّ فى أبيات كما هى للمخبّل قد سرقها، قال: فقلت: والله لئن ذهبت قبل أن أعلمه إنّ هذا لشديد، ولئن قلت له قدّام الناس ليفعلنّ بى. فقلت: أكلمه بشىء يفهمه هو، ولا يدرى الناس ما هو؛ فقلت: يا أبا فراس، قصيدتك هذه نثول. فقال: اذهب عليك لعنة الله، وفطن، ولم يفطن الناس.
ومعنى نثول: أن البئر إذا حفرت ثم كبست ثم حفرت ثانية قيل لها نثول. فيقول:
قصيدتك حييت بعد ما ماتت.
[ ١٤٧ ]
وروى هذا الحديث أحمد بن أبى طاهر، عن أبى العباس ثعلب، عن ابن الأعرابى: حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا المازنى، قال: حدثنا الأصمعى؛ وقال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول:
لقيت الفرزدق فى المربد، فقلت: يا أبا فراس، أحدثت شيئا؛ قال: فقال: خذ.
ثم أنشدنى «١٠٢»:
كم دون ميّة من مستعمل قذف «١٠٣» ومن فلاة بها تستودع العيس
قال: فقلت: سبحان الله، هذا للمتلمّس. فقال: اكتمها فلضوالّ الشعر أحبّ إلىّ من ضوالّ الإبل. «١٠٤»
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال: حدثنى عبد الملك بن محمد البكرى، قال: حدثنى محمد بن عبد الله الهذلى، عن الجارود بن أبى سبرة، قال: مرّ بى الفرزدق وأنا على الباب جالس، فوقف علىّ، فقال لى: يا أبا نوفل؛ قد قلت بيتا وقد انغلق علىّ ما بعده. قال: قلت: ما هو؟ قال: قلت:
إنّ الذى سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعزّ وأطول «١٠٥» [٥١]
قد انغلق على ما بعده. قال: فقلت:
بيتا بناه لنا المليك وما بنى ملك السماء «١٠٦» فإنه لا ينقل
فقال: قد انفتح لى، وقال:
بيتا زاررة محتب بفنائه ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
لا يحتبى بفناء بيتك مثلهم أبدا إذا عدّ الفعال الأفضل
وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى محمد بن
[ ١٤٨ ]
النّضر، عن أبى عبيدة، عن سلمة بن عيّاش، قال: دخلت السجن فإذا الفرزدق محبوس، وإذا هو قد قال: إنّ الذى سمك السماء البيت، ثم أفحم. فقلت:
بيتا زرارة محتب بفنائه ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
فقال لى: من أنت؟ قلت: من قريش. قال: كل أير حمار من قريش.
قال أحمد بن أبى طاهر: قال النابغة الذبيانى «١٠٧»:
وصهباء لا تخفى القذى وهى دونه تصفّق فى راووقها ثم تقطب «١٠٨»
تمزّزتها والديك يدعو صباحه إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا
فقال الفرزدق «١٠٩» - وأخذه نسخا:
وإجّانة ريّا الشروب كأنّها إذا صفّقت فيها الزجاجة كوكب
تمزّزتها والدّيك يدعو صباحه إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: يقال إنّ جريرا ما انتصف من الفرزدق فى مجلس قطّ إلا عند الحجاج يوما: زعم ابن سلام، عن أبى الدهماء، قال: قال الحجاج للفرزدق وجرير- وبين يديه جارية: أيكما مدحنى ببيت فضل فيه فهذه الجارية له؛ فقال الفرزدق «١١٠»:
من «١١١» يأمن الحجاج والطير تتّقى عقوبته- إلا ضعيف العزائم
وقال جرير «١١٢»:
من «١١٣» يأمن الحجاج أما عقابه فمرّ وأما عهده فوثيق
[ ١٤٩ ]
فقال الحجاج: «والطير تتّقى عقوبته» كلام لا خير فيه، لأنّ الطير تتقى كلّ شىء:
الثوب، والصبى، وغير ذلك؛ خذها يا جرير.
قال محمد: وهذا لعمرى كذا إلا أن جريرا أخذ ابتداء الفرزدق فقال فيه.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «١١٤»، قال: كان من الشعراء من يتألّه فى جاهليته، ويتعفّف فى شعره، ولا يستبهر بالفواحش، ولا يتهكّم فى الهجاء- يقال: يتهكم ويتكهّم. قال الفضل: ويقال ليلة بهرة، إذا كان قمرها مضيئا- ومنهم من يتعهّر ولا يبقى على نفسه ولا يتستّر. منهم امرؤ القيس، قال «١١٥»:
ومثلك «١١٦» حبلى قد طرقت ومرضع «١١٧» فألهيتها عن ذى تمائم محول «١١٨»
وقال «١١٩»:
دخلت وقد ألقت لنوم ثيابها «١٢٠» لدى السّتر إلا لبسة المتفضّل «١٢١»
وقال «١٢٢»:
سموت إليها بعد ما نام أهلها سموّ حباب الماء حالا على حال «١٢٣»
ومنهم الأعشى قال «١٢٤»:
فظللت أرعاها وظلّ يحوطها حتى دنوت إذا الظلام دنا لها
[ ١٥٠ ]
وقال «١٢٥»:
وأقررت عينى من الغانيا ت إما نكاحا وإما أزن
وقال «١٢٦»:
وقد أخرج الكاعب المسترا ة من خدرها وأشيع القمارا «١٢٧»
وقال «١٢٨»
ورادعة بالطيب صفراء عندنا بجسّ «١٢٩» النّدامى فى يد الدرع مفتق «١٣٠»
وقال:
وقد «١٣١» أخالس ربّ البيت غفلته وقد يحاذر منّى ثمّ ما يئل «١٣٢»
وكان الفرزدق أقول أهل الإسلام فى هذا الفن، قال «١٣٣»:
هما دلّتانى من ثمانين قامة كما انقضّ باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاى فى الأرض نادتا أحيّا يرجّى أم قتيلا نحاذره
فقلت: ارفعو الأسباب لا يفطنوا بنا وولّيت فى أعجاز ليل أبادره
وأصبحت فى القوم الجلوس وأصبحت مغلّقة دونى عليها دسا كره «١٣٤»
قالها وهو بالمدينة، فأنكرت ذلك قريش، وأزعجه مروان بن الحكم وهو وال على المدينة فأجلّه ثلاثا ثم أخرجه عنها.
[ ١٥١ ]
قال «١٣٥»: وقال يونس: كان للفرزدق غلامان؛ أحدهما اسمه وقّاع والآخر زنقطة «١٣٦»، ولوقّاع يقول الفرزدق «١٣٧»:
تغلغل وقّاع إليها فأصبحت تخوض خداريّا من الليل أخضرا «١٣٨»
لطيف إذا ما انغلّ «١٣٩» أدرك ما ابتغى إذا هو للظّبى الغرير تقتّرا «١٤٠»
وقال أيضا «١٤١»:
فأبلغهنّ «١٤٢» وحى القول عنّى وأدخل رأسه تحت القرام «١٤٣»
أسيّد ذو خريّطة نهارا من المتلقّطى قرد القمام «١٤٤»
فقلن له: نواعدك الثّريا وذاك إليه «١٤٥» مجتمع الزّحام
ثلاث «١٤٦» واثنتان فهنّ خمس وسادسة تميل إلى الشّمام
الشمام: المشامّة.
فبتن بجانبىّ مصرّعات وبتّ أفضّ أغلاق الختام «١٤٧»
وكان جرير مع إفراطه فى الهجاء يعفّ عن ذكر النساء؛ كان لا يشبب إلا بامرأة يملكها.
[ ١٥٢ ]
أخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبّرد، قال: عيب على الفرزدق قوله «١٤٨»:
يا أخت ناجية بن سامة إننى أخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى
وقالوا: ما للمتغزل وذكر الأولاد والاحتجاج بطلب الثارات؟ هلا قال كما قال جرير «١٤٩»:
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
وكما روى عن ابن عباس فإنه- وإن كان فى باب الجدّ- أشكل بمذهب الغزل، وهو قوله:
هذا قتيل الحبّ لا عقل ولا قود
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «١٥٠»، قال: قال العلاء بن حريز- وكان قد أدرك الناس وسمع- قال: كان يقال للأخطل: إذا لم يجئ سابقا سكيت «١٥١»؛ والفرزدق، لا يجىء سابقا ولا سكيتا؛ فهو بمنزلة المصلّى. وجرير يجىء سابقا وسكيتا ومصلّيا.
قال ابن سلام: وتأويل قوله أنّ للأخطل خمسا أو ستّا أو سبعا طوالا روائع غرّا جيادا، هو بهنّ سابق، وسائر شعره دون أشعارهما؛ فهو فيما بقى بمنزلة السّكيت.
والسكيت: آخر الخيل فى الرهان.
ويقال: إن الفرزدق دونه فى هذه الروائع، وفوقه فى بقية شعره؛ فهو مصلّ «١٥٢» .
والمصلّى: الذى يجىء بعد السابق، وقبل السكيت.
[ ١٥٣ ]
وجرير له روائع هو بهنّ سابق، وأوساط هو بهن مصلّ، وسفسافات هو بهن سكيت [٥٣] .
قال ابن سلام «١٥٣»: وأهل البادية والشعراء بشعر جرير أعجب.
قال «١٥٤»: وسألت بشارا العقيلى عن الثلاثة، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصبت له، وأفرطت فيه. قلت: فجرير والفرزدق؟ قال: كان جرير يحسن ضروبا من الشعر لا يحسنها الفرزدق. وفضل جريرا عليه.
وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أبو يعلى عبيد الله بن عبد الله الكاتب، قال: سمعت محمد بن سلام يقول: قال: ابن دأب: سألت بشار بن برد الأعمى عن جرير والفرزدق والأخطل، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه. فقلت: وجرير والفرزدق؟ قال: كان لجرير ضروب من الشعر ما يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النّوار١٥»
فناح عليها النساء بشعر جرير.
وحدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلّام «١٥٦»، قال: سألت بشّارا العقيلى الأعمى فقلت: يا أبا معاذ، أىّ الثلاثة أشعر: جرير أو الفرزدق أو الأخطل؟ وكان عالما بصيرا، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه. قلت: فالفرزدق وجرير؟ قال: كان لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النوار امرأة الفرزدق فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير.
ووجدت بخط محمد بن القاسم بن مهرويه، حدثنى روح بن الفرج، قال حدثنا الأصمعى، قال: سألت بشار بن برد العقيلى؛ أىّ الشعراء أشعر فى الإسلام؟ قال:
جرير والفرزدق. قال: قلت: فما بالهم جعلوا الأخطل ثالثا؟ قال: تعصّبت له ربيعة، فقالت لمضر: ألحقوا لنا شاعرا، فألحقوه، وليس هناك. قال: قلت فأى الرجلين
[ ١٥٤ ]
أشعر: جرير أم الفرزدق؟ فقال: كانت لجرير ضروب من الشعر لم يكن للفرزدق فيها شىء، ولقد ماتت النوار امرأة الفرزدق فما ناحوا عليها إلا بشعر جرير حيث يقول «١٥٧»:
تركتنى «١٥٨» حين كفّ الدهر من بصرى وحين صرت كعظم الرّمّة البالى
إلّا تكن لك بالدّيرين نائحة «١٥٩» فربّ باكية بالرمل معوال «١٦٠»
قالوا نصيبك من أجر! فقلت لهم كيف العزاء وقد فارقت أشبالى
كذا وجدته.
قال ابن مهرويه: وحدثنى أحمد بن الحارث الخرّاز، عن أبى عبد الله بن الأعرابى، قال «١٦١»: سئل بشار المرعث: أىّ الثلاثة أشعر؛ الأخطل أم جرير أم الفرزدق؟ وذكر مثله.
حدثنى محمد بن عبد الواحد، قال: سمعت ثعلبا يقول- وسأله أبو سهل النّيبختى «١٦٢»: ما تقول فى جرير والفرزدق؟ فقال- قال محمد بن سلام «١٦٣»:
اجتمعنا جماعة فقوم تقلّدوا حذق الفرزدق، وقوم تقلّدوا حذق جرير. قال: فقلنا لبعضهم: اذهب فأخرج مقلّدات الفرزدق، وقلنا لآخر: اذهب فأخرج مقلّدات جرير: فجاء صاحب الفرزدق فأخرج معايب شعر الفرزدق، وجاء هذا فأخرج المقلدات، فكانت مقلّدات جرير أكثر من معايب الفرزدق.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: سمعت أحمد بن يحيى يقول: أنا أقول: جرير أشعر من الفرزدق. وكان محمد بن سلام يفضّل الفرزدق، قال فأخرج بيوتهما المقلدة، فلم يجد للفرزدق ما وجد لجرير، فجاء للفرزدق ببيوت النحو التى أخطأ فيها.
[ ١٥٥ ]
حدثنى على بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن إسحاق البغوى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قيل لمسلمة بن عبد الملك: أىّ الشاعرين أشعر أجرير أم الفرزدق [٥٤]؟ قال: إن الفرزدق يبنى وجرير يهدم؛ وليس يقوم مع الخراب شىء.
وقد عيب على الفرزدق قوله «١٦٤»:
وإنّ تميما كلّها غير سعدها زعانف لولا عزّ سعد لذلت
لأنه وضع من قومه وهجاهم بهذا القول.
[ ١٥٦ ]