حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أحمد بن أبى خيثمة، عن أبى الحسن على بن محمد المدائنى، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: قال رؤبة: ما رأيت أفخر من قول امرىء القيس «١»:
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة كفانى ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثّل وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالى
ولا أنذل من قوله «٢»:
لنا غنم نسوّقها غزار «٣» كأنّ قرون جلّتها العصىّ
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا «٤» وحسبك من غنى شبع ورىّ
وقال أحمد بن عبيد الله بن عمّار: قد وقفنا على ما أتاه الشعراء القدماء من الزلل والخطأ فى قصيد أشعارهم وأراجيزها، قديمها وحديثها، وإحالتهم فى نسج بعضها، وما أتوا به من الكلام المذموم؛ فأوّلهم امرؤ القيس- مع جلالة شأنه، وعظيم خطره، وبعد همته- يقول مفتخرا بملكه واصفا لما يحاوله:
_________________
(١) هو امرؤ القيس بن حجر الكندى. وأبوه حجر ملك على بنى أسد. وكان أبوه قد طرده حتى إذا عرف مقتل أبيه قال: ضيعنى صغيرا وحملنى دمه كبيرا. وهو من شعراء الطبقة الأولى من فحول الجاهلية. وارجع فى ترجمته إلى طبقات ابن سلام (٤٣، ٦٧- ٨٠)، والشعر والشعراء لابن قتيبة (٥٢- ٨٦)، والأغانى (٨- ٦٣)، وديوانه- المقدمة.
[ ٢٢ ]
فلو أننى «٥» أسعى لأدنى معيشة كفانى ولم أدأب قليل من المال
والبيت الذى يليه، ثم قال- بعد هذا القول المرضىّ فى هذا المعنى البهىّ- قول أعرابى متلفّع فى شملته، لا تجاوز همته ما حوته خيمته:
إذا ما لم تكن إبل فمعزى «٦» كأنّ قرون جلّتها العصىّ
والبيت الذى بعده.
وقال: ولقد هجا الحطيئة الزّبرقان بن بدر بدون هذا حيث يقول «٧»:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
فاستعدى الزبرقان عمر بن الخطاب رحمهما الله تعالى على الحطيئة فحبسه حتى تاب وأناب.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النّحوى، قال حدثنا المازنى، قال: سمعت الأصمعىّ يقول: كان امرؤ القيس ينوح على أبيه حيث يقول «٨»:
رب رام من بنى ثعل مخرج زنديه من ستره «٩»
ثم قال: أما علم أن الصائد أشدّ ختلا من أن يظهر شيئا منه.
ثم قال: فكفّيه إن كان لا بدّ أصلح. قال: فهو أصلحه «كفّيه» .
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، أخبرنا عمر بن شبّة، قال «١٠»:
تنازع امرؤ القيس بن حجر وعلقمة بن عبدة، وهو علقمة الفحل، فى الشعر: أيهما
[ ٢٣ ]
أشعر؟ فقال كلّ واحد منهما: أنا أشعر منك. فقال علقمة: قد رضيت بامرأتك أمّ جندب حكما بينى وبينك. فحكّماها؛ فقالت أم جندب لهما: قولا شعرا تصفان فيه فرسيكما على قافية واحدة وروىّ واحد. فقال امرؤ القيس «١١»:
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب نقضّ لبانات «١٢» الفؤاد المعذّب
وقال علقمة «١٣»:
ذهبت من الهجران فى غير مذهب ولم يك حقّا طول هذا التجنّب «١٤»
فأنشداها جميعا القصيدتين، فقال لامرئ القيس: علقمة أشعر منك. قال:
وكيف؟ قالت: لأنك قلت «١٥»:
فللسّوط ألهوب وللساق درّة وللزّجر منه وقع أخرج مهذب «١٦»
الأخرج: ذكر النعام، والخرج: بياض فى سواد وبه سمّى. فجهدت فرسك بسوطك فى زجرك، ومريته «١٧» فأتبعته بساقك. وقال علقمة «١٨» [١١]:
فأدركهنّ ثانيا من عنانه يمرّ كمرّ الرّائح المتحلّب «١٩»
[ ٢٤ ]
فأدرك فرسه «٢٠» ثانيا من عنانه، لم يضربه ولم يتعبه.
فقال: ما هو بأشعر منى، ولكنك له عاشقة. فسمى الفحل لذلك «٢١» .
وروى محمد بن العباس اليزيدى، عن عمه إسماعيل بن أبى محمد اليزيدى، عن أبى عمرو الشيبانى- أنّ امرأ القيس بن حجر تزوّج امرأة من طيئ وكان مفرّكا «٢٢» . فلما كان ليلة ابتنى بها أبغضته، فجعلت تقول: «أصبح ليل يا خير الفتيان أصبحت أصبحت» .
فينظر فيرى الليل كهيئته. فلم يزل «٢٣» كذلك حتى أصبح. فزعموا أنّ علقمة بن عبدة التميمى، ثم أحد بنى ربيعة بن مالك، نزل به- وكان من فحول شعراء الجاهلية، وكان صديقا له- فقال أحدهما لصاحبه: أيّنا أشعر؟ فقال هذا: أنا. وقال هذا: أنا.
فتلاحيا، حتى قال امرؤ القيس: انعت ناقتك وفرسك وأنعت ناقتى وفرسى. قال:
فافعل، والحكم بينى وبينك هذه المرأة من ورائك- يعنى امرأة امرىء القيس الطائية- فقال امرؤ القيس:
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب
حتى فرغ منها.
وقال علقمة:
ذهبت من الهجران فى غير مذهب
فلما فرغا من قصيدتيهما عرضاهما على الطائية امرأة امرئ القيس، فقالت: فرس ابن عبدة أجود من فرسك. قال لها: وكيف؟ قالت: إنك زجرت، وحرّكت ساقيك، وضربت بسوطك- تعنى قوله فى قصيدته حيث وصف فرسه:
فللزّجر ألهوب وللساق درّة وللسوط «٢٤» منه وقع أخرج مهذب
[ ٢٥ ]
ألهوب: يعنى ألهب جريه حين زجره. وللساق درّة: أى إذا غمز درّ بالجرى.
والأخرج: الظليم، وهو ذكر النعام، والأنثى خرجاء، فى حال لونه «٢٥»: وهو سواد وبياض لون الرماد. والأخرج: الرماد. ومهذب: أى مسرع فى عدوه. قالت: وإن علقمة جاهر الصّيد، فقال «٢٦»:
إذا ما اقتنصنا لم نقده «٢٧» بجنّة ولكن ننادى من بعيد ألا اركب
فغضب عليها امرؤ القيس، وقال: إنك لتبغضيننى. فطلّقها.
وحدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا أبو عدنان السّلمى، قال: أخبرنى أبو يوسف الجنّى الأسدىّ، راوية المفضل عن المفضل، أنّ أبا الغول النهشلى حدّثه، عن أبى الغول الأكبر، قال: لما نزل امرؤ القيس فى طيىء تزوّج امرأة منهم يقال لها أمّ جندب، وكان مفرّكا تبغضه النساء إذا وقع عليهن، فأتى أمّ جندب من الليل، فقالت له: يا خير الفتيان أصبحت فقم. فقام فإذا الليل كما هو.
فرجع إليها، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: لا شىء. قال: لتخبرنّى.
قالت: كرهتك، لأنك ثقيل الصّدر، خفيف العجز، سريع الهراقة، بطىء الإفاقة.
قال فلم تزل عنده. فأتاه علقمة بن عبدة، فتذاكرا الشعر عندها؛ فقال هذا: أنا أشعر، وقال هذا: أنا أشعر. فقال له علقمة: قل شعرا وانعت الصيد، وهذه الحكم بينى وبينك- يعنى أم جندب، فقال «٢٨»:
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب
فنعت فيها فرسه والصيد حتى فرغ منها. وقال علقمة فى مثل ذلك:
ذهبت من الهجران فى غير مذهب
[ ٢٦ ]
إلا أن علقمة قال فى نعت الفرس: فأدركهن ثانيا من عنانه البيت، وقال امرؤ القيس: فللزّجر ألهوب وللساق درّة البيت. فقالت لامرىء القيس: هو أشعر منك. رأيتك ضربت فرسك بسوطك، وحركته بساقك. وزجرته بصوتك [١٢]، ورأيته أدرك الصيد ثانيا من عنانه يمرّ كمرّ الرائح المتحلب.
فخلّى سبيلها لما فضلت علقمة عليه.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى ﵀: وقد روى هذا الحديث أيضا هشام بن الكلبى على هذه الحكاية. ورواه أيضا عبد الله بن المعتز. وذكره فيما أنكر من شعر امرىء القيس.
أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى «٢٩»، قال:
حدثنا محمد بن عبيد الله العتبى، قال: تشاجر الوليد بن عبد الملك ومسلمة أخوه فى شعر امرىء القيس والنابغة الذبيانى فى وصف طول الليل أيّهما أجود. فرضيا بالشّعبى، فأحضر، فأنشده الوليد «٣٠»:
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطئ الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض وليس الذى يرعى «٣١» النجوم بآيب
وصدر أراح الليل عازب همّه تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب «٣٢»
وأنشده مسلمة قول امرئ القيس ٣»
:
وليل كموج البحر أرخى سدوله علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
السدول: الستور، ويبتلى: ينظر ما عندى من صبر أو جزع.
فقلت له لما تمطّى بصلبه وأردف أعجازا وناء بكلكل
[ ٢٧ ]
تمطّى: امتد، وصلبه: وسطه، وأردف: أتبع، وأعجازه: مآخيره، وناء:
نهض، والكلكل: الصدر.
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
أى ما الإصباح بخير لى منك؛ والياء فى انجلى أثبتها فى الجزم على لغة طيىء.
فيا لك من ليل كأن نجومه بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
المغار: الحبل المحكم الفتل، ويذبل: اسم جبل.
كأنّ الثّريّا علّقت فى مصامها بأمراس كتّان إلى صمّ جندل
فى مصامها «٣٤»: فى مقامها، والأمراس: الحبال، والجندل: الحجارة، والصم: الصّلاب. قال: فضرب الوليد برجله طربا. فقال الشعبى: بانت القضية.
قال الصولى: فأما قول النابغة «٣٥»:
وصدر أراح الليل عازب همّه
فإنه جعل صدره مألفا للهموم، وجعلها كالنّعم العازبة بالنهار عنه، الرائحة مع الليل إليه، كما تريح الرعاة السائمة بالليل إلى أماكنها. وهو أوّل من وصف أنّ الهموم متزايدة بالليل، وتبعه الناس؛ فقال المجنون «٣٦» .
يضمّ إلىّ الليل أطفال حبّكم كما ضمّ أزرار القميص البنائق «٣٧»
[ ٢٨ ]
وهذا من المقلوب: أراد كما ضمّ أزرار القميص البنائق؛ ومثل هذا كثير؛ فجعل المجنون ما يأتيه فى ليله مما عزب عنه فى نهاره كالأطفال الناشئة.
وقال ابن الدّمينة يتبع النابغة:
أظلّ نهارى فيكم متعلّلا ويجمعنى والهمّ بالليل جامع
فالشعراء على هذا المعنى متفقون، ولم يشذ عنه ويخالفه منهم إلا أحذقهم بالشعر.
والمبتدئ بالإحسان فيه امرؤ القيس؛ فإنه بحذقه، وحسن طبعه، وجودة قريحته، كره أن يقول: إنّ الهم فى حبّه يخفّ عنه فى نهاره، ويزيد فى ليله، فجعل الليل والنهار سواء عليه فى قلقه وهمه، وجزعه وغمه؛ فقال «٣٨» .
ألا أيها الليل الطّويل ألا انجلى بصبح وما الإصباح فيك بأمثل «٣٩»
فأحسن فى هذا المعنى الذى ذهب إليه، وإن كانت العادة غيره، والصورة لا توجبه؛ فصبّ الله على امرئ القيس بعده شاعرا أراه استحالة معناه فى المعقول، وأنّ الصورة تدفعه، والقياس لا يوجبه، والعادة غير جارية به، حتى لو كان الرادّ عليه من حذّاق المتكلمين ما بلغ [١٣] فى كثير نثره ما أتى به فى قليل نظمه، وهو أبو نفر الطّرمّاح بن حكيم الطائى؛ فإنه ابتدأ قصيدة، فقال «٤٠»:
ألا أيّها الليل الطويل ألا اصبح ببمّ «٤١» وما الإصباح فيك بأروح
ويروى: «ألا أيّها الليل الذى طال أصبح» . فأتى بلفظ امرئ القيس ومعناه، ثم عطف محتجّا مستدركا، فقال:
بلى إنّ للعينين فى الصّبح راحة لطرحهما طرفيهما كلّ مطرح
فأحسن فى قوله وأجمل. وأتى بحقّ لا يدفع، وبين عن الفرق بين ليله ونهاره.
[ ٢٩ ]
وإنما أجمع الشعراء على ذلك من تضاعف بلائهم بالليل وشدّة كلفهم؛ لقلة المساعد، وفقد المجيب، وتقييد اللّحظ عن أقصى مرامى النظر الذى لا بدّ أن يؤدّى إلى القلب بتأمله سببا يخفّف عنه، أو يغلب عليه؛ فينسى ما سواه.
وأبيات امرئ القيس فى وصف الليل أبيات اشتمل الإحسان عليها، ولاح الحذق فيها، وبان الطبع بها. فما فيها معاب إلّا من جهة واحدة عند أمراء الكلام والحذّاق بنقد الشعر وتمييزه. ولولا خوفى من ظنّ بعضهم أنّى أغفلت ذلك ما ذكرته.
والعيب قوله بعد البيت الذى ذكرته «٤٢»:
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيّها الليل الطويل
فلم يشرح قوله: «فقلت له» ما أراد إلّا فى البيت الثانى، فصار مضافا إليه متعلّقا به؛ وهذا عيب عندهم. لأنّ خير الشّعر ما لم يحتج بيت منه إلى بيت آخر. وخير الأبيات ما استغنى بعض أجزائه ببعض إلى وصوله إلى القافية مثل قوله «٤٣»:
الله أنجح ما طلبت به والبرّ خير حقيبة الرّحل
ألا ترى أنّ قوله: «الله أنجح ما طلبت به» كلام مستغن بنفسه، وكذلك باقى البيت. على أنّ فى البيت واو عطف عطفت جملة على جملة. وما ليس فيه واو عطف أبلغ فى هذا وأجود. وهو مثل قول النابغة الذبيانى فى اعتذاره إلى النعمان «٤٤» .
ولست بمستبق أخا لا تلمّه على شعث «٤٥» . أىّ الرجال المهذّب
فقوله فى أول البيت كلام مستغن بنفسه، وكذلك آخره، حتى لو ابتدأ مبتدىّ فقال: «أىّ الرجال المهذّب» لاعتذار أو غيره لأتى بكلام مستوفى، لا يحتاج إلى سواه.
[ ٣٠ ]
وقد تبع الناس امرأ القيس، وصدّقوا قوله، وجعلوا نهارهم كليلهم لما أراده امرؤ القيس ولغيره. فقال البحترى فى غضب الفتح عليه «٤٦»:
وألبستنى «٤٧» سخط امرئ بتّ موهنا أرى سخطه ليلا مع الليل مظلما
وكأنه من قول أبى عيينة فى التذكّر لوطنه:
طال من ذكره بجرجان ليلى ونهارى علىّ كالليل داج
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى الأصمعى، قال: طفيل الغنوىّ فى بعض شعره أشعر من امرئ القيس.
قال: ويقال: إن كثيرا من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه قال: وكان عمرو بن قميئة دخل معه الروم إلى قيصر.
وحدثنى بعض أصحابنا عن أحمد بن محمد الأسدى، عن الرّياشى، قال: يقال:
إن كثيرا من شعر امرئ القيس ليس له؛ وإنما هو لفتيان كانوا يكونون معه مثل عمرو بن قميئة وغيره.
وقال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى: روت الرّواة لامرئ القيس «٤٨»:
كأنى لم أركب جوادا للذّة ولم أتبطّن «٤٩» كاعبا ذات خلخال
ولم أسبإ الزّقّ الرّوىّ ولم أقل لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال «٥٠»
وهما بيتان حسنان، ولو وضع مصراع كلّ واحد منهما فى موضع الآخر كان أشكل وأدخل فى استواء النسج؛ فكان يروى:
كأنى لم أركب جوادا ولم أقل لخيلى كرّى كرة بعد إجفال
ولم أسبإ الزّقّ الرّوىّ للذّة ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
[ ٣١ ]
[١٤] قال عبد الله بن المعتزّ: عيب على امرئ القيس قوله «٥١»:
أغرّك منى أنّ حبّك قاتلى وأنك مهما تأمرى القلب يفعل
قال: وقالوا: إذا لم يغرّها هذا فأىّ شىء يغرّها؟ قال: وإنما هذا كأسير قال لمن أسره: أغرّك منى أنى فى يديك؟
ونحوه قول جرير «٥٢»:
أغرّك منى أنما قادنى الهوى إليك وما عهد لكنّ بدائم
قال: وعابوا على امرئ القيس «٥٣»:
لها ذنب مثل ذيل العروس تسدّ به فرجها من دبر «٥٤»
وقالوا: ذيل العروس مجرور، ولا يجب أن يكون ذنب الفرس طويلا مجرورا ولا قصيرا. قالوا: والصواب قوله «٥٥»:
ضليع إذا استدبرته سدّ فرجه «٥٦» بضاف فويق الأرض ليس بأعزل «٥٧» قال: وذكروا أنّ الأصمعى عاب عليه قوله «٥٨»:
وأركب فى الرّوع خيفانة كسا وجهها سعف منتشر «٥٩»
وقال: إذا غطّت الناصية الوجه لم يكن الفرس كريما. والجيّد الاعتدال، كما قال عبيد «٦٠»:
[ ٣٢ ]
مضبّر خلقها تضبيرا ينشقّ عن وجهها السّبيب «٦١»
قال: وقال مؤدّبى أبو سعيد محمد بن هبيرة فى قول امرئ القيس «٦٢»:
وللسّوط منها مجال «٦٣» كما تنزّل ذو برد منهمر
وهذا أيضا ردئ. ما لها وللسوط! قال: وعيب عليه قوله «٦٤»:
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها «٦٥»
ثم قال «٦٦»:
وهل عند رسم دارس من معوّل «٦٧»
قال: ومثله قول زهير «٦٨»:
قف بالديار التى لم يعفها القدم
ثم قال «٦٩»:
بلى وغيّرها الأرواح والدّيم
[ ٣٣ ]
فذكرت الرواة أنه أكذب نفسه.
وقال أبو سعيد مؤدبى: وأخسّ من إكذابه نفسه أن يكون جعل عفوّها خلوتها من أحبّته، ومع خلوها منهم فقد غيرتها الأمطار «٧٠» .
قال: وعيب على امرئ القيس قوله «٧١»:
فقلت له لما تمطّى بصلبه «٧٢» وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
قال: فانسلخ البيت الأول بوصف الليل من غير أن يذكر ما قال، وجعله متعلقا بما بعده، وذلك معيب عندهم.
قال: وعيب أيضا على امرئ القيس فجوره وعهره فى شعره، كقوله «٧٣»:
ومثلك حبلى قد طرقت ومرضع «٧٤» فألهيتها عن ذى تمائم محول «٧٥»
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له بشقّ وتحتى شقها «٧٦» لم يحوّل
وقالوا: هذا معنى فاحش.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: عيب على امرئ القيس قوله «٧٧»:
إذا ما الثّريا فى السماء تعرضت «٧٨» تعرّض أثناء الوشاح المفصّل
فقالوا: ليست تتعرّض فى السماء. وقال بعضهم- ممن يعذره: أراد الجوزاء، لأنها تتلوها.
[ ٣٤ ]
وعابوا قوله «٧٩» .
أغرّك منى أنّ حبّك قاتلى
البيت «٨٠» .
فقالوا: إذا لم يغرّها هذا فأىّ شىء يغرها؟
وعابوا قوله:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
وذكر البيتين.
فقالوا: كيف قصد للحبلى والمرضع دون البكر وهو ملك وابن ملوك؟ ما فعل هذا إلا لنقص همته.
وقوله يصف الفرس «٨١»:
لها ذنب مثل ذيل العروس
البيت.
عيب عندهم. قالوا: ولم قال: «من دبر»؟ فمن أين تسدّ بذنبها فرجها؟ من قبل؟
ليس هذا من قول الحذّاق.
وعابوا فى هذه القصيدة أيضا «٨٢»:
وأركب فى الرّوع خيفانة
البيت.
وهذا خطأ؛ لأن شعر الناصية إذا غطّى العين لم يكن الفرس كريما وتبعه ابن مقبل.
فقال:
[ ٣٥ ]
والعين تكشف عنها ضافى الشّعر
وعيب عليه غير شىء فى هذه القصيدة «٨٣» .
وقد زعم بعض الرواة أن هذه القصيدة ليست له، وأنها ألحقت بشعره، وأنها لبعض النّمريين.
قال: وقد عيب على النابغة وزهير والأعشى والفرزدق وجرير والأخطل وغيرهم من حذاق الشعراء أشياء كثيرة.
قال الشيخ أبو عبيد الله [١٥] المرزبانى رحمه الله تعالى: وعابوا على امرئ القيس قوله وهو مضمّن «٨٤»:
أبعد الحارث الملك ابن عمرو وبعد الملك «٨٥» حجر ذى القباب
أرجّى من صروف العيش لينا ولم تغفل عن الصّمّ الهضاب «٨٦»
حدثنى أبو الحسن على بن هارون المنجّم، قال: حضر أحمد بن أبى طاهر مجلس جدّى أبى الحسن على بن يحيى يوما بعد أن أخلّ به أياما، فعاتبه أبو الحسن على انقطاعه عنه، فقال أحمد: كنت متشاغلا باختيار شعر امرئ القيس. فأنكر عليه أبو الحسن قوله هذا، وقال: أما تستحيى من هذا القول؟ وأىّ مرذول فى شعر امرئ القيس حتى تحتاج إلى اختياره! واتسع القول بينهما فى ذلك إلى أن قال أبى- أبو عبد الله هارون بن على- لأبيه أبى الحسن: قد صدقت يا سيدى فى وصف شعر امرئ القيس، ولكن فيه ما يفضل بعضه بعضا. وإلّا فقوله «٨٧»:
يا هند لا تنكحى بوهة عليه عقيقته أحسبا «٨٨»
[ ٣٦ ]
مرسّعة بين أرباقه به عسم يبتغى أرنبا «٨٩» ليجعل فى ساقه «٩٠» كعبها
حذار المنية أن يعطبا ولست بخزرافة فى القعود
ولست بطيّاخة أخدبا «٩١» ولست بذى رثية إمّر «٩٢»
إذا قيد مستكرها أصحبا
أهو مما يختار ويوصف بهذه الأوصاف، مع ما فى هذه الأبيات من حوشىّ الكلام، وجساء الألفاظ، وخلّوها من كثير من الفائدة؟
قال: فأمسك أبو الحسن.
وأخبرنى محمد بن يحيى ومحمد بن الحسن، قالا: أنشدنا أبو العباس ثعلب أبيات امرئ القيس هذه، فقال: البوهة: طائر يشبه البومة. عقيقته: شعره. الأخدب:
الذى يركب رأسه ولا يبالى. والأحسب: إلى السواد. يبتغى أرنبا ليأخذ عظمها فيصيّره عليه من خشية الجنّ. والخزرافة: يضطرب فى جلوسه. والإمّر: الضعيف، شبهه بالجدى. وأصحب: انقاد. ورجل مرثوء: ضعيف العقل. ومرثّو بلا همز: وجع، والرّثية: الوجع.
وقال الصولى فى حديثه: الرثأة: ضعف العقل والرثية- بلا همز: العلة.
[ ٣٧ ]