[١] حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى على بن مهدى، قال: حدثنى أبو حاتم، قال: كان الأخفش يطعن على بشّار فى قوله «١»:
والآن أقصر عن سميّة «٢» باطلى وأشار بالوجلى علىّ مشير «٣»
وفى قوله «٤»:
_________________
(١) هو أحد المطبوعين الذين كانوا لا يتكلفون الشعر ولا يتعبون فيه، وهو من أشعر المحدثين، ورأس المطبوعين. وترجمته فى الشعر والشعراء ٧٣٣، واللآلئ ١٩٦، والأغانى ٣- ١٣٥، وابن خلكان ١- ١١٠، ولسان الميزان ٢- ١٥.
[ ٣١٣ ]
على الغزلى منّى السلام «٥» فربما لهوت بها فى ظل مخضرّة زهر «٦»
وقال: لم يسمع من الوجل والغزل «فعلى»، وإنما قاسهما بشار، وليس هذا مما يقاس، إنما يعمل فيه بالسماع.
وطعن عليه فى قوله:
تلاعب نينان البحور وربما رأيت نفوس القوم من جريها تجرى
وقال: لم يسمع بنون ونينان «٧» فبلغ ذلك بشارا فقال: ويلى على القصّار «٨» بن القصّارين، متى كانت اللغة والفصاحة فى بيوت القصّارين؟ دعونى وإياه. فبلغ ذلك الأخفش فبكى. فقيل له: ما يبكيك؟ قال: وقعت فى لسان الأعمى! فذهب أصحابه إلى بشّار، فكذّبوا عنه، وسألوه ألّا يهجوه؛ فقال: وهبته للؤم عرضه. قال: فكان الأخفش بعد ذلك يحتجّ فى كتبه بشعره ليبلغه ذلك، فيكفّ عنه.
قال: وقد كان بلغ بشارا عن سيبويه أيضا شىء من ذلك، فهجاه بقصيدة يقول فيها:
أسبويه يابن الفارسيّة ما الذى تحدثت من شيمتى وما كنت تنبذ
أظلت تغنى سادرا بمساءتى وأمّك بالمصرين تعطى وتأخذ
فقيل لبشار: تنسبه إلى الفارسية؟ قال: نسبته إلى أن أعرف أبويه. قيل: فلم جعلتها فارسية؟ قال: إنّ بفارس الشريف والوضيع [١٣٦] .
قال ابن مهدى: وحدثنى أبو هفّان، قال: حدثنى أبو محلّم، قال: كان بالبصرة امرأة زانية يقال لها الفارسية مشهورة بالزنا؛ فكان أهل البصرة إذا أرادوا أن يزنّوا إنسانا قالوا له: «يابن الفارسية»، فإلى هذا ذهب بشار؛ وكان أشدّ عصبية للفرس من أن يقول هذا.
[ ٣١٤ ]
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنى الحسن بن عليل العنزى، قال:
حدثنى علىّ بن محمد بن سليمان النوفلى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن العباس بن الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، عن أبيه، قال: تواريت من المنصور بخروجى مع إبراهيم، وكان «٩» بشار صديقى وصديق إخوتى ومنقطعا إلينا، وكان يغشانا كثيرا أيام ظهورنا. فكنت فى توارىّ ببغداد وهى أول ما بنيت، وكان بشار يجلس بالليل فى مسجد الرّصافة، فيحضره ناس كثير، ويحدثهم، وينشدهم شعره. فاندسست فى الناس ليلة، ثم صحت: يا أبا معاذ، من الذى يقول:
أحبّ الخاتم الأحم ر من حبّ مواليه
فأعرض عنى، وأخذ فى إنشاد شعره، فمكثت ساعة ثم صحت به: يا أبا معاذ، من الذى يقول «١٠»:
وإذا أدنيت منّى بصلا غلب المسك على ريح البصل
إنّ سلمى خلقت من قصب «١١» قصب السكر لا عظم الجمل
فغضب، وصاح: من هذا الذى يقرعنا «١٢» بأشياء كنا نعبث بها، ويأتى برذال شعرنا وما لم نرد به الجيد؟ قال: فسكت ومكثت ساعة، ثم قلت: يا أبا معاذ، من الذى يقول «١٣»:
أخشّاب «١٤» حقّا أنّ دارك تزعج وأنّ الذى بينى وبينك منهج «١٥»
قال: فنشط، ثم قال: ويحك! عن مثل هذا فسل. ثم اندفع ينشدها حتى أتى عليها.
[ ٣١٥ ]
حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى ابن مهرويه، قال: حدثنا أحمد بن خلاد «١٦»، قال: حدثنى [١٣٧] أبى، قال: قلت لبشار: يا أبا معاذ، إنك لتجىء بالأمر المهجّن «١٧» . قال: وما ذاك؟ قلت: إنك تقول «١٨»:
إذا ما غضبنا غضبة مضريّة هتكنا حجاب الشمس أو مطرت «١٩» دما «٢٠»
إذا ما أعرنا سيّدا من قبيلة ذرى منبر صلّى علينا وسلّما
ثم تقول «٢١»:
ربابة ربّة البيت تصبّ الخلّ فى الزيت
لها عشر دجاجات وديك حسن الصوت
فقال: كلّ شىء فى موضعه. وربابة هذه جارية لى، وأنا لا آكل البيض من السّوق، فربابة هذه لها عشر دجاجات وديك، فهى تجمع علىّ هذا البيض وتحظره لى، فكان هذا من قولى لها أحبّ إليها وأحسن عندها من «٢٢»:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ووجدت بخط محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنى أبو المثنّى أحمد بن يعقوب ابن أخت أبى بكر الأصم البصرى، قال: قيل لبشار: إذا شئت أن تثير العجاجة أثرتها فى شعرك ثم تقول:
[ ٣١٦ ]
حبابة ربة البيت
وذكر البيتين.
قال: فقال: إنما أخاطب كلّا بما يفهم.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٢٣»: ينبغى للشاعر أن يجتنب الإشارات البعيدة، والحكايات الغلقة، والإيماء المشكل، ويتعمد ما خالف ذلك، ويستعمل من المجاز ما يقارب الحقيقة، ولا يبعد عنها؛ ومن الاستعارات ما يليق بالمعانى التى يأتى بها. فمن الحكايات الغلقة قول بشار «٢٤»:
غدت عانة تشكو بأبصارها الصّدى إلى الجأب إلا أنها لا تخاطبه
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى رجل من أصحاب المدائنى، قال: جاء رجل إلى العتّابى، فقال له: ما أردت بقولك:
فى ناظرىّ انقباض عن جفونهما وفى الجفون عن الآماق تقصير [١٣٨]
فقال: أمتعلم أنت أم متعنّت. قال: بل متعنّت! قال: لا أدرى! قال: أفتقول ما لا تدرى؟ وألحّ عليه بالسؤال، فقال: أردت أن أحكى قول بشار «٢٥»:
جفت عينى عن التّغماض «٢٦» حتّى كأنّ جفونها عنها قصار
يروّعه السّرار بكلّ فجّ «٢٧» مخافة أن يكون به السّرار «٢٨»
فلم يتهيّأ أن ألحق هذا القول. قال: فصار الرجل إلى بشار، فقال: قلت أحسن بيت ثم أفسدته بالبيت الثانى- وأنشده البيتين. فقال بشار: أردت أن ألحق قول المجنون «٢٩»:
كأنّ القلب ليلة قيل يغدى بليلى العامرية، أو يراح «٣٠»
[ ٣١٧ ]
قطاة غرّها شرك، فباتت تجاذبه، وقد علق الجناح «٣١»
فلم أحسن أن أقول كذلك.
قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: بشار أستاذ المحدثين الذى عنه أخذوا، ومن بحره اغترفوا، وأثره اقتفوا، يأتى من الخطأ والإحالة بما يفوت الإحصاء، مع براعته فى الشعر والخطب. وقد قيل: إنه ينظم الشّذرة «٣٢»، ثم يجعل إلى جانبها بعرة، فمن ذلك قوله «٣٣»:
كنت إذا زرت فتى «٣٤» ماجدا تشقى بكفيه الدنانير
وهذا أجود كلام وأحسن معنى. ثم أتبعه ببيت يقول فيه:
وبعض الجود خنزير «٣٥»
ويقول فى تغزّله «٣٦»:
إنما عظم سليمى خلّتى قصب السكر لا عظم الجمل
وإذا أدنيت منها بصلا غلب المسك على ريح البصل