كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، أخبرنا عمر بن شبّة؛ وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنى عمر بن شبة، قال:
حدثنى عمر بن محمد بن أقيصر، قال: حدثنى يحيى بن عروة بن أذينة، قال: لما قدم الفرزدق المدينة أتى مجلس أبى وبه الأحوص، فأنشده الأحوص شعرا؛ فقال [٩٣]: من أنت؟ فقال: أنا الأحوص بن محمد. قال: ما أحسن شعرك؟ فقال: هكذا تقول لى! أنا أشعر منك. قال: وكيف تكون أشعر منى وأنت تقول «١»:
يقرّ بعينى ما يقرّ بعينها وأفضل شىء ما به العين قرّت
فإنه يقر بعينها أن تنكح، أفيقرّ ذاك بعينك؟
كتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: روى عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، قال: قدم علينا جرير المدينة فحشدنا له، فبينما نحن عنده يوما إذ قام لحاجته وجاء الأحوص، فقال: أين هذا؟ قلنا: قام آنفا، وما تريد منه؟
قال: أخبره أنّ الفرزدق أشرف منه وأشعر. قلنا: لا ترد ذاك فلم ينشب أن جاء جرير، فقال الأحوص: السلام عليك. قال: وعليك. قال: يابن الخطفى، الفرزدق أشرف منك وأشعر. فأقبل علينا جرير فقال: من هذا أخزاه الله؟ قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن عبد الله بن ثابت بن أبى الأقلح. فقال: هذا الخبيث ابن الطيب. ثم أقبل عليه فقال: أقلت:
يقرّ بعينى ما يقرّ بعينها وأحسن شىء ما به العين قرّت
_________________
(١) هو الأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم. وهو من الأوس. وقال عنه الآمدى: إنه الشاعر المشهور المحسن فى الغزل والفخر والمدح. وهو مقدم عند أهل الحجاز وأكثر الرواة، لولا أفعاله الدنيئة، لأنه أسمحهم طبعا، وأسلسهم كلاما، وأصحهم معنى. ولشعره رونق وحلاوة وعذوبة ألفاظ ليست لأحد. وعده ابن سلام فى الطبقة السادسة من شعراء الإسلام. وترجمته فى الشعر والشعراء ٤٩٩، وطبقات ابن سلام ٥٣٤، والآمدى ٥٩، والأغانى ٤- ٤٠، واللآلئ ٧٣، والخزانة ١- ٢٣١.
[ ٢٤٣ ]
قال: نعم. قال: فإنه يقرّ بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أفيقرّ بعينك؟
قال: وكان الأحوص يرمى بالأبنة، فانصرف.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: كان كثيّر مع قصره ودمامته تائها ذا أبّهة وذهاب بنفسه. قال: فى أى شعر أعطى الأحوص عشرة آلاف دينار؟ قالوا: بقوله:
وما كان مالى طارفا من تجارة وما كان ميراثا من المال متلدا
ولكن عطاء «٢» من إمام مبارك ملا الأرض معروفا وجودا وسوددا
شكوت إليه ثقل غرم لوانّه وما أشتكى منه على القيل بلّدا
فلما حمدناه بما كان أهله وكان حقيقا أن يسنّى ويحمدا
وأن تذكر النّعمى التى سلفت له فأكرم بها عندى إذا ذكرت يدا
فقال كثيّر: ضرع، قبحه الله، ألا قال كما قلت:
دع عنك سلمى إذ فات مطلبها واذكر خليلك من بنى الحكم
ما أعطيانى ولا سألتهما ألا وإنى لحاجزى كرمى
إنى متى لا تكن عطيته عندى بما قد فعلت أحتشم
مبدى الرضا عنهم ومنصرف عن بعض ما لو فعلت لم ألم