أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قد عاب بعضهم قول الشماخ «٥٧»:
إذا بلّغتنى، وحملت رحلى، عرابة فاشرقى بدم الوتين «٥٨»
وقال: كان ينبغى أن ينظر لها مع استغنائه عنها؛ فقد قال رسول الله ﷺ للأنصارية المأسورة بمكة، وقد نجت على ناقة له، فقالت: يا رسول الله، إنى نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها [٣٠] فقال رسول الله ﷺ: لبئس ما جزيتها.
قال: ومما لم يعب فى هذا المعنى قول عبد الله بن رواحة الأنصارىّ لمّا أمّره رسول الله ﷺ بعد زيد وجعفر فى جيش مؤتة «٥٩»:
إذا بلغتنى وحملت رحلى مسيرة أربع بعد الحساء «٦٠»
فشأنك فانعمى وخلاك ذمّ فلا أرجع إلى أهلى «٦١» ورائى
الحساء: جمع حسى، وهو موضع رمل تحته صلابة، فإذا أمطرت السماء على ذلك الرمل نزل الماء، فمنعته الصلابة أن يغيض، ومنعت الأرض «٦٢» السماء أن تنشفه، فإذا بحث ذلك الرمل أصيب الماء؛ يقال حسى وأحساء وحساء.
وقوله:
_________________
(١) الشماخ لقب، واسمه معقل، وقيل الهيثم، وجعله ابن سلام فى الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية. أدرك الإسلام فأسلم، وحسن إسلامه، وقال المرزبانى: إنه توفى فى زمن عثمان. وشهد القادسية. (الإصابة ٢- ١٥١) . وارجع فى ترجمته إلى ابن سلام (١١٠)، والشعر والشعراء (٢٧٤)، والأغانى (٩- ١٦٨) . وديوانه ١١٩- ١٢٠.
[ ٧٩ ]
ولا أرجع إلى أهل ورائى
مجزوم لأنه دعاء، فقوله: «لا» هى الجازمة له، ومعناه «اللهم لا أرجع» .
قال: وقد اتبع ذو الرمة الشماخ فى قوله، فقال «٦٣»:
إذا ابن أبى موسى بلالا «٦٤» بلغته فقام بفأس بين وصليك جازر «٦٥»
الوصل «٦٦»: المفصل بما عليه من اللحم، يقال: قطع الله أوصاله، ويقال:
وصل، وكسر، وجذل فى معنى واحد.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن محمد الكاتب، قال: حدثنى أبو العيناء، عن أبيه، قال: سمعت أبا نواس يقول: ما أحسن الشماخ حين يقول «٦٧»:
إذا بلّغتنى وحملت رحلى عرابة فاشرقى بدم الوتين
ألا قال كما قال الفرزدق «٦٨»:
علام «٦٩» تلفّتين وأنت تحتى وخير الناس كلّهم أمامى
متى تأتى «٧٠» الرّصافة تستريحى من الأنساع «٧١» والدّبر «٧٢» الدّوامى
قال: وقد كان قول الشماخ عندى عيبا، فلما سمعت قول الفرزدق تبعته فقلت «٧٣»:
فإذا المطىّ بنا بلغن محمدا فظهورهنّ على الرّجال حرام
قرّبننا من خير من وطئ الحصى فلها علينا حرمة وذمام
[ ٨٠ ]
وقلت «٧٤»:
أقول لناقتى إذ قرّبتنى «٧٥» لقد أصبحت «٧٦» عندى باليمين
فلم أجعلك للغربان نحلا «٧٧» ولا قلت: اشرقى بدم الوتين
حرمت على الأزمّة والولايا وأعلاق الرّحالة والوضين
الولايا: البراذع «٧٨» . والأعلاق: ما علق على الرحل من العهون وغيره. والوضين:
حزام الرحل.
قال محمد: وقد تبع الشماخ ذو الرّمة فقال «٧٩»:
إذا ابن أبى موسى بلالا بلغته فقام بفأس بين جنبيك جازر
وقال أبو تمام- ورويت لغيره- يتبع أبا نواس، ويعيب قول الشماخ «٨٠»:
لست كشمّاخ المذمّم فى سوء مكافاته ومجترمه
أشرقها من دم الوتين لقد ضلّ كريم الأخلاق عن شيمه
ذلك حكم قضى بفيصله أحيحة بن الجلاح فى أطمه
قال ذلك لأن أحيحة بن الجلاح قال للشماخ لما أنشده البيت:
بئس المجازاة جازيتها.
وأخبرنى أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا أحمد بن سليمان بن وهب- أنّ محمد بن على القنبرى الهمذانى لما أنشد عبيد الله بن يحيى بن خاقان قوله من قصيدة «٨١»:
[ ٨١ ]
إلى الوزير عبيد الله مقصدها أعنى ابن يحيى حياة الدين والكرم [٣١]
إذا رميت برحلى فى ذراه فلا نلت المنى منه إن لم تشرقى بدم
وليس ذاك لجرم منك أعلمه ولا لجهل بما أسديت من نعم
لكنه فعل شماخ بناقته لدى عرابة إذ أدّته للأطم
فلما سمع عبيد الله هذا البيت قال: ما معنى هذا؟ فقال له أبى سليمان- وما كان لعبيد الله أدب بارع، ولا رواية: أعز الله الوزير؛ إن الشماخ بن ضرار مدح عرابة «٨٢» الأوسى بقصيدة، فقال فيها يخاطب ناقته «٨٣»:
إذا بلغتنى وحملت رحلى
البيت فعاب هذا من فعله أبو نواس فقال:
أقول لناقتى إذ بلغتنى
وذكره والبيت الذى يليه.
فقال عبيد الله: هذا على صواب؛ والشماخ على خطأ؛ فقال له أبى: قد أتى الوزير بالحقّ؛ وكذا قال عرابة الممدوح للشماخ لما أنشده هذا البيت: بئس ما كافأتها به! قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وقد تبع الشماخ فى إساءته أبو دهبل الجمحى، فقال- وأنشدناه أحمد بن سليمان الطّوسى عن الزبير بن بكار «٨٤»:
يا ناق سيرى واشرقى بدم إذا جئت المغيره
سيثيبنى أخرى سوا ك وتلك لى منه يسيره
وتبعهما أيضا ابن أبى عاصية السّلمى؛ فأخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال:
أخبرنا الرياشى، عن محمد بن سلام، قال «٨٥»: قدم ابن أبى عاصية السلمى صنعاء على
[ ٨٢ ]
معن بن زائدة؛ فلما صار ببابه نحر ناقته؛ فبلغ ذلك معنا؛ فتطيّر، وأمر بإدخاله، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: نذرت، أصلحك الله! قال: وما هو؟
فأنشده «٨٦»:
إن زال معن بنى شريك لم ترى يدنى إلى سفر بعير مسافر
نذر «٨٧» علىّ لئن لقيتك سالما أن يستمرّ بها شفار الجازر
فقال معن: أطعمونا من كبد هذه المظلومة.
وأنكر على الشماخ قوله «٨٨»:
تخامص «٨٩» عن برد الوشاح إذا مشت تخامص حافى الخيل «٩٠» فى الأمعز الوجى
«٩١» يريد تخامص حافى الخيل الوجى فى الأمعز، فقدّم وأخر.
[ ٨٣ ]