أخبرنا ابن دريد، قال أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى [٩٥]، قال:
الكميت بن زيد ليس بحجة لأنه مولد، وكذاك الطرماح.
وقال محمد بن القاسم بن محمد الأنبارى: حدثنى أبى، قال: حدثنا محمد بن على بن المغيرة الأثرم، قال: حدثنا أبى عن الأصمعى، قال: ليس الكميت بن زيد بحجّة، لأنّ الكميت كان من أهل الكوفة، فتعلّم الغريب وروى الشعر، وكان معلّما، فلا يكون مثل أهل البدو، ومن لم يكن من أهل الحضر.
وكان ذو الرّمة معلّما بالبدو، وكان يحضر اليمامة والبصرة كثيرا، وكانا جميعا يستكرهان الشعر، وكان ذو الرّمة أحسن حالا عند الأصمعى من الكميت.
وحدثنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنا المازنى، قال: سمعت الأصمعى يقول: الكميت تعلّم النحو وليس بحجة، وكذلك الطرمّاح، وكانا يقولان ما قد سمعاه ولا يفهمانه.
قال رؤبة: كانا يسألاننى عن غريب شعرهما.
اخبرنى محمد بن يحيى، عن أبى العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، عن شعبة، قال: قال لى رؤبة: سألنى الطرماح والكميت عن شىء من الغريب، فلما كانا بعد رأيته فى أشعارهما.
وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى أحمد بن يزيد، عن المازنى، قال: حدثنى الأصمعى، عن خلف، قال: سمعت رؤبة بن العجاج يقول: لقينى الكميت والطرمّاح فسألانى عن الغريب، ثم سمعته فى شعرهما بعد.
_________________
(١) هو الكميت بن زيد، من بنى أسد، شاعر متقدم، عالم بلغات العرب وأخبارها ومن المتعصبين لمضر على القحطانية، وكان فى أيام بنى أمية ولم يدرك الدولة العباسية، وهو معروف بالتشيع مشهور به. وقصائده الهاشميات من مختار شعره. وناقضه بعد وفاته دعبل الخزاعى وابن عينية ولم تزل مناقضاته لشعراء اليمن ومهاجاته لهم متصلة فى أيام حياته. وترجمته فى الأغانى ١- ٣٤٨، وتجريد الأغانى ١٧٩٣، والشعر والشعراء ٥٦٢ والآمدى ١٥٧، والخزانة ١- ١٣٨، ٤- ٢٣٦.
[ ٢٤٨ ]
وحدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا المبرد، قال: ذكر عن رؤبة بن العجاج أنه قال: قدمت فارس على أبان بن الوليد البجلى منتجعا له، فأتانى رجلان لا أعرفهما، فسألانى عن شىء ليس من لغتى، فلم أعرفه، فتغامزا بى. فتقبّعت عليهما فهمدا، ثم كان بعد ذلك يختلفان فيسمعان منى الشىء فيكتبانه ويدخلانه فى أشعارهما، فعلمت أنهما ظريفان، وسألت عنهما فقيل لى: هما الكميت والطرماح.
روى أحمد بن أبى طاهر، عن أبى الحسن الطوسى، عن إسماعيل بن أبى عبيد الله، عن أبى عمرو الشيبانى، قال المفضل: لا يعتدّ بالكميت فى الشعر. وقال: أنشدنى أى معنى له شئت مما تستغربه حتى آتيك به من أشعار العرب.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن العنزى، قال: حدثنى محمد بن بكير الأسدى، قال: حدثنى محمد بن أنس الأسدى، قال: حدثنى محمد بن سهل راوية الكميت، قال: سمعت الكميت يقول: إذا قلت الشعر فجأنى أمر مستو سهل لم أعبأ به حتى يجىء شىء فيه عويص فأستعمله.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال «٢١»: قال ابن كناسة: اجتمع نصيب والكميت ويقال «٢٢» ذو الرمة، فاستنشد النصيب الكميت من شعره فأنشده الكميت «٢٣»:
هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب
حتى بلغ إلى قوله:
أم هل ظعائن بالعلياء نافعة وإن تكامل فيها الأنس والشنب «٢٤»
فعقد النصيب بيده واحدا. فقال الكميت: ما هذا؟ قال: أحصى خطأك، تباعدت [٩٦] فى قولك «٢٥»: «الأنس والشنب» . ألا قلت كما قال ذو الرمة «٢٦»:
[ ٢٤٩ ]
لمياء فى شفتيها حوّة لعس «٢٧» وفى اللّثات وفى أنيابها شنب
ثم أنشده «٢٨»: أبت هذه النفس إلّا ادّكارا فلما بلغ إلى قوله:
إذا ما الهجارس غنّينها يجاوبن بالفلوات الوبارا «٢٩»
فقال له نصيب: الفلوات لا تسكنها الوبار. فلما بلغ إلى قوله «٣٠»:
كأنّ الغطامط من غليها أراجيز أسلم تهجو غفارا «٣١»
قال له نصيب: ما هجت أسلم غفارا «٣٢» قطّ. فانكسر الكميت وامسك.
وأخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثت أن الكميت بن زيد أنشد نصيبا فاستمع له فكان فيما أنشده:
وقد رأينا بها حورا منعّمة بيضا تكامل فيها الدّلّ والشنب
فثنى نصيب خنصره. فقال له الكميت: ما تصنع؟ قال: أحصى خطأك، تباعدت فى قولك: «تكامل فيها الدّلّ والشنب»؛ هلّا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياء فى شفتيها حوّة لعس.. البيت.
ثم أنشده فى أخرى:
كأنّ الغطامط من جريها «٣٣» أراجيز أسلم تهجو غفارا
فقال له نصيب: ما هجت أسلم غفارا. فاستحيى الكميت وسكت. قال: وهما من قبيلة واحدة.
[ ٢٥٠ ]
قال المبرد: والذى عابه نصيب به قوله: «تكامل فيها الدّلّ والشنب» قبيح جدا، وذلك أنّ الكلام لم يجر على نظم، ولا وقع إلى جانب الكلمة ما يشاكلها؛ وأول ما يحتاج اليه القول أن ينظم على نسق، وأن يوضع على رسم المشاكلة.
وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على المنجم، عن أبيه، عن إسحاق الموصلى، قال: أنشد الكميت ذا الرّمة وهما فى الحمام، فجعل ذو الرمة يعقد، فقال له الكميت: ما هذا الذى تعقد؟ قال: أحسب خطأك، أخبرنى عن قولك:
أم هل ظعائن بالخلصاء رابعة وإن تكامل فيها الأنس والشّنب
ما الأنس من الشنب؟ ألا قلت كما قلت: «لمياء فى شفتيها » البيت.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا أبو الحسن اليزيدى، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: بلغنى عن الأصمعى أنه قال: لم يتعلّق على بشّار بشىء وتعلق على الكميت؛ أى أخطأ.
حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، عن عيسى بن إسماعيل العتكى، قال: قال لى محمد بن العجاج، قال بشار: ما كان الكميت شاعرا. قيل له:
كيف وهو يقول:
أنصف امرئ من نصف حىّ يسبّنى لعمرى لقد لا لقيت خطبا من الخطب
هنيئا لكلب إنّ كلبا تسبّنى وإنى لم أردد جوابا على كلب
لقد بلغت كلب بسبّى حظوة كفتها قديمات الفضائح والوصب [٩٧]
فقال بشار: لا بلّ شانئك «٣٤»، أترى رجلا لوضرط ثلاثين سنة لم يستملح منه شىء؟
قال ابن السكيت: يقال: بلّ الرجل من مرضه وأبل واستبلّ.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، وأحمد بن إبراهيم الجمال؛ قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا أحمد بن بكير الأسدى، قال: حدثنى محمد بن أنس
[ ٢٥١ ]
الأسدى السلامى، عن محمد بن سهل راوية الكميت، قال: قدم ذو الرمة الكوفة فلقيه الكميت، فقال له: إنى قد عارضتك بقصيدتك. قال: أى القصائد؟ قال:
قولك «٣٥»:
ما بال عينك منها الماء ينسكب كأنه من كلى مفريّة سرب
قال: فأىّ شىء قلت؟ قال: قلت:
هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب أم «٣٦» هل يحسّن من ذى الشّيبة اللّعب
حتى أتى عليها. قال: فقال له: ما أحسن ما قلت، إلا أنك إذا شبهت الشىء ليس تجىء به جيدا كما ينبغى، ولكنك تقع قريبا، فلا يقدر إنسان أن يقول أخطأت ولا أصبت؛ تقع بين ذلك، ولم تصف كما وصفت أنا ولا كما شبهت. قال: وتدرى لم ذاك؟
قال: لا. قال: لأنك تشبه شيئا قد رأيته بعينك، وأنا أشبّه ما وصف لى ولم أره بعينى.
قال: صدقت، هو ذاك.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن العنزى، قال: حدثنى أبو النّضر، قال:
حدثنى محمد بن الهيثم المقرئ الكوفى، قال: جاء حماد الراوية إلى الكميت فقال: أكتبنى شعرك. قال: أنت لحّان ولا أكتبك شعرى. قال: فوسم شعره بشىء أجهد أن يخرج ذاك من قلبى إذ كان على طريق الغضب فلا يخرج. قال: فقال له: وأنت شاعر؟ إنما شعرك خطب.
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: زعم الأصمعى أنّ الكميت أخطأ فى قوله «٣٧»:
أرعد وأبرق يا يزي د فما وعيدك لى بضائر
وزعم أنّ هذا البيت الذى يروى لمهلهل مصنوع محدث، وهو قوله:
أنبضوا معجس «٣٨» القسّى وأبرقنا كما توعد الفحول الفحولا
[ ٢٥٢ ]
وأن «أرعد» خطأ، وأنه لا يقال إلّا «رعد وبرق» إذا أوعد وتهدد، وهو «يرعد ويبرق»، وكذلك يقال: رعدت السماء وبرقت، وأرعدنا نحن وأبرقنا: إذا دخلنا فى الرعد والبرق. وقال الشاعر:
فقل لأبى قابوس ما شئت فارعد
قال: وروى غير الأصمعى «٣٩»: أرعد وأبرق على ضعف.
وأخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا المبرّد، قال: حدثنا الجرمى، عن الأصمعى، قال: أنشدنا أبو عمرو لرجل من كنانة «٤٠»:
إذا جاوزت من ذات عرق ثنية فقل لأبى قابوس ما شئت فارعد
قال: وقال ابن أحمر «٤١»:
يا جلّ ما بعدت عليك بلادنا فابرق بأرضك ما بدالك وارعد «٤٢»
وقال طفيل «٤٣»
ظعائن أبرقن «٤٤» الخريف وشمنه وخفن الهمام أن تقاد قنابله
قال الجرمى: كان الأصمعى ينشد هذا بعقب رده على الكميت قوله:
أرعد وأبرق يا يزيد
ويقول: ليس [٩٨] هذا بكلام فصيح.
وأخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنى عمرو بن بحر الجاحظ، قال: اجتمعنا فى مجلس بالعسكر نتذاكر الشعر، فقلنا: كان الأصمعى لا يقول «أرعد وأبرق» فى الوعيد، ويقول «رعد وبرق»، ويزعم أنّ الكميت أخطأ فى قوله:
[ ٢٥٣ ]
أرعد وأبرق يا يزي د فما وعيدك لى بضائر
وقال: لم يقل هذا فصيح قطّ. فقلت. وقد كان يزعم أنّ الشعر الذى ينحله مهلهل مصنوع؛ أعنى قوله:
أنبضوا معجس القسى وأبرقنا
البيت.
فقال رجل معنا فى المجلس: لم أر أكثر حفظا وفهما منه! نعم، هذا من قديم المولّد.
فلما قام قلت لأصحابنا: من هذا الشيخ؟ قالوا: هذا إسحاق بن إبراهيم الموصلى. فكان أول يوم رأيته فيه.
الإنباض: أن يجذب الوتر ثم يرسل فيصيب كبد القوس، يقال أنبض وأنضب.
ومعجس القوس: مقبضها. وأبرقنا: لمعنا بالسيوف.
حدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن أبى تمام، قال: سألت خشّافا عن الكميت بن زيد وعن شعره وعن رأيه فيه، فقال: لقد قال كلاما خبط فيه خبطا من ذاك «٤٥» لا يجوز عندنا ولا نستحسنه، وهو جائز عندكم، وهو على ذاك أشبه كلام الحاضرة بكلامنا وأعربه وأجوده؛ ولقد تكلم فى بعض أشعاره بلغة غير قومه.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنى أحمد بن الصباح بالمدينة ببغداد، قال: سمعت ابن كناسة يقول: كان الكميت قال مصراع البيت الأول: «ألا حييت عنا يا مدينا»، فمكث ما شاء الله فى المصراع الثانى حتى سمع قائلا يقول: وما باس فى السلام، فقال:
وهل باس بقول مسلّمينا
وأنكر على الكميت قوله فى رسول الله ﷺ «٤٦»:
إليك يا خير من تضمنت الأرض وإن عاب قولى العيب فلا يعيب قوله فى وصف النبى ﷺ إلّا كافر بالله مشرك.
[ ٢٥٤ ]