حدثنا إبراهيم بن محمد عرفة الواسطى، قال: أخبرت عن الهيثم بن عدى، قال:
قال لى صالح بن حسان، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس السامى، قال: حدثنا أبو عمر العمرى، قال «٤٧»: أخبر الهيثم بن عدى، قال لى صالح بن حسان: هل تعرف بيتا من الشعر نصفه أعرابى فى شملة، والنصف الآخر مخنّث من أهل العقيق يتقصّف تقصّفا؟ قلت: لا والله. قال: قد أجّلتك حولا. قلت: لو أجّلتنى حولين ما علمت الذى سألتنى- وقال محمد فى حديثه:
لو أجلتنى خمسين حولا لم أعرفه- فقال: أفّ لك؟ قد كنت أحسبك أجود علما مما أنت. قلت: وما هو؟ قال: أو ما سمعت [٩٩] قول جميل «٤٨»:
الا أيّها النّوّام ويحكم هبّوا
اعرابى والله يهتف فى شملة، ثم أدركه اللين وضرع الحب وما يدرك العاشق، فقال:
أسائلكم «٤٩» هل يقتل الرجل الحبّ
كأنه والله من مخنّثى العقيق يتفكّك.
وقال إبراهيم: وبعد هذا البيت:
فقالوا نعم حتى يسلّ عظامه ويتركه حيران ليس له لبّ
وحدثنى محمد إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، عن رجل
_________________
(١) هو جميل بن عبد الله بن معمر. ويقال: إنه جميل بن معمر بن عبد الله. يكنى أبا عمرو، وهو أحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته بثينة، وهما من عذرة، وهو شاعر فصيح مقدم جامع للشعر والرواية. وجعله ابن سلام فى الطبقة السادسة من فحول الإسلام. وترجمته فى الشعر والشعراء ٤٠٠، وطبقات ابن سلام ٥٤٣، والأغانى ٨- ٩٠ والخزانة ١- ٣٥٨.
[ ٢٥٥ ]
من الأنصار، عن الهيثم بن عدى، قال: قال جميل بيتا نصفه الأول أعرابى والآخر
مفكّك ليّن؛ وهو قوله: ألا أيّها النوام وذكره.
وأخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعى- عن عمّه، قال: قال هارون يوما لجلسائه- وأنا فيهم: أيكم يعرف بيت شعر أول المصراع منه أعرابى فى شملة، والثانى مخنّث يتفكك. فأرمّ «٥٠» القوم. فقال هارون: قول جميل:
ألا أيها النّوام ويحكم هبّوا
فهذا أعرابى فى شملة، ثم قال:
أسائلكم هل يقتل الرجل الحبّ
فهذا مخنّث يتفكّك.
قال الأصمعى: فقلت له: يا أمير المؤمنين، قول مادحك:
يا زائرينا من الخيام أعرابى فى شملة
حياكم الله بالسلام مخنّث فى يده دفّ
فسرّ بذلك، إذ كان قد مدح بهذا الشعر.
أخبرنا أبو بكر الجرحانى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنى عبيد الله بن محمد بن حفص بن عائشة، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى رجل من بنى عامر بن لؤى- ما رأيت بالحجاز أعلم منه، قال: حدثنى كثّير أنه وقف على جماعة يفيضون فيه وفى جميل أيهما أصدق عشقا- ولم يكونوا يعرفونه بوجهه- ففضّلوا جميلا فى عشقه، فقلت لهم: ظلمتم كثيّرا؛ كيف يكون جميل أصدق عشقا من كثير، وإنما أتاه عن بثينة بعض ما يكره، فقال «٥١»:
رمى الله فى عينى بثينة بالقذى وفى الغرّ من أنيابها بالقوادح
القادح: ما يثقبها ويعيبها- وكثير أتاه عن عزّة ما يكره؛ فقال «٥٢»:
[ ٢٥٦ ]
هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
قال: فما انصرفوا إلّا على تفضيلى.
وحدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن زيد النحوى، قال: بلغنى أنّ المفضّل الضّبى قال: خرجت حاجّا، فأتيت المدينة؛ فلما بلغ أهل الأدب مكانى أتونى، فتذاكرنا، فأجمعوا على أنّ جميلا أشعر من كثير، فسلمت علما بأنّ جميلا شاعر الحجاز، ثم أجمعوا على أنّ جميلا أعشق من كثير. قال: وكنت أميل إلى كثير، فقلت: فأنا أوجدكم ضرورة أنّ كثيرا أعشق من جميل. قالوا: فباسم الله إذا. قلت:
ألستم تعلمون أنّ بثينة شتمت جميلا؛ فبلغه ذلك، فقال:
رمى الله فى عينى بثينة بالقذى
البيت.
قالوا: اللهم نعم، قلت: وصنعت عزّة بكثير مثل صنيع بثينة: فقال كثير «٥٣» [١٠٠]:
هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
يكلّفها الخنزير شتمى وما بها هوانى ولكن للمليك استذلّت
أصاب الردى من كان يهوى لك الردى وجنّ اللواتى قلن عزة جنّت
فما أنا بالداعى لعزة بالرّدى ولا شامت إن نعل عزة زلّت
قالوا: صدقت.
أخبرنى محمد بن محمد القصرى، قال: حدثنا يحيى بن على، قال: حدثنا أبو هفان، قال: تذاكروا تمنّى الشعراء لقاء الأحبة مع البلاء، فقالوا قول جميل «٥٤»:
ألا ليتنى أعمى أصمّ تقودنى بثينة لا يخفى علىّ كلامها
فقيل: هذا محال. إلّا أن يعطى آية فى خفاء كلام الناس عليه وسماعه لكلامها؛ ولكن أحسن ما فيه قول ابن الأحنف «٥٥»:
ألا ليتنى أعمى إذا حيل دونها «٥٦» وتنشا لنا أبصارنا حين نلتقى
[ ٢٥٧ ]
أضنّ عن الدنيا بطرفى وطرفها فهل بعد هذا من فعال «٥٧» بمشفق