أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: أنشد إسحاق الموصلى الأصمعىّ قوله فى غضب المأمون عليه:
يا سرحة الماء قد سدّت موارده أما إليك طريق غير مسدود
لحائم حام حتى لا حيام به محلأ عن طريق الماء مطرود
فقال الأصمعى: أحسنت فى الشعر، غير أن هذه الحاءات لو اجتمعت فى آية الكرسى لعابتها.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى محمد بن موسى البربرى، عن حماد بن إسحاق الموصلى، قال: عيب على أبى قوله:
وأبرح ما يكون الشوق يوما إذا دنت الدّيار من الديّار
فعابوا قوله: «يوما»، فقال لهم: لعمرى إنه حشولا زيادة فيه، ولكن ضعوا مكانه مثله أو أجود منه؛ فاجتمع جماعة ونظروا فلم يجدوا للبيت حشوا أصلح من قوله يوما، إلّا أنّ إسحاق غيّره بعد ذلك فقال:
وكل مسافر يزداد شوقا
_________________
(١) كان إسحاق بن إبراهيم الموصلى فقيرا، ثم إنه كثر ماله، واشترى بالبصرة شيئا كثيرا من أرض النخل، وتحول إليها، وخدم خمسة من الخلفاء بظرفه وأدبه وبراعته فى صناعته. وكان حسن المعرفة حلو النادرة، مليح المحاضرة جيد الشعر مذكورا بالسخاء معظما عند الخلفاء. وبرع فى علم الغناء وغلب عليه فنسب إليه. ومات إسحاق سنة خمس وثلاثين ومائتين. وترجمته فى الأغانى ٥- ٥٢، وشذرت الذهب ٢- ٨٢، ونهاية الأرب: ٥ وتاريخ بغداد ٦- ٣٣٨.
[ ٣٧٣ ]
أخبرنى أبو الحسن على بن هارون، قال: ابتدأ إسحاق فى قصيدته التى امتدح فيها الواثق بقوله:
ضنّت سعاد غداة البين بالزاد وأخلفتك فما توفى بميعاد [١٧٧]
وما أعجب أمر إسحاق فى هذا الابتداء واستجازته أخذه إياه نقلا، مع علمه بقبيح ما فى السرق الذى هذه سبيله. قال الأحوص:
ضنّت سعاد غداة البين بالزاد وآثرت حاجة الثاوى على الغادى
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: هكذا قال أبو الحسن؛ والرواية المشهورة الصحيحة فى بيت الأحوص:
ضنّت عقيلة لما جئت بالزاد
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن العباس اليزيدى، قال: حدثنى عمى، عن أخيه أحمد بن محمد اليزيدى، قال: لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان- وهو القصر الذى كان للعباسة- جلس فيه، وجمع أهل بيته وأصحابه، وأمر أن يلبس الناس كلهم الديباج، وجعل سريره فى الإيوان المنقوش بالفسافسا «٣٩» الذى كان فى صدره صورة عنقاء، فجلس على سرير مرصّع بأنواع الجوهر، على رأسه التاج الذى فيه الدرة اليتيمة، وفى الإيوان أسرّة أبنوس عن يمينه ويساره من حدّ السرير الذى عليه المعتصم إلى باب الإيوان؛ فكلما دخل رجل رتّبه هو بنفسه فى الموضع الذى يراه. فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم. فاستأذنه إسحاق بن إبراهيم الموصلى فى النشيد، فأذن له؛ فأنشده شعرا ما سمع الناس أحسن منه فى صفته وصفة المجلس، إلّا أنّ أوّله نسيب بالديار القديمة وبقية آثارها، فكان أول بيت منها:
يا دار غيّرك البلى فمحاك يا ليت شعرى ما الذى أبلاك
فتطيّر المعتصم، وتغامز الناس، وعجبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك. فأقمنا يوما وانصرفنا، فما عاد منا اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سرّ من رأى وخرب القصر.
[ ٣٧٤ ]
وحدثنى عبد الله بن مالك النحوى، قال: حدثنى حماد بن إسحاق بن إبراهيم أنّ أول هذه القصيدة:
يا دار هند ما الذى لاقاك «٤٠» بعد الجميع وما الذى أبلاك
إن كان أهلك ودّعوك فأصبحوا فرقا وأصبح دارسا مغناك
فلقد نراك ونحن فيك بغبطة لو دام ما كنّا عليه نراك [١٧٨]