أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبو ذكوان، قال: حدثنا دماذ، عن أبى عبيدة، قال: مرّ المسيّب بن علس بمجلس بنى قيس بن ثعلبة فاستنشدوه، فأنشدهم:
ألا انعم صباحا أيّها الرّبع واسلم نحيّيك عن شحط وإن لم تكلم
فلما بلغ قوله «١٢»:
وقد أتناسى الهمّ عند ادّكاره «١٣» بناج عليه الصّيعرية مكدم «١٤»
كميت كناز لحمها حميريّة مواشكة ترمى الحصى بمثلّم
كأنّ على أنسائها عذق خصبة تدلّى من الكافور غير مكمّم
فقال طرفة- وهو صبىّ يلعب مع الصبيان: استنوق الجمل؛ فقال المسيب:
يا غلام، اذهب إلى أمك بمؤيدة «١٥»؛ أى داهية.
_________________
(١) المتلمس: هو جرير بن عبد المسيح- أو عبد العزى- من بنى ضبيعة. وأخواله بنو يشكر. وكان ينادم عمرو بن هند ملك الحيرة. وهو الذى كان كتب له إلى عامل البحرين مع طرفة بقتله، وكان دفع كتابه إلى غلام بالحيرة ليقرأه، فقال له: أنت المتلمس؟ قال: نعم. قال: فالنجاء؛ فقد أمر بقتلك فنبذ الصحيفة فى نهر الحيرة، وهرب إلى الشام؛ وضرب المثل بصحيفة المتلمس. وهو من أشعر المقلين فى الجاهلية. الشعر والشعراء ١٣١ وطبقات ابن سلام ١٣١، والأصمعيات ٢٤٤.
(٢) المسيب بن علس بن عمرو بن قمامة بن زيد بن ثعلبة، واسم المسيب زهير، وإنما سمى المسيب حين أوعد بنى عامر بن ذهل، فقالت بنو ضبيعة: قد سيبناك والقوم. وهو خال الأعشى. ومن شعراء بكر بن وائل المعدوديين، وهو جاهلى لم يدرك الإسلام. وترجمته فى ابن سلام ١٣٢، والشعر والشعراء ١٢٦، والمفضليات ٥٨، والخزانة ٣- ٢١٦، وألقاب الشعراء ٣١٥.
[ ٩٣ ]
فقال طرفة: لو عاينت فعل أمك خاليا نهاك. فقال المسيب: من أنت؟ قال:
طرفة بن العبد. قال: ما أشبه الليلة بالبارحة؛ يريد ما أشبه بعضكم فى الشر ببعض.
قال محمد: كذا روى أبو عبيدة، وغيره يروى أنّ الصّيعرية ميسم للإناث؛ فلما سمع «بناج عليه الصيعرية» قال: استنوق الجمل.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وقد روى أنّ طرفة قال هذا القول لعمرو بن كلثوم التغلبى؛ فحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن محمد بن سلام. قال: وفد طرفة بن العبد على عمرو بن هند فأنشده شعرا له «١٦» وصف فيه جملا، فبينما هو فى وصفه خرج إلى ما توصف به الناقة، فقال له طرفة: استنوق الجمل؛ فغضب عمرو بن كلثوم، وهايج طرفة، وكان ميل عمرو بن هند مع طرفة؛ فاستعلاه عمرو بن كلثوم بفضل السن والعلم؛ فقال طرفة أبياتا يفخر فيها بأيام بكر على تغلب، وأولها:
أشجاك الرّبع أم قدمه أم رماد دارس حممه
فانصرف عمرو بن كلثوم مغضبا بفخر طرفة عليه، وميل عمرو بن هند مع طرفة؛ فقال قصيدته «١٧»:
ألا هيىّ بصحنك فاصبحينا «١٨»
ففخر على بكر بن وائل فخرا كثيرا، وعاد إلى عمرو بن هند فأنشده، فلم يقم طرفة ولم يكن عنده ردّ، ورحل عمرو بن كلثوم إلى قومه. وأشاع حديث عمرو بن كلثوم، فأحمش «١٩» البكرية؛ فبلغ ذلك الحارث بن حلّزة اليشكرى- ويشكر هو ابن وائل- فقال «٢٠»:
آذنتننا ببينها أسماء
[ ٩٤ ]
وكان الحارث أبرص، ولم يكن يدخل على عمرو بن هند ذو عاهة، فمكث ببابه لا يصل إليه حتى خرج عمرو بن هند متمطّرا غبّ سماء، فقعد فى قبة له، فوقف الحارث بن حلزة خلف القبة، فأنشد القصيدة، فلما سمعها عمرو دعاه فأكرمه وأدناه.