حدثنا على بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا أبو العباس ثعلب، قال: قيل لأعرابى: أيعجبك قول الشاعر «٤٥» . وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا أبو ذكوان والفضل بن الحباب، قالا: حدثنا التّوزى، قالا: قالوا للأصمعى: أيعجبك قول أبى العتاهية. وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنى محمد بن موسى البربرى،
_________________
(١) هو إسماعيل بن القاسم، ويكنى أبا إسحاق، وأبو العتاهية لقب. وكان جرارا. وهو أحد الشعراء المطبوعين، وغزله ضعيف مشاكل لطبائع النساء، وشعره فى الزهد كثير رقيق سهل، ويرمى بالزندقة مع كثرة أشعاره فى الزهد والمواعظ. وترجمته فى طبقات ابن المعتز ٢٢٨، والشعر والشعراء ٧٦٥، والأغانى ٣- ١٢٦، وتاريخ بغداد ٦- ٢٥٠
[ ٣٢٢ ]
قال: حدثنى محمد بن حبيب، عن ابن الأعرابى، قال: قلت لأبى برزة الأعرابى أحد بنى قيس بن ثعلبة: أيعجبك قول أبى العتاهية:
ألا ياعتبة الساعه أموت الساعة الساعه
فقال: لا والله ما يعجبنى! ولكن يعجبنى قول الآخر:
جاء شقيق عارضا رمحه إنّ بنى عمك فيهم رماح
هل أحدث الدهر لنا نكبة أم هل رقت أمّ شقيق سلاح
أى نفثت عليه حتى لا يعمل شيئا.
ويروى:
هل أحدث الدهر بنا ضولة
«٤٦» أى ضعفة وذلة.
قال الأصمعى وابن الأعرابى: معناه «أم هل رقت»، أى هل رقت، أى إن سلاحى مرقىّ. وأنشد لحاتم:
سلاحك مرقىّ فلا أنت ضائر عدوا ولكن وجه مولاك تعطف
هذا لفظ حديث ابن الأعرابى والأصمعى.
وقال الأخفش فى حديثه: وأنشدنا ثعلب، قال: أنشدنا ابن الأعرابى:
سلاحك مرقىّ فلست بضائر عدوّا ولكن قلب مولاك تجرح
وأخبرنى أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، والحسين بن محمد العرمرم؛ قالا:
أخبرنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قيل لأعرابى- مرة: يعجبك هذا البيت:
عتيب الساعة الساعه أموت الساعة الساعه
قال [١٤٣]: لا والله، ولكنه يغمّنى! قالوا: فما الذى يعجبك؟ قال: يعجبنى:
جاء شقيق عارضا رمحه البيت.
وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، عن الزّبير بن
[ ٣٢٣ ]
بكار، قال: حدثنى شيخ منّا، قال: قلت لأبى برزة الأعرابى: أيعجبك قول أبى العتاهية:
الله بينى وبين مولاتى أبدت لى الصّدّ والملالات
قال: لا ولكن يعجبنى: جاء شقيق عارضا رمحه وذكر البيتين. وقال:
يريد أنّ شقيقا أغار عليه فذهب بإبله، وكان قتل بنى الديّان، فقال: هل رقت أمّ شقيق سلاحى حين يصيب هذا ولا يجرح ولا يصاب؟ قال: فردّ عليه شقيق:
إن يعرضوها فهم أهلها هم صرفوكم للمياه الملاح
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنى محمد بن موسى البربرى، قال:
حدثنا أحمد بن الهيثم، قال: حدثنى أبى، قال: قال منصور النّمرى لأبى العتاهية: فى كم تقول القصيدة وتحكمها؟ قال: ما هو إلا أن أضع قنّينتى بين يدىّ حتى أقول ما شئت. قال: أما على قولك:
ألا يا عتب الساعة «٤٧» الساعه
فأنت تقول ما شئت، ولكنى ما أخرج القصيدة إلا بعد شهر حتى أمحو بيتا وأجدّد بيتا، ثم أخرجها. وإنما الشعر عقل المرء يظهره.
حدثنى على بن عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى على بن مهدى، قال: حدثنى أبو حاتم السجستانى، قال: لقى ابن مناذر أبا العتاهية، فقال له أبو العتاهية: كم تقول فى اليوم؟ قال: ربما قلت العشرين وأكثر، وربما أقول خمسة أو ستة. فقال له أبو العتاهية: لكنى لو أشاء أن أقول ألف بيت لقلت. فقال ابن مناذر لأبى العتاهية: أنا أقول مثل قولى «٤٨»:
[ ٣٢٤ ]
هل لشىء فات من مردود أو لحىّ مؤمّل من خلود «٤٩»
حتى أنشده القصيدة- وأنت تقول:
ألا يا عتبة الساعه أموت الساعة الساعه [١٤٣]
وتقول:
إنّ الدّنيا قد غرّتنا واستعلتنا واستلهتنا
لسنا ندرى ما فرّطنا فيها إلّا ما قدّمنا
ولو رضيت أن أقول مثل هذا لأكثرت.
وأخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة، عن أبى العباس المبرد، قال: يروى أنّ أبا العتاهية قال يوما لابن مناذر بمكة: يا أبا جعفر؛ كم بيتا تقول فى اليوم؟ قال: ربما قلت الخمسة، وربما قلت العشرة، وربما قلت أكثر من ذلك، وربما تعذّر علىّ؛ فكم تقول أنت فى اليوم يا أبا إسحاق؟ قال: المزح والجدّ، والخصومة والحديث، والنادرة والعظة، كلّه شعر. قال ابن مناذر: أنا أشهد أنك صادق إذا كنت لا تردّ شيئا جاء نحو:
عتيب الساعة الساعه أموت الساعة الساعه
فكلّ كلامك شعر.
وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى محمد بن موسى، قال: حدثنى أحمد بن الهيثم بن فراس السامى، قال: حدثنى أبى، قال: قال أبو العتاهية لابن مناذر: يا أبا عبد الله! كيف أنت فى الشعر؟ فقال: أقول عشرة أبيات وأكثر وأقلّ.
فقال أبو العتاهية: ولكنى أقول ما شئت. قال ابن مناذر: لو أردنا أن نقول: ألا يا عتبة الساعة البيت- لقلنا، ولكنا لا نفعل.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن موسى، عن الزبير بن بكار، قال:
حدثنى ثابت بن الزبير بن هشام بن عروة، قال: قدم مع المأمون شاعر من خراسان، فلقيه أبو العتاهية، فقال له: أينا أشعر؛ أنا أو أنت؟ قال: أنت أشعر وأولى بالتقدمة.
[ ٣٢٥ ]
قال: فكم تقول فى اليوم؟ قال: أقول عشرين بيتا وثلاثين. قال: ولكنى أقول خمسمائة بيت فى يوم. فقال له الخراسانى: أما لو رضيت أن أقول مثل قولك: ألا يا عتبة الساعة البيت- لقلت ألف بيت. فاستضحك الناس واستحيا أبو العتاهية.
حدثنى على بن محمد الكاتب، عن ميمون بن هارون الكاتب، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلى يقول: أنكر الرشيد علىّ طعنى على أبى العتاهية فى شعره، فقلت: يا أمير المؤمنين [١٤٥] هو أطبع الناس، ولكن ربما تحرّف، أىّ شىء من الشعر قوله:
هو الله هو الله ولكن يغفر الله
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا ميمون بن هارون، قال: حدثنى على بن أبى المنذر العروضى، قال: لما مات سعيد بن وهب حضر أبى جنازته، وحضرها الفضل بن الربيع، وكان قد ظهر أيام المأمون، فلما دفن أثنى عليه الفضل، وأقبل على أبى العتاهية يحدثه أنه أودع القضاة والعدول أموالا فما وفواله، وأنه أودع سعيد بن وهب مالا فوفى به.
فقال أبى لأبى العتاهية: ألا ترثيه؟ قال: بلى. قال أبى: ثم صرت بعد أيام إلى الفضل بن الربيع فأخرج إلىّ رقعة فقال: اقرأ مرثية أبى العتاهية لسعيد بن وهب. فإذا فيها «٥٠»:
مات والله سعيد بن وهب رحم الله سعيد بن وهب
يا أبا عثمان أبكيت عينى يا أبا عثمان أوجعت قلبى
فقلت: ما أدرى ما أقول. فقال لى الفضل: أبو العتاهية بأن يرثى فى حياته أولى من سعيد بعد موته.
قال الصولى: وله شبيه بهذا؛ حدثنى أحمد بن يزيد، قال: حدثنى الفضل اليزيدى، قال: قيل لأبى العتاهية: مات محمد بن يزيد المسلمى! فقال:
[ ٣٢٦ ]
قد مات خلّى وأنسى محمّد بن يزيد
ما الموت والله منّا خلافه ببعيد
قال الشيخ أبو عبيد المرزبانى رحمه الله تعالى: وقول أبو العتاهية فى مرثية عيسى بن جعفر أشبه بقوله فى سعيد بن وهب مما ذكره الصولى وهو:
بكت عينى على عيسى بن جعفر عفا الرّحمن عن عيسى بن جعفر
حدثنى على بن محمد الكاتب، قال: حدثنى أحمد بن عبيد الله، قال: مما أنكر على أبى العتاهية قوله لما ترفّق فى نسيبه بعتبة:
إنى أعوذ من التى شعفت «٥١» منّى الفؤاد بآية الكرسى [١٤٦]
وآية الكرسى يهرب منها الشياطين ويحترس بها من الغيلان، كما روى عن ابن مسعود فى ذلك.
قال: وأبو العتاهية مع رقّة طبعه، وقرب متناوله، وسهولة نظم المنثور عليه، وسرعته إلى ما يعجز المتأنّى بلوغه- لا يخلو من الخطأ الفاحش والقول السخيف.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: ومما أنكر على أبى العتاهية من سفساف شعره قوله فى عتبة:
ولّهنى حبّها وصيّرنى مثل جحى شهرة ومخشلبه «٥٢»
وقوله «٥٣»:
يا واها لذكر اللّ هـ يا واها ويا واها
لقد طيّب ذكر الله بالتسبيح أفواها
أرى قوما يتيهون حشوشا «٥٤» رزقواجاها
[ ٣٢٧ ]
فما أنتن من حشّ على حش «٥٥» إذا تاها
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا سوّار بن شراعة، قال: حدثنا أحمد بن أبى طاهر؛ وحدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى ابن أبى طاهر؛ قال: حدثنى عبد الله بن يوسف أبو عبد الرحمن السمرقندى الضرير الخارج مع سيّار بن رافع على المأمون- وكان راوية أديبا، قال: رأيت مسلم بن الوليد بجرجان، وهو يتولّاها مقدمى من مدينة السلام، فسألنى عمن خلّفت بها من الشعراء؛ فقلت: خلّفت بها كوفيّا وبصريّا قد غلبا على الشعر؛ أمّا من الكوفيين فأبو العتاهية، وهو مقدّم عندهم؛ ومن البصريين أبو نواس. فقال: كيف يتقدّم عندهم أبو العتاهية وهو يقول:
رويدك يا إنسان لا أنت تقفز
أخرجت «تقفز» من فم شاعر محسن قط؟ وأما أبو نواس فمحيل، ويصف المخلوقين بصفة الخالق ﷿؛ فمما أحال فيه قوله «٥٦» .
وأخفت أهل الشرك حتّى إنه لتخافك النّطف التى لم تخلق
وهذا محال. وقوله «٥٧»:
تكلّ عن إدراك تحصيله عيون أوهام الضمامير [١٤٧]
تنتسب الألسن من وصفه إلى مدى عجز وتقصير
وقوله:
برىء من الأشباه ليس له مثل
قال أحمد بن عمار: كان أبو العتاهية من سوقة الناس وعامّتهم. وكان طبعه وقريحته أكثر من أضعاف ما اكتسبه من أدبه، واقتناه من علمه؛ إذ كان فى شبيبته يألف أهل التوضّع حتى عوتب فى ذلك. وقيل: إنه كان يحتمل زاملة المخنثين! فقيل له: مثلك
[ ٣٢٨ ]
يضع نفسه هذا الموضع؟ فقال: أريد أن أتعلم كيادهم، وأتحفظ كلامهم. وذلك بيّن فى شعره سيما فى النسيب؛ حيث يقول:
ياويح قلبى لو أنّه أقصر ما كان عيشى كما أرى أكدر
وحيث يقول:
ألا ما لسيدتى مالها دلال؟ فأحمل «٥٨» إدلالها
وحيث يقول «٥٩»:
الله بينى وبين مولاتى أبدت لى الصدّ والملالات
وحيث يقول:
عتب ما شانى وما شانك ترفقى أختى بسلطائك
لما تبدّيت على بغلة أشرقت الأرض لبرهانك
حتى كأنّ الشمس مزفوفة بين جواريك وخصيانك
وهذا لعمرى كلام ضعيف.
قال: واستحسن قوم قول أبى العتاهية:
حلاوة عيشك ممزوجة فما تأكل الشّهد إلا بسم
فالمعنى صحيح، لأنه جعله مثلا لبؤس الدنيا الممازج لنعيمها. والعبارة غير مرضية؛ لأنا لم نر أحدا أكل شهدا بسم.
وأجود من قوله لفظا، وأصح معنى قول ابن الرومى «٦٠»:
وهل خلة معسولة الطّعم تجتنى من البيض إلّا حيث واش يكيدها
مع الواصل الواشى وهل تجتنى يد جنى النحل إلّا حيث نحل يذودها
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: قول أبى العتاهية:
يا ذا الذى فى الحبّ يلحى «٦١» أما والله لو كلّفت منه كما
[ ٣٢٩ ]
كلّفت من حبّ رخيم، لما لمت على الحب؛ فذرنى وما
ألقى، فإنى لست أدرى بما بليت إلّا أنّنى بينما
أنا بباب القصر- فى بعض ما أطوف فى قصرهم- إذ رمى [١٤٨]
قلبى غزال بسهام، فما أخطأ بها قلبى، ولكنما
سهماه عينان له، كلما أراد قتلى بهما سلّما
مضمّن، والمضمن عيب شديد فى الشعر، وخير الشعر ما قام بنفسه، وخير الأبيات عندهم ما كفى بعضه دون بعض، مثل قول النابغة «٦٢»:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه على شعث، أىّ الرجال المهذّب
فلو تمثّل إنسان ببعضه لكفاه؛ إن قال: «أى الرجال المهذب» كفاه، وإن قال:
«ولست بمستبق أخا لا تلمّه على شعث» لكفاه.
أخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: كان أبو العتاهية مع اقتداره فى قول الشعر وسهولته عليه يكثر عثاره، وتصاب سقطاته، وكان يلحن فى شعره، ويركب جميع الأعاريض؛ وكثيرا ما يركب مالا يخرج من العروض إذا كان مستقيما فى الهاجس. فمما أخطأ فيه قوله:
ولربما سئل البخي ل الشىء لا يسوى فتيلا
لأنّ الصواب لا يساوى، لأنه من ساواه يساويه.
قال: وقوله:
لولا يزيد بن منصور لما عشت هو الذى ردّ روحى بعد مامتّ
والله ربّ منى والراقصات بها لأشكرنّ يزيدا حيثما كنت
ما زلت من ريب دهرى خائفا وجلا فقد كفانى بعد الله ما خفت
ما قلت فى فضله شيئا لأمدحه إلّا وفضل يزيد فوق ما قلت
[ ٣٣٠ ]
وقال: صرف «يزيد» فى موضعين، لو لم يصرفه فيهما لاستقام الشعر بزحاف قبيح.
أخبرنى الحسين بن محمد العرمرم، ومحمد بن يحيى، قالا: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنى شيخ من مشايخ الأزد، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال:
كان الرشيد يقدّم أبا العتاهية على العباس بن الأحنف ويتعصّب لأبى العتاهية تعصبا شديدا، وكنت أعارضه بعباس بن الأحنف، فتخلّفنى بعض أعدائى عنده بأشياء كان منها: وإنه يخالفك [١٤٩] فى أبى العتاهية على حداثة سنة وقلة تجربته. وقال لى بعد ذلك: من أشعر، أبو العتاهية أم العباس بن الأحنف؟ فعرفت السبب، فقلت: أبو العتاهية. قال: فأنشدنى لهذا ولهذا. فقلت: بأيهما أبدأ؟ قال: بعباس. فأنشدته أجود ما أعرفه له «٦٣»:
أحرم منكم بما أقول، وقد نال به العاشقون من عشقوا
صرت كأنى ذبالة نصبت تضىء للناس، وهى تحترق
فقال: أحسن! فأنشدنى لأبى العتاهية. فأنشدته- وأردت عيبه- أضعف ما أعرف له:
كأنّ عتّابة من حسنها دمية قسّ فتنت قسّها
ياربّ لو أنسيتنيها بما فى جنّة الفردوس لم أنسها
إنى إذا مثل التى لم تزل دائبة فى طحنها كدسها «٦٤»
حتى إذا لم يبق منه سوى حفنة برّ خنقت نفسها
قال: لغيره من قوله أحسن. وذكر باقى الحديث.
[ ٣٣١ ]