حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام؛ قال «١»: لم يقو أحد من الطبقة الأولى ولا من أشباههم إلا النابغة فى بيتين: قوله «٢»:
أمن آل مية رائح أو مغتدى «٣» عجلان ذا زاد وغير مزوّد
زعم البوارح «٤» أن رحلتنا غدا وبذاك خبّرنا الغراب «٥» الأسود
وقوله «٦»:
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتّقتنا باليد
بمخضّب رخص كأنّ بنانه عنم يكاد من اللطافة يعقد
العنم: نبت أحمر يصبغ به.
فقدم المدينة، فعيب ذلك عليه، فلم يأبه له حتى أسمعوه إياه فى غناء- وأهل القرى ألطف نظرا من أهل البدو، وكانوا يكتبون لجوارهم أهل الكتاب- فقالوا للجارية: إذا صرت إلى القافية فرتلّى «٧» . فلما قالت: «الغراب الأسود» و«باليد» - علم فانتبه فلم يعد فيه، وقال: قدمت الحجاز وفى شعرى صنعة ورحلت عنها وأنا أشعر الناس.
_________________
(١) النابغة الذبيانى: هو زياد بن معاوية، ويكى أبا أمامة، وهو من الطبقة الأولى المقدمين. وإنما لقب النابغة لنبوغه فى الشعر بعد أن كبر. وكان يضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. وكان مقدما عند النعمان، ومن ندمائه. وارجع فى ترجمته إلى: طبقات الشعراء لابن سلام ٤٥- ٥٠، والشعر والشعراء ١٠٨- ١٢٨، والأغانى ٩- ١٥٦، وديوانه.
[ ٣٨ ]
وحدثنى أحمد بن محمد المكّى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا أبو عبيدة بن المثنى، عن أبى عمرو بن العلاء، قال: كان النابغة قال «٨»:
زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا وبذاك خبّرنا الغراب الأسود
وقصيدته مخفوضة. فدخل الحجاز فغنّت قينة بذلك وهو حاضر، فلما [١٦] مدّدت «خبّرنا الغراب الأسواد علم أنه مقو فغيّره، وقال:
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
وأخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا المبرّد، قال: حدثنا المغيرة بن محمد المهلّبى، عن الزبير، قال: حدثنى محمد بن أبى قدامة العمرى، ومن لا أحصى؛ قالوا:
كان النابغة الذبيانى يكفئ الشّعر، حتى قدم المدينة على الأوس والخزرج، فأنشدهم؛ فقالوا: إنك تكفئ الشعر. قال: وكيف ذلك؟ فجعلوا يخبرونه ولا يفهم ما يريدون.
فقالوا له: تغنّ بشعرك. فتغنّى به ومدّده ففهم، فقال: لست أعود.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الحسين بن على المهرى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: دخل النابغة إلى المدينة، فقالوا له: قد أقويت فى شعرك؛ وأفهموه فلم يفهم، حتى جاءوه بقينة فجعلت تغنيه:
أمن آل ميّة
وتبين الياء فى «مزوّدى» و«مغتدى» .
ثم غنت البيت الآخر فبيّنت الضمة فى قوله: «الأسود» بعد الدال ففطن لذلك فغيّره، وقال:
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
وكان النابغة يقول: دخلت يثرب وفى شعرى شىء، وخرجت وأنا أشعر الناس.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قال:
حدثنى أبو غسان محمد بن يحيى، عن أخيه عبد الله بن يحيى، قال: كانت العرب تغنى
[ ٣٩ ]
النّصب «٩»، وتمدّ أصواتها بالنشيد، وتزن الشعر بالغناء؛ فقال حسان بن ثابت «١٠»:
تغنّ فى كلّ شعر أنت قائله إنّ الغناء لهذا الشعر مضمار «١١»
قال عمر: فحدثنى خلّاد الأرقط إن شاء الله أو غيره من علمائنا، قال: كان النابغة يقول: إن فى شعرى لعاهة ما أقف عليها، فلما قدم المدينة تغنّى فى شعره بقوله:
فتناولته واتقتنا باليد «١٢»
فمدت المغنية الدال مخفوضة، وامتدّ بها الصوت منخفضا، ثم قالت:
يكاد من اللطافة يعقد «١٣»
فمدت الدال مضمومة، وامتدّ بها الصوت مضموما؛ فتبيّن له عيب شعره، فكان يقول: وردت يثرب وفى شعرى بعض العهدة «١٤»، فصدرت وأنا أشعر العرب.
روى أحمد بن أبى طاهر، عن حمّاد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال حدثنى محمد بن كناسة، قال: جعل أبوك يوما يعيب شعر الكميت، ويتتبع مساويه؛ فقلت له: ما أحد يتتبّع عليه ما تتبعت من شعر الكميت إلّا وجد فى شعره عيب، فاختر من شئت. قال. قد اخترت النابغة، فقلت: ما معنى قول النابغة «١٥»:
أرسما جديدا من سعاد تجنّب
لم يتجنب رسمها؟ ثم قال عقب هذا:
عفت روضة الأجداد «١٦» منها فيثقب
[ ٤٠ ]
ما هذا من أول البيت فى شىء.
ثم قلت: وقال بعد هذا:
وأبدت سوارا عن وشوم كأنها بقية ألواح عليهن مذهب
ليس هذا من أول الكلام فى شىء. فقال لى: أنت تعلم أنّ أول هذه القصيدة مطعون عليه. فقلت: صدقت.
حدثنى على بن هارون، قال: التضمين أحد عيوب القوافى الخمسة، وليس يكون فيه أقبح من قول النابغة الذبيانى «١٧»:
وهم وردوا الجفار «١٨» على تميم وهم أصحاب يوم عكاظ إنى
شهدت لهم مواطن صالحات أتينهم «١٩» بحسن الودّ منى
فأما قول امرئ القيس «٢٠»:
وتعرف فيه من أبيه شمائلا «٢١» ومن خاله ومن يزيد ومن حجر
سماحة ذا وبرّ ذا ووفاء ذا ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر
[١٧] فليس ذا بمعيب عندهم، وإن كان مضمنا؛ لأن التضمين لم يحلل قافية البيت الأول، مثل قوله: «إنى شهدت لهم» . وقد يجوز أن يوقف على البيت الأول من بيتى امرئ القيس؛ وهذا عند نقّاد الشعر يسمى الاقتضاء: أن يكون فى الأول اقتضاء للثانى، وفى الثانى افتقار إلى الأول «٢٢» .
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٢٣»، قال: أخبرنى يونس النحوى، قال: كان أبو عمرو بن العلاء أشدّ تسليما
[ ٤١ ]
للعرب، وكان ابن أبى إسحاق وعيسى بن عمر يطعنان عليهم؛ كان عيسى يقول: أساء النابغة فى قوله «٢٤»:
فبتّ كأنّى ساورتنى ضئيلة من الرّقش فى أنيابها السمّ ناقع «٢٥»
ويقول: موضعه «٢٦» ناقعا.
قال: وكان يختار السمّ والشّهد، وهى علوية «٢٧» .
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، عن أبى حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول:
ما للنابغة شىء فى وصف الفرس غير قوله «٢٨»:
صفر «٢٩» مناخرها من الجرجار
وقال الأصمعى: لم يكن النابغة وزهير وأوس يحسنون صفة الخيل، ولكن طفيل الغنوى فى صفة الخيل غاية النعت.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى الأصمعى، قال:
دريد بن الصّمّة فى بعض شعره أشعر من الذبيانى، وقد كاد يغلب الذبيانى.
أخبرنى الصولى قال: حدثنا أبو ذكوان، قال: حدثنا المازنى، قال: كان الأصمعى يعيب قول النابغة يصف ناقة «٣٠»:
مقذوفة بدخيس النّحض بازلها له صريف صريف القعو بالمسد «٣١»
[ ٤٢ ]
ويقول: البغام فى الذكور من النشاط، وفى الإناث من الإعياء والضجر. ألا ترى قول ربيعة بن مقروم الضبّى:
كناز البضيع جماليّة إذا ما بغمن تراها كتوما «٣٢»
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الطيب بن محمد الباهلى، قال: حدثنا قعنب بن المحرّر الباهلى، قال: سمعت الأصمعى يقول: قرأت على أبى عمرو بن العلاء شعر النابغة الذبيانى، فلما بلغت قوله:
مقذوفة بدخيس النّحض
البيت قال لى: ما أضر عليه فى ناقته ما وصف! فقلت له: وكيف؟ قال: لأن صريف الفحول من النشاط وصريف الإناث من الإعياء والضجر؛ كذا تكلمت العرب. فرآنى بسكوتى مستزيدا، فقال: ألم تسمع قول ربيعة بن مقروم الضبى:
كناز البضيع جماليّة
البيت وكما قال الأعشى «٣٣»:
كتوم الرّغاء إذا هجّرت وكانت بقية ذود كتم «٣٤»
وكما قال الأعشى أيضا:
والمكاكيك «٣٥» والصّحاف من الفضّة والضافرات «٣٦» تحت الرّحال.
والقعو «٣٧» . خدّ البكرة. والنحض: اللحم. والدخيس: قد دخس بعضه فى بعض. وقال أبو عبيدة: المكّوك: إناء يشرب فيه الفتيان. والضامزات لا ترغو ولا تجترّ.
[ ٤٣ ]
حدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا أحمد بن عيسى العكلى، عن ابن أبى خالد، عن الهيثم بن عدى، قال: لقيت صالح بن كيسان وأنا منصرف من عند الأعمش، فقال لى: من أين؟ فقلت: كنت عند الأعمش. فقال: عمّش الله عينك؟ هل علمت أن النابغة كان مخنثا؟ فقلت: سبحان الله! هل رأيته؟ قال: لا. قلت: فحدّثك من رآه؟ قال: لا. قلت: فأنّى علمت ذاك؟ قال: قوله «٣٨»:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتّقتنا باليد
والله ما عرف هذه المعانى إلا عن تفكّك.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٣٩»: من الأبيات التى قصّر فيها أصحابها عن الغايات التى جروا إليها ولم يسدّوا الخلل الواقع فيها معنى ولا لفظا قول النابغة الذبيانى [١٨] «٤٠»:
ماضى الجنان أخى صبر إذا نزلت حرب يوائل فيها كلّ تنبال
التنبال: القصير. فإن كان أراد ذلك فكيف صار القصير أولى بطلب الموئل من الطويل؟ وإن جعل التنبال الجبان فهو أعيب؛ لأنّ الجبال خائف وجل اشتدت الحرب أم سكنت وأين كان عن قول الهمدانى «٤١» .
يكرّ على المصاف إذا تعادى من الأهوال شجعان الرجال
قال «٤٢»: ومن الأبيات المستكرهة الألفاظ، المتفاوتة النّسج، القبيحة العبارة، التى يجب الاحتراز من مثلها قول النابغة «٤٣»:
يصاحبنهم «٤٤» حتى يغرن مغارهم من الضاريات بالدماء الدوارب «٤٥»
[ ٤٤ ]
يريد من الضاريات الدوارب بالدماء، فقدّم وأخّر؛ وإنما يقبح مثل هذا إذا التبس بما قبله، لأنّ الدماء جمع، والدوارب جمع؛ ولو كان من الضاريات بالدم الدوارب لم يلتبس؛ وإن كانت هذه الكلمة حاجزة بين الكلمتين- أعنى بين الضاريات والدوارب اللتين يجب أن تقرنا معا.
وقال النابغة أيضا «٤٤»:
يثرن الثّرى حتى يباشرن برده «٤٥» - إذا الشمس مجّت ريقها- بالكلاكل «٤٦»
يريد: يثرن الثرى حتى يباشرن برده بالكلاكل إذا الشمس مجّت ريقها.
قال عبد الله بن المعتز: عيب على النابغة قوله فى وصف النعام «٤٧»:
مثل الإماء الغوادى تحمل الحزما «٤٨»
قال: وقال الأصمعى: إنما توصف الإماء فى هذا الموضع بالرواح لا بالغدوّ، لأنهنّ يجئن بالحطب إذا رحن.
وأنشد الأخنس بن شهاب التغلبى «٤٩»:
تظلّ به ربد النعام كأنها إماء تزجّى بالعشىّ حواطب
لأن النعامة إذا خفضت عنقها وشمت كانت أشبه شىء بماش وعلى ظهره حمل.
وعابوا قول النابغة أيضا «٥٠»:
وكنت امرءا لا أمدح الدهر سوقة فلست على خير أتاك بحاسد
[ ٤٥ ]
قال: وقالوا: كيف يحسده على ما قد جاد به له؟
قال: وعابوا قوله «٥١»:
فاحكم كحكم فتاة الحىّ
وقالوا: أمره أن يحكم كحكم امرأة.
قال: وعابوا عليه اختلاف القوافى فى الإعراب وذلك قوله «٥٢»:
يا بؤس للدهر «٥٣» ضرّارا لأقوام
وقوله «٥٤»:
لا النور نور ولا الإظلام إظلام
وقوله «٥٥»: «غير مزوّد»، ثم قال: الغراب الأسود
[ ٤٦ ]