أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا أحمد بن بشر المرثدى، عن أبى سهيل عبد الله بن ياسين، عن أبى عبيدة، قال: كان عامر بن عبد الملك بن مسمع بن مالك بن مسمع وأخوه مسمع- ويلقب كردين- يقدّم الفرزدق ويفضّله، وكان عامر يقدم جريرا ويحتجّ على الفرزدق بما عقّد فيه من شعره، نحو قوله:
فلولا أنّ أمّك كان عمّى أباها كنت أخرس بالنشيد
ومثل قوله «١»:
وما مثله فى الناس إلّا مملّكا أبو أمه حىّ أبوه يقاربه
وأشباه ذلك. فقال كردين: أنت يا أخى لا تعقل، سقط الفرزدق شىء يمتحن الرجال فيه عقولها حتى يستخرجوه، وسقط جرير عىّ، نحو قوله «٢»:
والتغلبى جنازة الشيطان
وقوله «٣»:
فى كل قائمة له ظلفان
وقوله «٤»:
ومن المشاقة عندها أكرار
_________________
(١) هو جرير بن عطية بن حذيفة. وهو من بنى كليب بن يربوع، وكان عطية أبو جرير مضعوفا. وكان يكنى أبا حزرة، وكان له عشرة من الولد، منهم بلال بن جرير، وكان أفضلهم وأشعرهم. وعمر جرير نيفا وثمانين سنة ومات باليمامة. وكان جرير من فحول شعراء الإسلام، ومهاجاته للفرزدق ونقائضهما أشرنا إليها فى ترجمة الفرزدق. وترجمته فى الشعر والشعراء ٤٢٥، وطبقات ابن سلام ٣١٥، والأغانى: ٨، والخزانة: ١- ٢٨.
[ ١٥٧ ]
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى العلاء بن الفضل بن أبى سويّة، قال: قال لى أبو الوليد الرّياحى: يا أبا الهذيل، أيّما أشعر أجرير أم الفرزدق؟ قلت: ذاك إليك. قال: يقول الفرزدق:
ما حملت ناقة من معشر رجلا مثلى إذا الريح لفتنى على الكور
إلّا قريشا فإنّ الله فضّلها مع النبوة بالإسلام والخير
ويقول جرير «٥»:
لا تحسبنّ مراس الحرب إذ لقحت شرب الكشيش وأكل الخبز بالصّير «٦»
سلح والله أبو حزرة، سلح والله أبو حزرة. وكان أبو البيداء «٧» عالما.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أحمد بن خلّاد، قال: حدثنى أبى، قال: قلت لعمارة بن عقيل: ما تقول فى شعر أبيك «٨» جرير؟ قال: والله إنى لأربأ عن بعضه، ولكن فيه الكثير الذى لا يلحقه فيه أحد.
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، قال: سمعت سلم بن خالد بن معاوية بن أبى عمرو بن العلاء يقول:
عمارة بن عقيل أحسن استواء شعر من جدّه جرير؛ ولجرير فضله، إلا أن جريرا أعتدّ عليه بسقط فى شعره وضعف، وما أصابوا لعمارة سقطة واحدة فى شعره.
حدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريان؛ قالا: حدثنا العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل اليزيدى، قال: أخبرنى الأثرم، قال أخبرنى أبو عبيدة، قال: مما يعدّ على جرير من أفن شعره قوله لبشر بن مروان «٩»:
[ ١٥٨ ]
قد كان حقّك أن تقول لبارق يا آل بارق فيم سبّ جرير
فجعل بشر بن مروان رسولا. فقال بشر: أما وجد ابن المراغة- وقال بعضهم ابن اللّخناء- رسولا غيرى؟
قال: وقوم يعيبون عليه أيضا قوله فى محمد بن عمير بن عطارد «١٠»:
ألقوا السلاح إلىّ آل عطارد وتعاظموا ضرطا على الدّكان
ويقولون: يأمرهم أن يضرطوا ثم يعيبهم، وإنما نعى عليهم ضرطة كان ضرطها فى الملإ.
قال أبو عبيدة: قال رؤبة: وأنشده يونس بيت جرير «١١»:
إنى إذا الشاعر المغرور حرّبنى جار لقبر على مرّان مرموس «١٢»
فقال رؤبة: كذب والله، ما تميم بمرّان؛ إنما هو بذات عرق، وقبر معدّ بمران.
وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: مما يعدّ على جرير أفنا قوله لبشر [٥٥]:
قد كان حقك أن تقول لبارق
البيت.
وليس كذا يخاطب الأمراء.
فلما سمع هذا بشر قال: قبح الله ابن المراغة! أما وجد رسولا غيرى؛ وأىّ شىء يستحقّ منى أن أقول هذا لبارق؟
قال: ولجرير شبيه بهذا إلا أنه لا عيب عليه فيه؛ حيث قال «١٣»:
هذا ابن عمى فى دمشق خليفة لو شئت ساقكم إلىّ قطينا
فقال يزيد بن عبد الملك أو بعض إخوته: أما ترون جهل جرير؛ يقول لى: ابن
[ ١٥٩ ]
عمى، ثم يقول: لو شئت ساقكم، أما لو قال: لو شاء ساقكم لأصاب، ولعلّى كنت أفعل.
قال: وقال أبو عبيدة: ومما يعدّ على جرير قوله «١٤»:
أتوعدنى وراء بنى رياح كذبت لتقصرنّ يداك دونى
فقال له بنو كليب: ما هجانا أحد قط أشدّ مما هجوتنا به حين استوى لك أن تقول وراء بنى كليب، فرغبت عن آبائك إلى أعمامك.
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنى عمارة بن عقيل، قال: لما بلغ الوليد قول جرير:
هذا ابن عمى فى دمشق خليفة لو شئت ساقكم إلىّ قطينا
قال الوليد: أما والله لو قال: لو شاء ساقكم لفعلت ذلك؛ ولكنه قال: لو شئت؛ فجعلنى شرطيّا له.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، قال: حدثنا محمد سلام، قال: قال سلم بن قتيبة: يا بنىّ ارووا ما هجانا به الفرزدق، ولا ترووا ما مدحنا به جرير. يريد قول الفرزدق:
أتاك ورحلى بالمدينة وقعة لآل تميم أقعدت كلّ قائم
وقول جرير «١٥»:
أباهل ما أحببت قتل ابن مسلم ولا أن تروعوا قومكم بالمظالم
أباهل قد أوفيتم من دمائكم غداة قتلتم رهط قيس بن عاصم
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: كان بعض المجانين يتعصّب للفرزدق، فقال له إنسان مرة: أتعيب جريرا؟ ما أحسن ما قال صاحبك فى المدح «١٦»:
وما مثله فى الناس إلا مملّكا أبو أمه حىّ أبوه يقاربه
[ ١٦٠ ]
فقال: هذا أحسن من قول صاحبك- يعنى جريرا فى الغزل «١٧»:
لو أن عصم عمايتين ويذبل سمعا حديثك نزّلا «١٨» الأوعالا «١٩»
قال إسماعيل بن محمد الصفّار: كان أبو العباس المبرد يفضّل الفرزدق على جرير ويقول: الفرزدق يجىء بالبيت وأخيه، وجرير يأتى بالبيت وابن عمه.
حدثنى عبد الله بن هارون الشّيرازى، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: قال لى مروان بن أبى حفصة: كان جرير إذا أخذ الناس غلبهم، وإذا أخذ الفرزدق جريرا غلبه الفرزدق؛ ومن نظر فى النقائض تبيّن له ذلك، وعلم أن جريرا لم يقم فيها للفرزدق.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: روى عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى أنّ مروان بن أبى حفصة قال: من نظر فى نقائض جرير والفرزدق علم أنّ جريرا لم يقم للفرزدق.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وصدق مروان فى هذا القول؛ والأمر فيه ظاهر غير مستتر.
أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أحمد بن بشر المرثدى، وأخبرنى الصّولى؛ قالا: قال أبو سهيل عبد الله بن ياسين: سألت أبا عبيدة عن جرير والفرزدق: أيهما أشعر؟ فقال: ويحك، هل قال جرير للفرزدق إلا فى ثلاثة أنواع: الزّبير، وجعثن «٢٠» والقين؛ وللفرزدق فيه مائة نوع «٢١» .
[ ١٦١ ]
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى، عن إبراهيم بن عمر؛ ودماذ «٢٢»، عن أبى عبيدة، قال: سمعت [٥٦] أبا الخطاب الأخفش يقول- وكان أعلم الناس بالشعر، وأنقدهم له، وأحسن الرواة دينا وثقة: لم يهج جرير الفرزدق إلا بثلاثة أشياء يكرّرها فى شعره، كلها كذب، منها جعثن، والزّبير، والقين.
فأما جعثن فكانت من خير نساء زمانها؛ احتال بنو منقر فأقعدوا إنسانا فى طريقها، وقد خرجت لبعض أمرها- فرمى بها فوقعت ومضى يعدو- ليزيلوا عن أنفسهم شيئا زعموا أنّ الفرزدق فعله بهم «٢٣» .
وأما الزّبير فإنه وقف على مسجد بنى مجاشع، فسأل عن عياض بن حمار بن أبى حمار، فقال النّعر بن زمّام المجاشعى: هو بوادى السباع، فمضى الزبير يريده، وخرج النّعر بن زمّام مع الزبير رحمه الله تعالى حتى بلغ النحيت ثم رجع.
وخبر القين أنّ رجلا استعان بالفرزدق، فسأله أن يمشى معه إلى موالى بنى سعد فى حاجة، فقال الفرزدق للمستعين به: إن عمتى كان لها قين، فلما هجانى جرير جعلنى قينا بذلك السبب، وإنّ الرجل الذى تستعين بى عليه صاحب سماد، ولئن بلغ جريرا أنى مشيت معك ليجعلنى فى شعره كسّاحا. فلم يمش معه. فهذه قصة القين.
قال أبو الخطاب: فلم يهجه إلا من ثلاث جهات كاذبات، فردد ذلك وكرره فى شعره، فمن ذلك قوله «٢٤» .
تحضّض يا بن القين قيسا ليجعلوا لقومك يوما مثل يوم الأراقم
وكقوله:
أمنتظر منى القريد «٢٥» هديّة فسوف ترى منى القيون الذى أهدى
[ ١٦٢ ]
وأشباه هذا من قوله كثير، كلّه من هذا النحو، لا يخرج عنه ولا يحسن فيه، ثم كرّر ذكر الزبير فقال «٢٦»:
وقيس يا فرزدق لو أجاروا بنى العوّام ما افتضح الجوار
إذا لحمى فوارس غير ميل إذا ما امتدّ فى الرّهج الغبار
غدرتم بالزبير وما وفيتم فدادن فى الحروب لها خوار «٢٧»
وكرر أمر الزبير والقين، فقال «٢٨»:
لو كنت حرّا يابن قين مجاشع شيّعت ضيفك فرسخين وميلا
قتل الزبير وأنتم جيرانه تبّا لمن قتل الزّبير طويلا «٢٩»
قالت قريش ما أذلّ مجاشعا جارا وأكرم ذا القتيل قتيلا
وكرر أيضا ذكر جعثن، كما كرر ذكر الزّبير والقين؛ فقال «٣٠»:
على غير السّواء مدحت سعدا فزدهم ما استطعت من الثّواب
هم قتلوا الزّبير فلم تنكّر وعزّوا رهط جعثن فى الخطاب «٣١»
فقد جعل جرير قتلة الزبير هاهنا فى هذا البيت بنى منقر بن عبيد؛ لأنهم من بنى سعد، وليس لبنى منقر فى قتل الزّبير سبب.
وقال جرير فى جعثن أيضا «٣٢»:
سأذكر من هنيدة ما علمتم وأرفع شأن جعثن والربّاب
[ ١٦٣ ]
وقال أيضا- فنسب قتل الزبير إلى بنى سعد، وأكذب نفسه فى مجاشع، وذكرهم بذلك؛ فقال «٣٣»:
أتنسون الزّبير قتيل سعد وجعثن إذ تصرّف كلّ حال [٥٧]
مدحت بنى الأشدّ وغادروها هريت الشدق «٣٤» واسعة المبال
وقد أضحت مساحج ركبتيها تشبّه مبرك الجمل الثّفال «٣٥»
قال أبو الخطاب: فلم يجاوز جرير هذا، ولم يحسن فيه؛ ولا نجد للفرزدق قصيدة إلا وفيها هجاء بديع ليس فى الأخرى مثله؛ كقوله «٣٦»:
إنّ الذى سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعزّ وأطول
بيتا زرارة محتب بفنائه ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
لا يحتبى بفناء بيتك مثلهم أبدا إذا عدّ الفعال الأفضل
ليس الكرام بناحليك أباهم حتى تردّ إلى عطية تعتل
ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل
وكقوله:
يابن المراغة إنما راهنتنى بمسبّقين لدى الفعال قصار
والخابسين إلى العشىّ ليشربوا نزح الرّكىّ ودمنة الأسآر
الأسآر: البقايا، واحدها سؤر- مهموز.
لن تدركوا كرمى بلؤم أبيكم وأوابدى بتنحّل الأشعار
قبح الإله بنى كليب إنهم لا يغدرون ولا يفون لجار
وكقوله «٣٧»:
لك الويل لا تقتل عطية إنه أبوك ولكن غيره فتبدّل
[ ١٦٤ ]
أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى عظام المخازى عن عطية تنجلى «٣٨»
وكقوله «٣٩»:
فإنك إذ تهجو تميما وترتشى تبابين قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه سراب أجالته «٤٠» رياح السمائم
حدثنى أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنى أبو الغوث يحيى بن البحترى، قال: كان أبى يقول: لا أرى أن أكلم من يفضّل جريرا على الفرزدق، ولا أعدّه من العلماء بالشعر.
فقيل له: وكيف وكلامك أشدّ انتسابا إلى كلام جرير منه إلى كلام الفرزدق؟ فقال:
كذا يقول من لا يعرف الشعر، لعمرى إن طبعى بطبع جرير أشبه، ولكن من أين لجرير معانى الفرزدق، وحسن اختراعه؟ جرير يجيد النسيب، ولا يتجاوز هجاء الفرزدق بأربعة أشياء: بالقين، وقتل الزّبير، وبأخته جعثن، وامرأته النوار؛ والفرزدق يهجوه فى كل قصيدة بأنواع هجاء يخترعها ويبدع فيها.
حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن محمد التّوزى، قال: قيل لكردين «٤١» المسمعى- وكان يقدّم الفرزدق والأخطل على جرير- لم لم يهاج هذان الشعراء كما هاجاهم جرير؟ قال: بلى والله، ولكنهم كانوا لا يطمعون فى بيت الفرزدق فيجلّونه ويطمعون فى كليب. ثم عدّ جماعة هاجاهم الفرزدق أولهم الأشهب بن رميلة «٤٢»، وآخرهم أصمّ باهلة؛ وذكر جماعة هاجاهم الأخطل.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الحسن الغياثى، قال: حدثنى عيسى بن إسماعيل، قال: سمعت الأصمعىّ يقول: قرأت على خلف شعر جرير، فلما بلغت قوله «٤٣» [٥٨]:
[ ١٦٥ ]
ويوم كإبهام القطاة محبّب إلىّ هواه «٤٤» غالب لى باطله
رزقنا به الصّيد الغرير ولم نكن «٤٥» كمن نبله محرومة وحبائله
فيالك يوما خيره قبل شرّه «٤٦» تغيّب واشيه وأقصر عاذله
فقال: ويله! وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ قلت له: هكذا قرأته على أبى عمرو.
فقال لى: صدقت، وكذا قاله جرير؛ وكان قليل التنقيح مشرّد الألفاظ؛ وما كان أبو عمرو ليقرثك إلا كما سمع. فقلت: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له لو قال «٤٧»:
فيا لك يوما خيره دون شرّه
فاروه هكذا؛ فقد كانت الرواة قديما تصلح من أشعار القدماء. فقلت: والله لا أرويه بعد هذا إلا هكذا.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلام «٤٨»، قال: حدثنا أبو الخطاب الزّرارى، قال: حدثنى أبى، قال: كان جرير ينشد أبياته «٤٩»:
فما «٥٠» شهدت يوم النّقا «٥١» خيل هاجر ولا السّيد إذ يبطحن بالأسل «٥٢» السمر
ولا شهدت يوم الغبيط «٥٣» مجاشع ولا نقلان الحىّ «٥٤» من قنّتى «٥٥» نسر
[ ١٦٦ ]
قال: وشيخ من بنى ثعلبة يقال له النحّار بن العقار كبير قد شدّ حاجباه وقد سقطا على عينيه، فقال: ولا كليب والأجلّ «٥٦» ما شهدت، ولا كنّا إلّا سبعة فوارس من بنى ثعلبة.
ومما يعاب على جرير قوله «٥٧»:
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم من العبيد وثلث من مواليها
ويروى:
كانوا ثلاثة أثلاث فثلثهم
فحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على يحيى المنجّم، عن أبيه أنّ جريرا لما قال هذا البيت قيل لرجل من بنى حنيفة: من أيهم أنت؟ قال: أنا من الثلث الملغى.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا على بن الصباح. قال: قرأت على أبى محلّم لجرير «٥٨»:
بنفسى من تجنّبه عزيز علىّ ومن زيارته لمام
ومن أمسى وأصبح لا أراه ويطرقنى إذا هجع النّيام
فقال لى: هذه أحسن من ميميته الأخرى التى يقول فيها «٥٩» .
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا حين الزّيارة فارجعى بسلام
تجرى السواك على أغرّ كأنه برد تحدّر من متون غمام
فليته إذ كان طردها «٦٠» ما كان وصفها.
[ ١٦٧ ]
قال محمد بن أحمد بن طباطبا «٦١» العلوى: من الأبيات التى زادت قريحة قائليها على عقولهم قول جرير «٦٢»:
هذا ابن عمى فى دمشق خليفة لو شئت ساقكم إلىّ قطينا
فقيل له: يا أبا حزرة، لم تصنع شيئا! عجزت أن تفخر بقومك حتى تعدّيت إلى ذكر الخلفاء! فقال له عبد الملك «٦٣»: جعلتنى شرطيّا لك، أما لو قلت: لو شاء ساقكم إلىّ قطينا لسقتهم إليك عن آخرهم. وكقوله «٦٤»:
يا بشر حقّ لوجهك التبشير هلّا غضبت لنا وأنت أمير
قد كان نولك «٦٥» أن تقول لبارق يا آل بارق فيم سبّ جرير
فقال بشر: أما وجد ابن المراغة رسولا غيرى؟
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال [٥٩]:
حدثنى مسعود بن عمرو، قال حدثنا محمد بن سلّام «٦٦»، قال: حدثنى أبو يحيى الضبى؛ وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: حدثنى أبو يحيى الضبى، قال: الذى هاج الهجاء بين جرير وعمر بن لجأ التيمى أنّ عمر بن لجأ التيمى كان ينشد أرجوزة له يصف فيها إبله- وجرير حاضر بالماء- فقال التيمى «٦٧»:
قد وردت «٦٨» قبل إنى ضحائها تقرّش «٦٩» الحيّات فى غشائها «٧٠»
جرّ العجوز الثّنى من كسائها «٧١»
[ ١٦٨ ]
ويروى: فى خرشائها «٧٢»، يكون من الاجتماع ويكون من الاكتساب؛ فقال جرير: أخفيت مرّها «٧٣» . قال: فكيف أقول؟ قال: قل: جرّ العروس الثّنى من ردائها. فقال التيمى- وحمى: ما قلت أنت أسوأ مما قلت. قال وما هو؟ قال قولك «٧٤»:
وأوثق عند المردفات عشية لحافا إذا ما جرّد السيف لامع «٧٥»
فجعلتهن مردفات غدوة ثم تداركتهنّ عشية.
قال: فكيف أقول؟ قال: تقول:
وأوثق عند المرهفات «٧٦» عشية
فقال جرير: والله لهذا البيت أحبّ إلىّ من بكرى حزرة، ولكنك محلب «٧٧» للفرزدق. فتهاجيا.
وحدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريان، قالا: حدثنا العنزى، قال: حدثنى على بن إسماعيل اليزيدى، قال: أخبرنى الأثرم، قال: أخبرنى أبو عبيدة، قال: حدثنى منتجع بن نبهان التّيمى- ويقال من عدى- قال: دخل عمر بن لجأ على [ابن] «٧٨» لقمان الخزاعى- وكان على صدقات بنى تميم- فأنشده بيتا وهو قوله «٧٩»:
تريدين أن أرضى وأنت بخيلة ومن ذا الذى يرضى الأخلّاء بالبخل
[ ١٦٩ ]
فقال: لقد أنشدنى هذا البيت جرير. فقال عمر: سرقه والله منى جرير. فقال:
فبينا هو عنده إذ دخل عليه جرير، فقال له ابن «٨٠» لقمان: من يقول هذا؟ فقد زعم عمر بن لجأ أنك سرقته منه. قال: فتنازعا. فقال جرير: أنا أسرقه منك وأنت وصفت إبلك حتى إذا جعلتها مثل الهضاب وصفت فحلها كالظّرب الأسود من ورائها.
قال الأثرم: وذكر الأصمعى أن جريرا ذكر قول عمر «٨١»:
جرّ العجوز الثّنى من خفائها
الخفاء: طرف الكساء، ألا قلت:
جرّ الفتاة طرفى ردائها
فأبلغ عمر؛ فقال: إنما أردت ضعف العجوز.
قال: ثم رجع الحديث إلى أبى عبيدة: فقال عمر بن لجأ: أتعيب علىّ هذا وأنت القائل «٨٢»:
وأكرم عند المردفات عشية لحافا إذا ما جرّد السيف لامع
تركتهن حتى إذا لقحن- أى نكحن- لحقتهنّ عشية. قال: فقال «٨٣»:
يا تيم تيم عدى لا أبالكم لا يقذفنكم «٨٤» فى سوأة عمر
أحين صرت «٨٥» سماما يا بنى لجأ وخاطرت بى عن أحسابها مضر
خلّ الطريق لمن يبنى المنار به وابرز ببرزة حيث اضطرّك القدر
وبرزة أم عمر بن لجأ.
[ ١٧٠ ]
فقال عمر بن لجأ «٨٦»:
لقد كذبت وشرّ القول أكذبه ما خاطرت بك عن أحسابها مضر
فهذا بدء ما كان بينهما.
قال الأثرم: وأما عبيدة فزعم أنّ جريرا- وفى نسخة أخرى: وأما أبو اليقظان سحيم فزعم أنّ جريرا- قال: إن هذا ليس بعيب. قال: فبينى وبينك رجل؛ فجعلا بينهما عبيد بن غاضرة العنبرى، وكان حاضرا، فسألاه، فتابع ابن لجأ وعاب على جرير. فقال جرير قصيدته التى أولها «٨٧»:
أيشهد مثغور علينا وقد رأى نميلة «٨٨» منا فى ثناياه مشهدا [٦٠]
قال: مثغور: كسر الرياحىّ- وهو من بنى تميم ثغره، وبقيت منه بقية.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٨٩»، قال: قيل لجرير: ما صنعت فى التّيم «٩٠» شيئا! قال: إنهم شعراء لئام.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، قال: حدثنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام «٩١»، وحدثنى عبد الله بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن بشر، عن إسماعيل بن يعقوب الأعلم، قال: حدثنى محمد بن سلّام، قال: أخبرنى أبو الخطاب الزّرارى، عن حجناء بن جرير، قال: قلت لأبى: يا أبت، ما هجوت قوما قطّ إلا فضحتهم- أو قال أفسدتهم- إلا التّيم! قال: يا بنى، إنى لم أجد بناء أهدمه، ولا حسبا أضعه- أو قال: أصمه.
وكانت تيم رعاء غنم فيغدون فى غنمهم ثم يروحون، وقد جاء كلّ رجل منهم بأبيات فيرفدون بها عمر بن لجأ وكان أشعرهم السّرندى «٩٢» .
[ ١٧١ ]
أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل، قال: أخبرنا المدائنى، عن شهاب بن عبيد الله، قال: قيل لجرير: من هاجيت فكان أشدّ عليك؟ قال: التّيم، كنت أقول القصيدة أحبّ إلى من بكرى فيجتمعون فينقضونها حرفا حرفا.
وقيل له: يا أبا حزرة، صالحت كلّ من هاجاك أو أكثرهم غير التيم. قال: إنهم شعراء لئام.
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنى أحمد بن محمد الأسدى، قال: أخبرنا محمد بن صالح بن النّطاح، عن أبى عبيدة، قال: لما قال جرير لابن لجأ «٩٣»:
يا تيم هل لك مثل أسرة حاجب أو مثل آل عتيبة بن شهاب
فقال له قائل: أنت بالأمس تهجوهم والآن تفخر بهم. قال: إن الشعراء لئام.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٩٤»، قال: حدثنى أبو الغرّاف، قال: دخل جرير على الوليد بن عبد الملك وهو خليفة وعنده ابن الرّقاع العاملى، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين. قال: هذا رجل من عاملة. قال: الذين يقول الله ﷿ «٩٥»: «عاملة ناصبة، تصلى نارا حامية» . ثم قال:
يقصّر باع العاملىّ عن العلا ولكنّ أبر العاملىّ طويل
فقال العاملىّ:
أأمّك كانت أخبرتك بطوله أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول
فقال: لا، بل لم أدر كيف أقول.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، وأخبرنى محمد بن العبّاس، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، قال: حدثنى
[ ١٧٢ ]
العمانى الراجز، قال: حدثنى نوح بن جرير، قال: قلت لأبى: يا أبت من أشعر الناس؟ قال: قاتل الله قرد بنى مجاشع- يعنى الفرزدق- فعلمت أن قد فضّله. قلت:
ثم من؟ قال: قاتل الله نصرانىّ «٩٦» بنى تغلب، فما أنقى شعره، وأبين فضله! قال:
قلت: فما لك لا تذكر نفسك؟ قال: أنا مدينة الشعر.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى وعبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا الرياشى، قال: أخبرنا أبو الخطاب البهدلى عن نوح بن جرير، قال: قلت لأبى: أيما أشعر أنت أم الأخطل؟ قال: فقال: إنى أعنت عليه بتولية من سنّه وكفر من دينه، وما رأيته فى موضع قطّ إلّا خشيت أن يبتلعنى.
أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة [٦١]، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: أخبرنى سعدان بن المبارك، عن أبى عبيدة، قال: حدثنى أدهم العنبرى- وهو ختن لابن الكلبى- وكان عالما بأيام الناس ذاسنّ وتجرية- عن رجل أراه من بنى سعد.
وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أحمد بن معاوية، قال: حدثنى بعض أصحابنا عن رجل من بنى سعد، وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، أن أبيه، قال:
حدثنى إسحاق الموصلى، عن رجل من بنى سعد «٩٧»: كنت مع نوح بن جرير فى أصل شجرة- أو قال سدرة- فقلت له: قّبحك الله وقّبح أباك، أما أبوك أفنى عمره فى مدح عبد ثقيف- يعنى الحجاج- وأما أنت فإنك مدحت قثم بن العباس، فلم تهتد لمناقبه ومناقب آبائه حتى مدحته بقصر بناه.
فقال: أما والله لئن كنت سؤتنى فى هذا الموضع لقد سؤت فيه أبى: بينا أنا آكل معه يوما- وفى يده لقمة وفى فيه أخرى- فقلت: يا أبت؛ أأنت أشعر أم الأخطل؟
فجرض بالتى فى فيه- أى غصّ بها- وهو يجرض بريقه- أى يغصّ به- ورمى بالتى فى
[ ١٧٣ ]
يده؛ ثم قال: يا بنى، لقد سررتنى وسؤتنى؛ فأمّا ما سررتنى به فتعاهدك مثل هذا وشبهه وسؤالك عنه، وأما ما سؤتنى به فذكرك رجلا قد مات. يا بنى، لو أدركنى «٩٨» الأخطل وله ناب آخر لأكلنى، ولكنى أعنت عليه بخصلتين- وقال ابن شبّة: ولكن أعاننى عليه خصلتان- كبر سنّ، وخبث دين.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن ابن الأعرابى، قال: قال جرير- وسئل عن الأخطل، فقال: ما غلبنى إلا فى هذه القصيدة «٩٩»:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرّباب خيالا
فيها يقول:
أبنى كليب «١٠٠» إنّ عمّى الّلذا «١٠١» قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
وحدثنى عبد الله بن أحمد، عن ثعلب، عن ابن الأعرابى، قال: قيل لجرير: أيما أشعر أنت فى قولك «١٠٢»:
حىّ الغداة برامة الأطلالا رسما تحمّل أهله فأحالا
أم الأخطل فى جوابها: «كذبتك عينك»؟ قال: هو أشعر منى، إلا أنى قد قلت فى قصيدتى بيتا لو أنّ الأفاعى نهشت أستاههم ما حكّوها حيث أقول «١٠٣»:
والتغلبىّ إذا تنحنح للقرى حكّ استه وتمثّل الأمثالا
[ ١٧٤ ]
قال قدامة بن جعفر الكاتب «١٠٤»: الإقواء فى شعر الأعراب كثير، وفيمن دون الفحول من الشعراء؛ وهو أن يختلف إعراب القوافى، فتكون قافية مرفوعة وأخرى مخفوضة.
قال إسحاق: قلت ليونس: عبيد الله بن الحرّ يقوى؟ فقال: الإقواء خير منه.
وقد ركب بعض الفحول الإقواء فى مواضع؛ مثل ما قال سحيم بن وثيل الرياحى «١٠٥»:
عذرت البزل إن هى خاطرتنى فما بالى وبال ابن «١٠٦» الّلبون
وماذا يدّرى «١٠٧» الشعراء منّى وقد جاوزت رأس الأربعين «١٠٨»
فنون الأربعين مفتوحة، ونون اللبون مكسورة، ولكن كأنه وقف القوافى فلم يحركها.
وقد قال جرير «١٠٩»:
عرين من عرينة ليس منّا برئت إلى عرينة من عرين
[٦٢] عرفنا جعفرا وبنى عبيد وأنكرنا زعانف آخرين «١١٠»
[ ١٧٥ ]