[١] حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال:
_________________
(١) هو مروان بن سليمان بن يحيى بن أبى حفصة. وكان أبو حفصة مولى لمروان بن الحكم وأعتقه يوم الدار لأنه أبلى حينئذ. وهو من المجيدين المحكمين للشعر. وفد على المهدى وولديه ومدحهم، وكان ذا منزلة منهم يجزلون عطاءه ويقدمونه على سائر الشعراء. ومدائحه لمعن بن زائدة- فى أيام المنصور- عجيبة. وقد ولد سنة خمس ومائة ومات فى أيام الرشيد سنة اثنتين وثمانين ومائة، ودفن ببغداد. وترجمته فى طبقات ابن المعتز (٤٢)، ومعجم المرزبانى (١٣٧)، والشعر والشعراء (٧٣٩) .
[ ٣١٨ ]
حدثنا الرّياشى، قال: سألت الأصمعىّ عن مروان بن أبى حفصة، فقال لى: كان مولّدا، ولم يكن له علم باللغة.
وأخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن علىّ المنجّم، عن أبيه، قال: أخبرنى ابن مهرويه، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع [١٣٩]، قال: سمعت الأصمعى- وذكر مروان بن أبى حفصة، فقال: كان مولدا، ولم يكن له علم باللغة؛ حضرته فى حلقة يونس، وسأل يونس عن قول زهير «٣٧»:
فبتنا عراة عند رأس جوادنا يزاولنا عن نفسه ونزاوله «٣٨»
قال: فقال مروان: من «العراواء «٣٩»» من البرد. قال: فقلت له: أخطأت، لو كانت من «العرواء» لقال: فبتنا معروين؛ إنما عنى أنهم باتوا مشمّرين كما يقال: تجرّد فلان للأمر «٤٠» .
قال محمد بن داود: قال يزيد المهلبى: ليست لأهل اليمامة فصاحة، ولا لأشعارهم سهولة. قال محمد «٤١»: وكان مروان بن أبى حفصة ينقّح الشعر ويحكّكه، ولم يكن مطبوعا.
أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى على بن مهدى، قال: حدثنى أبو حاتم السحستانى، قال: قلت للأصمعى: أبشّار أشعر أو مروان؟
قال: فقال: بشار أشعرهما. قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأنّ مروان سلك طريقا كثر سلّاكه فلم يلحق بمن تقدمه، وإن بشارا سلك طريقا لم يسلكه أحد، فانفرد به وأحسن فيه؛ وهو أكثر فنون شعر، وأقوى على التصرف، وأغزر وأكثر بديعا، ومروان آخذ بمسالك الأوائل.
[ ٣١٩ ]
قال أبو حاتم: ولما قدم الأصمعى من بغداد دخلت إليه، فسألته عمّن بها من رواة الكوفة. قال: رواة غير منقّحين، أنشدونى أربعين قصيدة لأبى دواد الإيادى قالها خلف الأحمر، وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، إليها يرجعون، وبها يفتخرون. وقد ختموا الشعراء بمروان بن أبى حفصة، ولو ختموهم ببشار كان أخلق؛ وإنما مروان من أقران سلم الخاسر، وقد تزاحما بالشعر فى مجالس الخلفاء، وسوّى بينهما فى الصلة، وسلم معترف لبشار، ولقد كان بشار يقوّم شعر مروان.
قال أبو حاتم: وقال أبو زيد الأنصارى [١٤٠]: مروان أجدّ وبشار أهزل. فحدثت الأصمعى بقول أبى زيد، فقال: بشار يصلح للجدّ والهزل، ومروان لا يصلح إلا لأحدهما.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أبو مالك الحنفى اليمامى أنّ شعر مروان بن أبى حفصة كان يأخذ أكثره من دعامة بن عبد الله بن المسيّب الطائى اليمامى؛ وأنشدنى له:
ياوجه من لا يرتجى نيله ولست بالآمن من ضيره
كأنه القرد إذا ما مشى، يعتله «٤٢» القرّاد فى سيره
قال: وأنشدنى لدعامة الطائى:
أضحت حكيمة قد براك هواكها وبدت شجونك إذ رأيت شباكها
أهدت إليك مودة مكنونة فى الصدر يعرف يادعام رضاكها
أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى ابن مهرويه، قال: حدثنى على بن محمد بن سليمان النوفلى، قال: سمعت أبى يذكر، قال: كان رجل من باهلة اليمامة امتدح مروان بن محمد بشعر يقول فيه:
مروان يابن محمد أنت الذى زيدت به شرفا بنو مروان
فوقع مروان فى حروبه، فلم يخرج إليه الرجل حتى قتل مروان، ولقى مروان ابن أبى
[ ٣٢٠ ]
حفصة هذا الباهلى فأنشده القصيدة، فقال له مروان بعنيها. واكتمها علىّ. ففعل، فاشتراها منه بثلاثمائة درهم، وقلب الاسم، فقال «٤٣»:
معن بن زائدة الذى زيدت به شرفا على شرف بنو شيبان
وتممها، وجعلها مديحا لمعن.
وأخبرنى علىّ بن هارون، عن عمه يحيى بن على، عن أبيه على بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: قال مروان بن أبى حفصة: خرجت أريد معن بن زائدة فضمّنى الطريق وأعرابيا، فسألته: أين تريد؟ فقال: هذا الملك الشيبانى. قلت:
فما أهديت إليه؟ قال: بيتين. قلت: فقط! قال: إنى جمعت فيهما ما يسرّه [١٤١] .
فقلت: هاتيهما، فأنشدنى:
معن بن زائدة الذى زيدت به شرفا على شرف بنو شيبان
إن عدّ أيام الفعال فإنما يوماه يوم ندى ويوم طعان
قال: ولى قصيدة حكتها بهذا الوزن. فقلت: تأتى رجلا قد كثرت غاشيته، وكثر الشعراء ببابه؛ فمتى تصل إليه؟ قال: فقل. قلت: تأخذ منى ما أمّلت بهذين البيتين، وتنصرف إلى رحلك. قال: فكم تبذل؟ قلت: خمسين درهما. قال: ما كنت فاعلا؛ ولا بالضعف! قال: فلم أزل أرفق به حتى بذلت له مائة وعشرين درهما. فأخذها وانصرف. فقلت: إنى أصدقك. قال: والصدق بك أحسن. قلت: إنى قد حكت قافية توازن هذا الشعر، وإنى أريد أن أضمّ هذين البيتين إليها. قال: سبحان الله! لقد خفت أمرا لا يبلغك أبدا.
فأتيت معن بن زائدة، وجعلت البيتين فى وسط الشعر، وأنشدته؛ فأصغى نحوى، فوالله ما هو إلا أن بلغت البيتين فسمعهما، فما تمالك أن خرّ عن فرشه حتّى لصق بالأرض، ثم قال: أعد البيتين. فأعدتهما، فنادى: يا غلام، ائتنى بكيس فيه ألف دينار! فما كان إلا لفظه وكيسه، فقال: صبّها على رأسه! ثم قال: هات عشرين ثوبا من خاصّ كسوتى، ودابّتى الكذا، وبغلى الكذا. قال: فانصرفت بحباء الأعرابى لا بحباء معن.
[ ٣٢١ ]
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا مصعب بن عبد الله الزّبيرى، قال: اجتمع عند معن بن زائدة ابن أبى عاصية، وابن أبى حفصة، والضّمرى؛ فقال: لينشدنى كلّ رجل منكم أمدح بيت قاله فىّ. فأنشده ابن أبى حفصة «٤٤»:
مسحت ربيعة وجه معن سابقا لمّا جرى وجرى ذوو الأحساب
فقال له معن: الجواد يعثر فيمسح وجهه من العثار والغبار وغيرهما. وأنشد الضّمرىّ:
أنت امرؤ همّك المعالى ودون معروفك الربيع [١٤٢]
قال: ما أحسن ما قلت! ولكن لم تسمّنى ولم تذكرنى؛ فمن شاء انتحله. فقال ابن أبى عاصية:
إن زال معن بنى شريك لم يزل لندى إلى بلد بعير مسافر
ففضّله عليهم.