حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال حدثنا محمد بن سلام «١» عن أبى العقّار السدوسى، قال: قدم الأخطل الكوفة؛ وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال:
حدثنى يونس وعامر بن مالك وأبو الغرّاف، فألّفت ما قالوا، قالوا: قدم الأخطل الكوفة، فأتى الغضبان بن القبعثرى «٢» الشيبانى- وهو يومئذ سيّد بكر بن وائل- فسأله فى حمالة وكان سؤلة- مثال فعلة- فقال: إن شئت أعطيتك ألفين، وإن شئت أعطيتك درهمين.
قال: وما بال الألفين؟ وما بال الدّرهمين؟ قال: إن أعطيتك ألفين لم يعطكها كبير أحد، وإن أعطيتك درهمين لم يبق بالكوفة أحد «٣» من ربيعة إلا أعطاك درهمين، ونكتب لك إلى إخواننا بالبصرة فيجمعون لك درهمين درهمين، فتبلغ حاجتك، وتخفّ عليهم المؤنة، ولا تبهظهم، ويكثر لك النّيل.
قال: فهذه. قال: نقسمها إلى أن ترجع إلينا من البصرة.
وكتب له إلى سويد بن منجوف «٤» السدوسى- وهو زعيم بكر بن وائل بالبصرة- فأتى سويدا بالكتاب وأخبره بحاجته، فقام سويد وأقبل على قومه فقال: هذا أبو مالك قد جاءكم يسأل فى حمالة، وهو أهل أن نقضى حاجته، وهو الذى يقول «٥»:
_________________
(١) هو غياث بن غوث، من بنى تغلب، ويكنى أبا مالك. وكانت بينه وبين جرير مناقضات. وجعله ابن سلام من الطبقة الأولى من فحول الإسلام. وارجع فى ترجمته إلى طبقات ابن سلام ٣٨٦، والشعر والشعراء ٤٥٥، وخزانة الأدب ١- ٧٨. والأغانى ٨- ٣١٠.
[ ١٧٦ ]
إذا ما قلت قد صالحت بكرا أبى الأضغان «٦» لا النسب البعيد
وأيام لنا ولهم طوال يعضّ الهام فيهنّ «٧» الحديد
ومهراق الدّماء بواردات «٨» تبيد المخزيات ولا «٩» تبيد
هما أخوان يصطليان نارا رداء الموت «١٠» بينهما جديد
فهيّجهم على الأخطل. فقالوا: فلاها الله، إذا، والله لا نعطيه شيئا. فخرج وهو يقول «١١»:
فإن تمنع «١٢» سدوس درهميها فإنّ الرّيح طيّبة قبول
تواكلنى بنو العلّات «١٣» منهم وغالت مالكا ويزيد غول
قريعا «١٤» وائل هلكا جميعا كأنّ الأرض بعدهما محول
يريد مالك بن مسمع، ويزيد بن رويم الشيبانى.
وقال لسويد بن منجوف- وكان سويد رجلا تقتحمه العين وليس بذى منظرة «١٥»:
وما جذع سوء خرّق السوس أصله «١٦» لما حمّلته وائل بمطيق
ويروى:
خرّب السوس جوفه
وكان الأخطل «١٧» مع مهارته وشعره يسقط: كان مدح سماكا الأسدى، وهو
[ ١٧٧ ]
سماك الهالكىّ بن عمير «١٨» بن عمرو بن أسد، وبنو عمير يلقّبون القيون، ومسجد سماك بالكوفة معروف، وكان من أهلها، فخرج أيام علىّ ﵇ هاربا حتى لحق بالجزيرة، فمدحه الأخطل فقال «١٩»:
نعم المجير سماك من بنى أسد بالمرج «٢٠» إذ قتلت جيرانها مضر
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه «٢١» فاليوم طيّر «٢٢» عن أثوابه الشّرر
ويروى [٦٣]:
قد كنت أنبؤه فينا وأخبره إن سماكا بنى مجدا لأسرته
حتى الممات، وفعل الخير يبتدر
فقال سماك: يا أخطل؛ أردت مدحى فهجوتنى؛ كان الناس يقولون قولا فحقّقته.
فلما هجا سويدا قال له سويد: يا أبا مالك؛ ما تحسن أن تهجو، ولا أن تمدح؛ لقد أردت مدح الأسدى فهجوته، يعنى قوله:
قد كنت أحسبه قينا
كان الناس يقولون قينا فحققتها، وأردت هجائى فمدحتنى؛ جعلت وائلا كلها حمّلتنى أمورها، وما طمعت فى بنى ثعلبة فضلا عن بكر؛ فزدتنى تغلب «٢٣» .
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حمل الأخطل حمالات فى قومه، فقدم الكوفة فلقى رجالات بكر بن وائل، فسألهم، فقال له الغضبان بن القبعثرى: نعم ونعمة عين، أنت مخيّر: فإن شئت فألفين، وإن شئت فدرهمين. فقال: وما الألفان؟ وما الدرهمان؟ قال: إن شئت أعطيتك ألفين فلم يعطك مثلها من قومك إلا قليل، وإن شئت أعطيتك درهمين فلا يبقى من بكر بن وائل أحد إلا أعطاك درهمين، وأكتب لك إلى البصرة، فتأتى قومك، فتخارج لك بكر كلّها وترجع، وقد جمعنا لك، فيسهل على قومك الخرج، ويكثر لك النيل.
[ ١٧٨ ]
قال: فهذه إذا. وانحدر إلى البصرة- وأميرها يومئذ بشر بن مروان- فأتى مجلس بنى سدوس وسيّدهم يومئذ سويد بن منجوف، ومعه فى مجلسه رجل من بنى أسعد بن همّام، فتكلم الأخطل، وذكر حمالته، وأنه آلى ألّا يكلم فيها إلا ربعيّا؛ فأقبل عليه الأسعدى فقال: أولست الذى يقول:
إذا ما قلت قد صالحت بكرا أبى الأضغان لا النسب البعيد
وذكر الأبيات «٢٤» . فهيّجهم عليه، فقالوا: لا، لعمر الله، لا نرفدك ولا نعينك، وإنك منّا للهوان لأهل. فوثب الأخطل وهو يقول «٢٥»:
متى آت الأراقم لا يضرنى نبيب الأسعدىّ وما يقول
فإن تمنع سدوس درهميها فإنّ الريح طيّبة قبول
وإنّ بنى أميّة ألبستنى رداء كرامة ليست تزول
سيحملها أبو مروان بشر فذاك لكل مضلعة حمول
ويكفينى الذى استكفيت منه بفعل لا يمنّ ولا يحول
تواكلنى بنو العلّات منهم وغالت مالكا ويزيد غول
قريعا «٢٦» وائل ذهبا جميعا كأنّ الأرض بعدهما محول
ثم أتى بشرا فأنشده شعره، وشكا إليه الأسعدى. قال: وكم حمالتك يا أبا مالك؟
فأخبره. فأضعفها له. فقال الأخطل يهجو سويدا:
وما جذع سوء خرّق السوس جوفه لما حمّلته وائل بمطيق
فقال له سويد: يا أبا مالك، لا والله ما تحسن تهجو ولا تحسن تمدح، بل تريد الهجاء فيكون مديحا، وتريد المديح فيكون هجاء؛ قلت لى وأنت تريد هجائى: لما حملته وائل بمطيق، فجعلت وائل حمّلتنى أمورها؛ وما طمعت فى ذلك من بنى ثعلبة «٢٧» فضلا
[ ١٧٩ ]
عن بكر بن وائل، ومدحت فى نفسك سماك بن عمير أخا بنى أسد، وأردت أن تنفى عنه [٦٤] شيئا فحققته عليه حين تقول:
نعم المجير سماك من بنى أسد بالمرج إذ حملت جيرانها مضر
وذكر الأبيات.
هو سماك بن عمير بن عمرو، وبنو عمرو يدعون القيون. فلما سمع سماك الشعر قال: أبا مالك؛ كان هذا نبزا «٢٨» ننبز به، فأردت نفيه عنا فأثبتّه علينا.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، وعبد الله بن يحيى، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: سمعت أبا قبيصة محمد بن حرب بن قطن بن قبيصة بن مخارق الهلالى- وكان رجل أهل البصرة يوم مات- وأنشد قول الأخطل وهو يهجو قيسا:
وثائر قيس لا ينام ولا ينى وإلّا يجد إلّا الغشيمة يغشم «٢٩»
فقال: جزى أبو مالك خيرا، فقد بالغ فى المديح.
ومثل هذا وهو يهجو قيسا أيضا ويحض على زفر بن الحارث، فقال- وهو يخاطب عبد الله بن مروان «٣٠»:
بنى أميّة إنى ناصح لكم فلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر «٣١»
يظلّ مفترشا كالليث «٣٢» كلكله لوقعة كائن فيها له جزر «٣٣»
كتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبة، قال: يروى أن الأخطل كان فى مجلس ذكر أهله الشعراء، فقال: أين تجعلونى منهم؟ قالوا: أين تجعلك وقد
[ ١٨٠ ]
أخطأت فى أربع لا يخطأ فى مثلهن؟ قال: وما هنّ؟ قالوا: قلت فى زفر وأنت تريد أن تضع منه فرفعته حتى خوفت منه. فقال: صدقتم. وماذا؟ قالوا: وضغوت «٣٤» من الجحاف ضغوة أبقيت عارها على قومك إلى يوم القيامة. قال: صدقتم. وماذا؟ قالوا:
أردت هجاء سويد بن منجوف فمدحته. قال: صدقتم. وماذا؟ قالوا: أردت مديح سماك بن خرشة فهجوته. قال: صدقتم.
وأما خبر الجحاف فأخبرنى محمد بن يحيى قال: حدثنا الفضل بن الحباب عن دماذ، عن أبى عبيدة، قال: دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان وعنده الجحاف بن حكيم السلمى- وقد كان الجحّاف اعتزل حربهم تحرّجا ولم يدخل فى شىء منها- فلما رآه الأخطل عند عبد الملك قال «٣٥»:
ألا أبلغ الجحّاف هل هو ثائر بقتلى «٣٦» أصيبت من سليم وعامر
فخرج الجحّاف من عند عبد الملك وهو يجرّ مطرفه غضبا.
فقال عبد الملك للأخطل: ما أراك إلّا قد جررت على قومك شرّا. ومضى الجحّاف، فأتى قومه وافتعل كتابا، وحشا جربا ترابا، وقال: إن عبد الملك قد ولّانى بلاد بنى تغلب، وهذه الجرب فيها المال؛ فتأهّبوا وامضوا معى. فمضوا معه.
فلما أشرف على بلاد بنى تغلب نثر التراب، وخرّق الكتاب، وقال: ما من ولاية؛ ولكنى غضبت لكم- وأخبرهم بقول الأخطل عند عبد الملك- فاثأروا بقومكم. فشدّ على بنى تغلب بالبشر ليلا، وهم غارّون آمنون، فقتل منهم مقتلة عظيمة. وهرب الأخطل من ليلته مستغيثا بعبد الملك، فلما دخل عليه قال «٣٧»:
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فإلّا تغيّرها «٣٨» قريش بملكها يكن عن قريش مستماز ومزحل
[ ١٨١ ]
فقال له عبد الملك: إلى أين يا بن اللّخناء؟ قال: إلى النار يا أمير المؤمنين. قال: لو قلت غيرها قطعت لسانك.
ثم إن الجحّاف لقى [٦٥] الأخطل بعد ذلك فقال «٣٩»:
أبا مالك هلى لمتنى إذ حضضتنى على القتل، أم هل لامنى لك لائم؟
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا الزبير بن بكّار، وحدثنى عبد الله بن يحيى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله الزّهرى، عن عبد الرحمن بن أبى الزّناد، عن أبيه، عن عمر بن عبد العزيز بن مروان- أنه حضر الجحاف بن حكيم السّلمى والأخطل عند عبد الملك بن مروان والأخطل ينشد:
ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر بقتلى أصيبت من سليم وعامر
قال: فقبض الجحاف وجهه فى وجه الأخطل ثم قال:
نعم سوف نبكيهم بكل مهنّد وننعى عميرا بالرّماح الشواجر
يعنى عمير بن الحباب السّلمى. ثم قال: لقد ظننت يا بن النصرانية أنك لم تكن لتجترئ على ولو رأيتنى مأسورا. وأوعده.
فما زال الأخطل من موضعه حتى حمّ. فقال له عبد الملك: أنا جارك منه. قال:
هبك أجرتنى منه يقظان فمن يجيرنى منه نائما؟ قال: فضحك عبد الملك.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٤٠»: من الأبيات التى زادت قريحة قائلها على عقولهم قول الأخطل: ألا سائل الجحاف البيت. فقدّر أنه يعيّر الجحّاف بهذا القول ويقصّر به، فأجراه الجحاف مجرى التحريض، ففعل بقومه ما دعا الأخطل إلى أن قال:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة
البيت.
[ ١٨٢ ]
فلو سكت عن هذا بعد ذلك القول الأول كان أجمل به ثم لم يرض حتى أوعد وتهدد عند ذلك الخليفة:
فإن لم تغيّرها قريش بملكها
البيت.
وكقوله أيضا «٤١»:
لا هدى الله قيسا من ضلالتها ولا لعا لبنى ذكوان إذ عثروا
ضجّوا من الحرب إذ عضّت غواربهم وقيس عيلان من أخلاقها الضّجر
فقال له عبد الملك: لو كان كما زعمت لما قلت:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة
البيت.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: سألت بشارا الأعمى فقلت: يا أبا معاذ، أى الثلاثة أشعر جرير أو الفرزدق أو الأخطل؟ وكان عالما بصيرا- فقال: لم يكن الأخطل مثلهما ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه.
وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: قال بشار بن برد: والله ما كان الأخطل مثل جرير والفرزدق، ولكنهما كانا من مضر فكرهت ربيعة ألا يكون منها مثلهما فتعصّبت له ورفعت منه؛ ولقد كان يجتمع هو وجماعة من قومه على شرابهم، فيقول هذا بيتين ويقول هو الأكثر، ويختار الأخطل حتى تجتمع قصيدة، فيبعث بها إلى جرير. قال الصولى:
ولا أدرى ما هذا القول.
حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أبى إسحاق الطّلحى، قال: أخبرنى إبراهيم بن سعدان، قال: قال ابن بشير المدينى: وفدت إلى بعض ملوك بنى أمية، فمررت بقرية فإذا رجل مرنّح بالشراب قائم يبول، فسألته عن الطريق فقال: أمامك. ثم لحقنى فقال: ادن دونك وعليك الحانة. فدخلت فاجترّ سفرة، واستلّ سلّة، فأخرج منها رغفانا ووذرا «٤٢» من لحم، فقال: أصب. فأصبت؛ ثم سقانى [٦٦] خمرا فإذا أبو
[ ١٨٣ ]
مالك «٤٣» . ثم قال: كيف علمك بالشعر؟ قلت: رويت. فأنشدنى قصيدته «٤٤»:
صرمت حبالك زينب ورعوم
فلما انتهى إلى قوله:
حتى إذا أخذ الزّجاج أكفّنا نفحت فأدرك ريحها المزكوم
قال. ألست تزعم أنك تبصر الشعر؟ قلت: بلى. قال: فكيف لم تشقّ بطنك فضلا عن ثوبك عند هذا البيت؟ قلت: قد فعلت عند البيت الذى سرقت هذا منه. قال:
وما هو؟ قلت: بيت الأعشى «٤٥»:
من خمر عانة قد أتى لختامها حول تفضّ غمامة المزكوم «٤٦»
فقال: أنت تبصر الشعر.
فلما صرت إلى سليمان سمرت معه بهذا أول بدأتى.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الأشناندانى، قال: أخبرنا التّوزى: قال: اختصم رجلان أحدهما من بنى قيس بن ثعلبة، والآخر من بنى تغلب إلى رجل من النمر بن قاسط فى قول الأعشى:
من خمر عانة قد أتى لختامها
البيت.
وقول الأخطل «٤٧» .
وإذا تعاورت الأكفّ زجاجها نفحت فنال «٤٨» رياحها المزكوم
[ ١٨٤ ]
فقال النمرى: والله ما سوّى بينهما، إنما جعلها الأخطل ينال المزكوم رياحها وجعلها الآخر تستلّ زكامه.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال: حدثنا مالك بن غسان بن مسمع المسمعى، قال: حدثنا حسان بن أدهم المازنى- وكان علّامة؛ وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا أبو ذكوان، قال: حدثنا الهيثم بن عدىّ، قالا: دخل الشعبى على الأخطل فوجده ثملا من النبيذ وحوله لخالخ «٤٩» ورياحين، فقال له: يا شعبى؛ فعل الأخطل بأمهات الشعراء، ترفث. فقال له الشعبى: بم ذاك يا أبا مالك؟ قال: بقولى «٥٠»:
وتظلّ تنصفنا «٥١» بها قرويّة إبريقها برقاعه ملثوم
فإذا تعاورت الأكفّ زجاجها نفحت فنال «٥٢» رياحها المزكوم
فقال له الشعبى: فأشعر منك الذى يقول «٥٣»:
وأدكن عاتق جحل سبحل «٥٤» صبحت براحه شربا كراما
من اللائى «٥٥» حملن على الروايا «٥٦» كريح المسك تستلّ الزّكاما
فقال له الأخطل: من يقول هذا يا شعبى؟ قال: الأعشى. فقال: قدّوس قدوس، فعل الأعشى بأمهات الشعراء.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا إسماعيل بن أبى محمد، قال: أخبرنى أبى- يعنى أبا محمد اليزيدى- قال: تذاكر
[ ١٨٥ ]
الفرزدق والأخطل جريرا؛ فقال له الأخطل: والله إنك وإياى لأشعر منه، غير أنه قد أعطى من سيرورة الشعر شيئا ما أعطيه أحد؛ لقد قلت بيتا ما أعرف فى الدنيا بيتا أهجى منه «٥٧»:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمّهم بولى على النار
تمامه:
فتمسك البول بخلا لا تجود به ولا تبول لهم إلا بمقدار
والخبز كالعنبر الوردىّ عندهم والقمح سبعون إردبّا بدينار
فقال هو: «٥٨»
والتغلبىّ إذا تنحنح للقرى حكّ استه وتمثّل الأمثالا
فلم يبق سقّاء «٥٩» ولا أمة إلا رواه.
قال: فقضيا يومئذ لجرير أنه أسير شعرا منهما.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، وحدثنى [٦٧] على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قالا: قال جرير:
إنه والله ما يهجونى الأخطل وحده، وإنه ليهجونى معه خمسون شاعرا كلّهم غزير ليس بدون الأخطل، وذلك أنه إذا أراد هجائى جمعهم على شراب، فيقول هذا بيتا وهذا بيتا حتى يتمّوا القصيدة وينتحلها الأخطل.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى محمد بن سلام، قال: قلت لعبّاد بن الحجاج أبى الخطاب- وكان يميل إلى الشعوبية، وكان عالما بالشعر، مائلا إلى الأخطل يتعصّب بالرّبعية: أترى الأخطل مجيدا فى مديحه لعبد الملك حيث يقول «٦٠»:
وقد جعل الله الخلافة فيكم لأزهر لا عارى الخوان ولا جدب
[ ١٨٦ ]
فقال: نتف ابن النصرانية إبطيه.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطّار، عن العنزى، قال: حدثنى يزيد بن محمد المهلّبى، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم، وأخبرنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق الموصلى، عن السعيدى خالد بن سعيد من ولد سعيد بن العاص، قال: كان الأخطل يقول: نحن معاشر الشعراء أسرق من الصاغة.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: قال الأخطل لعبد الملك بن مروان: أيزعم ابن المراغة أنه بلغ مدحتك فى ثلاثة أيام وقد أفنيت بمديحك فى قصيدة حولا ما بلغت كلّ الذى أردت؟ فقال له عبد الملك: فأنشدنى؛ فأنشده «٦١»:
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا «٦٢»
فقال عبد الملك: بل منك إن شاء الله- تطيّرا.
وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال:
حدثنى محمد بن صالح بن النطاح، عن كهمس بن الحسن، قال: لما أنشد الأخطل عبد الملك:
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا
تطيّر عبد الملك، فقال: لابل منك، لابل منك، فجعله الأخطل:
فراحوا اليوم أو بكروا
قال على بن يحيى: وذكر بعض أهل العلم أنه لما انتهى من القصيدة إلى قوله:
وقد نصرت أمير المؤمنين بنا لما أتاك ببطن الغوطة الخبر
فقال عبد الملك: بل الله أيّدنى.
[ ١٨٧ ]
وحدثنا محمد بن القاسم الأنبارى، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الربعى، قال: حدثنى أحمد بن عثمان بن محمد، قال: حدثنى أبى، وحدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن العنزى، قال: حدثنى أحمد بن عثمان بن محمد العثمانى، قال: حدثنى أبى، وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبة؛ قالا: لما أنشد الأخطل عبد الملك:
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا
قال عبد الملك: بل منك، لا أم لك! وتطير عبد الملك من قوله، فعاد فقال:
فراحوا اليوم أو بكروا
[ ١٨٨ ]