أخبرنى الصولى، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: حدثنى أحمد بن خالد المباركى، وهو أبو سعيد الضّرير، قال: سمعت الأصمعى يقول:
لا أحبّ قول زهير «١»:
فتنتج لكم غلمان أشأم، كلّهم كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم «٢»
قال: إنّ ثمود لا يقال لها عاد «٣»، لأن الله ﷿ إنما نسب قدارا إلى ثمود. قيل:
فقد قال «٤»: «أهلك عادا الأولى»؛ فقال: معناه التى كانت قبل ثمود، لا أنّ هاهنا عادين.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الورّاق، وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، وحدثنى أحمد بن إبراهيم البزاز، وأحمد بن محمد الجوهرى؛ قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قالوا: حدثنا على بن الصباح، قال: حدثنا أبو المنذر هشام بن محمد الكلبى، عن إسحاق بن الجصاص، قال: قال زهير بن أبى سلمى بيتا ونصفا، ثم أكدى «٥»؛ فمرّ به نابغة بنى
_________________
(١) هو زهير بن ربيعة بن قرط، وهو أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء فى الجاهلية، وهم امرؤ القيس، والنابغة الذبيانى، وزهير. وقد عده ابن سلام من شعراء الطبقة الأولى. وكان زهير جاهليا لم يدرك الإسلام. ويقال إن زهير توفى قبل مبعثه ﷺ بسنة. وهو من أصحاب المعلقات، وديوانه مطبوع فى دار الكتب. وترجمة فى ابن سلام ٥٢، والشعر والشعراء ٨٦، ومقدمة ديوانه.
[ ٤٧ ]
ذبيان، فقال: يا أبا أمامة- هذا لفظ ابن أبى سعد، وقال ابن شبة: يا أبا يمامة، وقال العنزى: يا أبا ثمامة- أجز. قال: وما قلت؟ قال: قلت «٦» .
تراك الأرض إمّا متّ خفّا وتحيى إن حييت بها ثقيلا
نزلت بمستقرّ العزّ منها
أجز. قال: فأكدى والله النابغة أيضا. وأقبل كعب بن زهير وإنه لغلام، فقال له أبوه: أى بنىّ؛ أجز. قال: وما أجيز؟ فقال [١٩]:
تراك الأرض إما متّ خفّا وتحيى إن حييت بها ثقيلا
نزلت بمستقرّ العزّ منها
وماذا؟ فقال كعب:
فتمنع جانبيها أن يزولا
قال: فضمّه إليه، وقال: أنت والله ابنى. وقال ابن شبة: أشهد أنك ابنى.
وأخبرنى أبو ذرّ القراطيسى، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبى الدّنيا، قال:
حدثنا أحمد بن المقدام العجلى، قال: حدثنا عمر بن على، قال: حدثنا زكريا مولى الشّعبى، عن الشعبى- أن النابغة الذبيانى قال للنعمان بن المنذر «٧» .
تراك الأرض إما مت خفّا وتحيى إن حييت بها ثقيلا
فقال النعمان: هذا بيت إن أنت لم تتبعه بما يوضّح معناه كان إلى الهجاء أقرب منه إلى المديح؛ فأراد ذلك النابغة فعسر عليه، فقال: أجّلنى. قال: قد أجّلتك ثلاثا، فإن أنت أتبعته ما يوضّح معناه فلك مائة من العصافير «٨» نجائب؛ وإلا فضربة بالسيف أخذت منك ما أخذت.
[ ٤٨ ]
فأتى النابغة زهير بن أبى سلمى، فأخبره الخبر، فقال زهير: اخرج بنا إلى البرّية؛ فإن الشعر برّىّ. فخرجا، فتبعهما ابن لزهير يقال له كعب، فقال: يا عمّ؛ أردفنى.
فصاح به أبوه، فقال النابغة: دع ابن أخى يكون معنا؛ فأردفه، فتجاولا البيت مليّا، فلم يأتهما ما يريدان. فقال كعب: فما يمنعك أن تقول:
وذاك بأن حللت العزّ منها فتمنع جانبيها أن يزولا
فقال النابغة: جاء بها وربّ الكعبة؛ لسنا والله فى شىء. قد جعلت لك يا ابن أخى ما جعل لى. قال: وما جعل لك يا عم؟ قال: مائة من العصافير نجائب. قال: ما كنت لآخذ على شعرى صفدا «٩» . فأتى النابغة النعمان بالبيت، فأخذ مائة ناقة سوداء الحدقة.
أخبرنا ابن دويد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى الأصمعى، قال: طفيل الغنوى أشبه الشعراء الأولين من زهير.
قال: ثم قال أبو عمر بن العلاء- وسأله رجل وأنا أسمع- النابغة أشعر أم زهير؟
فقال: ما يصلح زهير أن يكون أجيرا للنابغة.
ثم قال: أوس بن حجر أشعر من زهير، ولكن النابغة طأمنه.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «١٠»، قال: حدثنى أبو عبيدة، قال: كان قراد بن حنش المرى من شعراء غطفان، وكان قليل الشعر جيّده، وكانت شعراء غطفان تغير على شعره، فتأخذه وتدّعيه، منهم زهير بن أبى سلمى؛ ادّعى هذه الأبيات «١١»:
إنّ الرّزيئة لا رزيئة «١٢» مثلها ما «١٣» تبتغى غطفان يوم أضلّت
وهى لقراد بن حنش «١٤» .
[ ٤٩ ]
قال عبد الله بن المعتز: حكى عن ابن سلام- أو غيره- أنه قال: مما قدّم به زهير على الشعراء أنه كان أبعدهم من سخف، وأشدّهم اجتنابا لحوشىّ الكلام؛ فأىّ شىء نصنع بقوله «١٥»:
ولولا عسبه «١٦» لرددتموه وشرّ منيحة «١٧» أير معار
إذا جمعت «١٨» نساؤكم إليه أشظّ كأنه مسد مغار «١٩»
أشظّ: قام. قال: فهذا السّخف.
وأما حوشى الكلام فقوله «٢٠»:
فلست «٢١» بمثلوج ولا بمعلهج
يريد الدّعىّ. وقيل: المثلوج: البليد. والمعلهج: الأحمق.
وقوله «٢٢»:
بنهكة ذى قربى ولا بحقلّد
والحقلّد: السّيئ الخلق. قال: وقيل القصير الجبان.
قال: وعابوا عليه قوله فى الضفادع «٢٣»:
يخرجن من شربات ماؤها طحل على الجذوع يخفن الغمّ والغرقا «٢٤»
[ ٥٠ ]
لأن الضفادع لا تخرج من الماء لأنها تخاف الغمّ والغرق؛ وإنما تطلب الشطوط لتبيض هناك وتفرخ.
قال: وأنكروا عليه قوله «٢٥»:
ماء بشرقىّ سلمى فيد أو ركك «٢٦»
لأنه حكى عن بعض الأعراب أنه قال: إنما هو ركّ [٢٠] .
قال: وقال مؤدبى أبو سعيد محمد بن هبيرة الأسدى فى قول زهير «٢٧»:
رأيت المنايا خبط عشواء «٢٨» من تصب تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
إنه كان يسمع المشايخ يقولون: هذا بيت زندقة، وهو بعيد من أبياته التى يقول فى بعضها «٢٩»:
فيرفع فيوضع فى كتاب فيدّخر ليوم الحساب أو يعجّل فينقم
قال: وأعجب من زهير خطأ فى هذا المعنى- لأن زهيرا كان جاهليّا كافرا- زياد بن قنيع النّصرى فى سرقته هذا المعنى؛ لأنه فى أكبر ظنى مسلم، حيث يقول:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب يصر حرضا من عركها بالكلاكل
قال الشيخ أبو عبيد الله ﵀: وأنكر على زهير قوله «٣٠»:
[ ٥١ ]
حيّى «٣١» الديار التى لم يعفها القدم بلى وغيّرها الأرواح «٣٢» والدّيم
من جهة التناقض، لأنه نفى فى أول البيت تغيّر الديار بقدم عهدها، ثم أوجب ذلك فى آخره.
[ ٥٢ ]