قال قدامة بن جعفر «٦٨»: أفضل مديح الرجل ما قصد به الفضائل النفسية الخاصية لا بما هو عرضىّ فيه؛ وما أتى من المدح على خلاف ذلك كان معيبا.
ومن الأمثلة الجياد فى هذا الموضع ما قاله عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن قيس
_________________
(١) هو المغيرة بن عبد الله، شاعر صاحب شراب. وهو أحد مجان الكوفة، هجا عبد الملك، ورثى مصعب بن الزبير. وترجمته فى الشعر والشعراء ٥٤١، والمرزبانى ٢٧٣، والآمدى ٧١، والأغانى ١٠- ٨٠، والخزانة ٢- ٢٧٩، وألقاب الشعراء ٣٠١.
(٢) هو أيمن بن خريم بن فاتك، من بنى أسد، وكان أبوه قد صحب النبى، وروى عنه أحاديث. وكان أثيرا عند عبد العزيز بن مروان. وترجمته فى الشعر والشعراء ٥٢٦، والأغانى ٢١- ٥.
[ ٢٨٢ ]
الرّقيّات- حيث عتب عليه فى مدحه إياه: إنك قلت فى مصعب بن الزبير [١١٥] «٦٩»:
إنما مصعب شهاب من الله تجلّت عن نوره الظّلماء
وقلت فىّ:
يأتلق التاج فوق مفرقه على جبين كأنّه الذّهب
فوجه عيب عبد الملك إنما هو من أجل أن هذا المادح عدل به عن الفضائل النفسية التى هى العقل والعفة والعدل والشجاعة وما جانس ذلك، ودخل فى جملته إلى ما يليق بأوصاف الجسم فى البهاء والزينة، وذلك غلط وعيب.
ومنه قول أيمن بن خريم فى بشر بن مروان «٧٠»:
يابن الذّوائب والذّرى والأرؤس والفرع من مضر العفرنى الأقعس «٧١»
وابن الأكارم من قريش كلّها وابن الخلائف وابن كلّ قلمّس
يقال: عزّ قلمّس إذا كان قديما.
من فرع آدم كابرا عن كابر حتّى انتهيت إلى أبيك العنبس
مروان، إنّ قناته خطّيّة غرست أرومتها أعزّ المغرس
وبنيت عند مقام ربّك قبة خضراء كلّل تاجها بالفسفس «٧٢»
فسماؤها ذهب وأسفل أرضها ورق تلألأ فى البهيم الحندس
فما فى هذه الأبيات شىء يتعلق بالمدح الخفى؛ وذلك أن كثيرا من الناس لا يكونون كآبائهم فى الفضل؛ ولم يذكر هذا الشاعر شيئا غير الآباء، ولم يصف الممدوح بفضيلة فى نفسه أصلا.
[ ٢٨٣ ]
وذكر بعد ذلك بناءه قبّة، ثم وصف القبة أنها من الذهب والفضة؛ وهذا أيضا ليس من المدح؛ لأن بالمال «٧٣» والثروة مع الضعة والفهّة «٧٤» ما يمكن «٧٥» بناء القباب الحسنة وغيرها، واتخاذ كل آلة فائقة، ولكن ليس ذلك مدحا يعتدّ به، ولا نعتا جاريا على حقّه.
ومما نذكره فى هذا الموضع ليصحّ به شدة قبح هذا المدح قول أشجع بن عمرو بما يخالف اليسار «٧٦»:
يريد الملوك مدى جعفر ولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم فى الغنى ولكنّ معروفه أوسع
فقد أحسن هذا الشاعر حيث لم يجعل الغنى واليسار فضيلة، بل جعلها غيرهما.
وقال أيمن أيضا فى بشر «٧٧»:
لو أعطاك «٧٨» بشر ألف ألف رأى حقّا عليه أن يزيدا
وأعقب مدحتى سرجا خلنجا «٧٩» وأبيض جوزجانيّا عقودا «٨٠»
فإنا «٨١» قد وجدنا أمّ بشر كأمّ الأسد مذكارا ولودا
فجميع هذا المدح على غير الصواب، وذلك أنه أومأ إلى المدح بالتناهى فى الجود أولا، ثم أفسده فى البيت الثانى بذكر السرج وغيره، ثم ذكر فى البيت الثالث ما هو إلى أن يكون ذمّا أقرب؛ وذلك أنه جعل أمّه ولودا والناس مجمعون على أنّ نتاج الحيوانات الكريمة يكون أعسر «٨٢»، ومنه قول الشاعر «٨٣»:
بغاث الطير أكثرها فراخا وأمّ الصقر مقلات نزور «٨٤»
[ ٢٨٤ ]