قال قدامة بن جعفر «٩٠»: من الكلام المستقل فى الغزل قول عبد الرحمن بن عبد الله القسّ:
إن تنأ دارك لا أملّ تذكّرا وعليك منى رحمة وسلام
ومن المستخشن قول هذا الشاعر أيضا «٩١»:
سلّام «٩٢» ليت لسانا تنطقين به قبل الذى نالنى من صوته «٩٣» قطعا
فما رأيت أغلظ ممّن يدعو على معشوقة أجادت فى غنائها بقطع لسانها [١١٨]؛ لأن المذهب فى الغزل إنما هو الرقة واللطافة والشكل والدماثة. واستعمال الألفاظ اللطيفة المستعذبة المقبولة غير المستكرهة، فإذا كانت جاسية مستوخمة كان ذلك عيبا.
وبلغنى أنّ أبا السائب المخزومى لما أنشد قول إسحاق الأعرج مولى عبد العزيز بن مروان، وهو «٩٤»:
فلما بدا لى رابنى نزعت نزوع الأبىّ الكريم
قال: قبّحه الله، والله ما أحبّها ساعة قط.
ومثله لنابغة بنى تغلب- واسمه الحارث بن غزوان «٩٥» - أحد بنى زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب «٩٦»:
هجرت أمامة هجرا طويلا وما كان هجرك إلا جميلا
_________________
(١) هو صاحب سلامة المغنية المشهورة.
[ ٢٨٧ ]
على غير بغض ولا عن قلى وإلّا حياء وإلّا ذهولا
بخلنا لبخلك قد تعلمين فكيف يلوم البخيل البخيلا «٩٧»
قال «٩٨»: ومما جاء فى الشعر من المتناقض على طريق المضاف قول عبد الرحمن القس «٩٩»:
وإنى إذا ما الموت حلّ بنفسها يزال بنفسى قبل ذاك فأقبر
فقد جمع بين قبل وبعد؛ وهما من المضاف؛ لأنه لا قبل إلا لبعد، ولا بعد إلّا لقبل؛ حيث قال: إنه إذا وقع الموت بها- وهذا القول كأنه شرط وضعه ليكون له جواب يأتى به- وجوابه هو قوله: يزال بنفسى قبل ذاك. وهذا شبيه بقول قائل لو قال: إذا انكسر الكوز انكسرت الجرة قبله؛ فجعل هذا الشاعر ما هو قبل «١٠٠» بعدا.
قال «١٠١»: ومما جاء فى الشعر من المتناقض على طريق الإيجاب والسلب قول عبد الرحمن القس «١٠٢»:
أرى هجرها والقتل مثلين فاقصروا ملامكم فالقتل أعفى وأيسر
فأوجب هذا الشاعر للهجر والقتل أنهما مئلان، ثم سلبهما ذلك بقوله: إنّ القتل أعفى وأيسر؛ فكأنه قال: إنّ القتل مثل الهجر وليس هو مثله «١٠٣» وأرى أنّ مما يجرى هذا المجرى قول يزيد بن مالك الغامدى حيث قال «١٠٤»:
أكفّ الجهل عن حلماء قومى وأعرض عن كلام الجاهلينا
[ ٢٨٨ ]
ثم قال فى هذه القصيدة بعد هذا البيت:
إذا رجل تعرض مستخفّا لنا بالجهل أوشك أن يحينا «١٠٥»
فقد أوجب هذا الشاعر فى البيت الأول لنفسه الحلم والإعراض عن الجهال [١١٩]، ونفى ذلك بعينه فى البيت الثانى بتعدّيه فى معاقبة الجاهل إلى أقصى مراتب العقوبات، وهو القتل.