أخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: حدثنى أبو صالح الفزارى أنّ قاسم بن جندل الفزارى- وكان
_________________
(١) هو الهيثم بن الربيع بن زرارة، كان يروى عن الفرزدق، وهو من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، شاعر راجز محسن على لوثة كانت فيه. وقد تقدمت بعض أخباره فى الحديث عن راعى الإبل صفحة ٢٠٧. وترجمته فى الشعر والشعراء ٧٤٩، واللآلىء ٢٤٤، والمؤتلف ١٠٣، والأغانى: ١٥- ٦١، والخزانة ٤- ٢٨٣، وأمالى المرتضى ٤٤٢.
(٢) هو الرماح بن أبرد. وميادة أمه، ويكنى أبا شراحيل، وأبا حرملة، وهو شاعر محسن. وقد وفد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك ومدحه فأمره بملازمته. وبقى ابن ميادة حتى أدرك أيام بنى العباس. وكان جيد الغزل، ونمطه نمط الأعراب الفصحاء. وترجمته فى طبقات ابن المعتز ١٠٦، والشعر والشعراء ٧٤٧، واللآلىء ٣٠٦، والخزانة ١- ٧٦، والمؤتلف ١٨٠
[ ٢٩٠ ]
عالما- قال لابن ميّادة: والله لقد جددت بشعرك وذكرت به، وإنى لأراه كثير السقط.
فقال ابن ميادة: يابن جندل، إنما الشعر كنبل فى جفيرك ترمى به الغرض؛ فطالع، وواقع، وعاضد، وقاصر.
الطالع: الذى يطلع الغرض؛ أى يعلوه لم يزغ يمينا ولا شمالا وهو يستحبّ.
والواقع: الذى يقع بالغرض. والعاضد: الذى يقع عن يمين الغرض أو شماله وهو شرّها.
والقاصر: الذى يقصر دونه فلا يبلغه وهو قاصد. والعاضد: ما بين الشبر إلى قيد القوس وكذلك القاصر.
وقال المتوكل بن عبد الله الليثى فى هذا المعنى:
الشعر لبّ المرء يعرضه والقول مئل مواقع النّبل
منها المقصّر عن رميّته ونواقر يذهبن بالخصل «١١٠»
يقال: نقر السهم فهو ناقر: إذا أصاب.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا محمد بن العباس الرياشى، قال: حدثنا أبى عن الأصمعى، قال الصولى: وحدثنى يحيى بن على، قال: حدثنى سليمان بن أيوب المدينى، قال: حكى الأصمعى أنّ السبب الذى هاج الشرّيين ابن ميّادة والحكم الخضرى- من خضر محارب- أنّ الحكم وقف ينشد بمصلّى المدينة قصيدته فى وصف الغيث، فمر به ابن ميّادة فوقف عليه يسمع، حتى انتهى إلى قوله:
يا صاحبىّ ألم تشيما عارضا نصح «١١١» الصّراد به فهضب المنخر
تصح: أى مطر. والصراد: موضع.
ركب البلاد وظلّ ينهض مصعدا نهض المقيّد فى الدّهاس «١١٢» الموقر
فحسده ابن ميّادة، فقال: أدهست وأوقرت «١١٣»، لا أمّ لك، فمن أنت؟ قال:
[ ٢٩١ ]
أنا الحكم الخضرى. قال: والله ما أنت فى بيت نسب ولا أرومة شعر. قال: قد قلت ما قلت، فمن أنت؟ قال: أنا ابن ميّادة، قال: قبح الله والدين [١٢١] خيرهما ميادة، لو كان فى أبيك خير ما انتسبت إلى أمك. أو لست القائل:
فلا برح الممدور «١١٤» ريّان ناعما وجيد أعالى صدره وأسافله
ويروى: «شعبه وأسافله»، فاستسقيت لأعاليه وأسافله وتركت وسطه، وهو خير موضع فيه لم تستسق له. فتهاجيا بعد ذلك.
الدّهاس: اللّين من الرمل. والمقيّد: البعير، فشبّه السحاب بثقل سيرها هذا البعير المقيّد الموقر فى موضع ليّن تغوص فيه قوائمه.
وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى محمد بن جعفر العطار، قال حدثنى ابن أبى سعد، قال: حدثنى عبد الله بن محمد القرشى، قال: حدثنى محمد بن سعيد المخزومى، عن عبد العزيز بن عمران، قال: أنشد الحكم الخضرى فى مصلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى وصف مطر: يا صاحبى ألم تشيما عارضا؛ وذكر مثله إلى آخره.
وأخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه- أنّ الخضرى لما خاطب ابن ميّادة فى بيته الأخير بما خاطبه به قال ابن ميادة: وأىّ شىء تريد وقد تركته لا يزال ريّان مخصبا، وقد جيد أعالى شعبه وأسافله؟ فغضب الخضرى؛ فهذا أوّل ما هاج بينهما الهجاء.
[ ٢٩٢ ]