أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى سوّار بن أبى شراعة، قال: حدثنى أبو العيناء، قال: حدثنى الجاحظ أن أبا عبيدة قال- وذكر أبا نواس: هو بمنزلة بان كملت آلته، ونقص بناؤه؛ وكان ينبغى أن يكون بناؤه أجود.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا يحيى بن على بن يحيى، قال: حدثنا أبى، قال: كان إسحاق بن إبراهيم الموصلى يتعصّب على أبى نواس، ويقول: هو يخطئ! وكان إسحاق فى كلّ أحواله ينصر الأوائل؛ فكنت أنشده جيّد قوله، فلا يحفل به؛ لما فى نفسه. فأنشدته «٢»:
وخيمة ناطور برأس منيفة تهمّ يدا من رامها بزليل «٣»
فكان على أمره. فقلت: والله لو كانت لبعض أعراب هذيل لجعلتها أفضل شىء سمعته قط.
وأخبرنى على بن عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى ابن أبى طاهر، قال: حدثنا على بن يحيى [١٥٠]، قال: كنت أجاذب أبا محمد إسحاق بن إبراهيم فى أبى نواس، وكان لا يرضاه، ولا يقول بتقديمه ولا استحسان شعره، ولقد أنشدته مرة قوله:
وخيمة ناطور برأس منيفة
[ ٣٣٢ ]
قال: وقلت له: والله لو قالها أجلّ المتقدمين فى الشعر مكانا لكان قد أجاد؛ قال:
فما رأيته هشّ لذلك، ولا قبله.
وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون، عن أبى الحسن على بن يحيى، قال: كان إسحاق الموصلى لا يعدّ أبا نواس شيئا، ويقول: هو كثير الخطأ، وليس على طريق الشعراء. قال: فكنت أنازله، فلا يحفل بذلك. فأنشدته يوما: «وخيمة ناطور » الأبيات، قال: فما رأيته هشّ لذلك. فقلت: والله لو كانت لبعض الأعراب المتقدمين لكانت فى أعيان الشعر عندك.
قال أحمد بن أبى سهل الحلوانى، وجدت بخطّ ابن شاهين: حدثنى محمد بن بشار البصرى المعروف بعسل، قال: سمعت شيخا من أهل أصبهان يقول: سمعت أبا نواس يقول: لو كان شعرى كله يملأ الفم ما تقدّمنى أحد.
حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: حدثنى الفضل بن محمد اليزيدى وغيره ممن كان يجالس إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: سمعت إسحاق- وذكر قوم عنده أبا نواس، فأفرطوا فى مدحه وتقديمه- قال: ما ظننت أنى أعيش إلى زمان أرى شعر أبى نواس ينفق «٤» فيه هذا النفاق، ولقد رأيته فى طبقة هو أخسهم إذا حضروا، وإنّ له على ذلك للشّىء بعد الشىء مما يحسن فيه.
حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن الحسين بن فهم، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: غنّى إبراهيم بن المهدى محمدا الأمين صوتا لم أحمده فى شعر لأبى نواس لم أرتضه، فقام إليه عن مجلسه، فقبّل رأسه. فقام إبراهيم فقبّل أسفل قدميه، فأمر له بثلاثمائة دينار. فقال إبراهيم: يا سيدى، قد أمرت لى إلى هذه [١٥١] الغاية بعشرين ألف ألف درهم. فقال: وهل هى إلّا خراج بعض الكور؟ قال: والشعر الذى تغنّى فيه إبراهيم قول أبى نواس فى محمد يمدحه:
يا كثير النّوح فى الدّمن «٥» لا عليها بل على السّكن
[ ٣٣٣ ]
سنّة العشّاق واحدة فإذا أحببت فاستكن
ظنّ بى من قد كلفت به فهو يجفونى على الظّنن
رشأ «٦» لولا ملاحته خلت الدّنيا من الفتن
يا أمين الله عش أبدا دم على الأيام والزّمن
أنت تبقى، والفناء لنا فإذا أفنيتنا فكن
تضحك الدنيا إلى ملك قام بالأحكام والسّنن
كيف تسخو النفس عنك وقد قمت بالغالى من الثمن
سنّ للنّاس النّدى فندوا «٧» فكأنّ البخل لم يكن
وقال قدامة بن جعفر «٨»: الفرق بين الممتنع والمتناقض أنّ المتناقض لا يكون، ولا يمكن تصوّره فى الوهم، والممتنع لا يكون ويجوز أن يتصوّر فى الوهم. ومما جاء فى الشعر- وقد وضع الممتنع فيه فيما يجوز وقوعه- قول أبى نواس:
يا أمين الله عش أبدا دم على الأيام والزّمن
فليس يخلو هذا الشاعر من أن يكون تفاءل لهذا الممدوح بقوله: «عش أبدا» أو دعاله، وكلا الأمرين بما «٩» لا يجوز مستقبح. ولعل معترضا أن يعترض «١٠» هذا القول بأن يجعل هذا القول غلوّا يلزمنا تجويزه كما أصّلنا تجويز الغلوّ فى الشعر واستجادته «١١»؛ فالفرق بين هذا الباب وباب الغلوّ أنّ مخارج الغلوّ إنما هى على «يكاد»، وليس فى قول أبى نواس: «عش أبدا» - موضع يحسن فيه «يكاد»؛ لأنه لا يحسن على مذهب الدعاء أن يقال: يا أمين الله تكاد تعيش أبدا.
قال: ومن التنقاقض قول أبى نواس أيضا يصف الخمر «١٢»:
[ ٣٣٤ ]
كأن بقايا ما عفا من حبابها تفاريق شيب فى سواد عذار «١٣»
فشبّه حباب الكأس بالشيب، وذلك قول جائز؛ لأن الحباب يشبه الشيب [١٥٢] فى البياض وحده لا فى شىء آخر غيره. ثم قال:
تردّت به ثم انفرى «١٤» عن أديمها تفرّى «١٥» ليل عن بياض نهار
فالحباب الذى جعله فى هذا البيت الثانى كالليل هو الذى «١٦» فى البيت الأول أبيض كالشيب، والخمر التى كانت فى البيت الأول كسواد العذار هى التى صارت فى البيت الثانى كبياض النهار؛ وليس فى هذا التناقض منصرف إلى جهة من العذر؛ لأنّ الأبيض والأسود طرفان متضادّان، وكلّ واحد منهما فى غاية البعد عن الآخر، فليس يجوز أن يكون شىء واحد يوصف بأنه أسود وأبيض إلّا كما يوصف الأدكن فى الألوان بالقياس إلى كل واحد من الطرفين اللذين هو وسط بينهما؛ فيقال: إنه عند الأبيض أسود وعند الأسود أبيض؛ وليس فيما قاله أبو نواس حال توجب انصراف ما قاله إلى هذه الجهة.
قال: ومن قول أبى نواس على طريق الإيجاب والسلب قوله «١٧»:
ولىّ عهد ماله قرين ولا له شبه ولا خدين «١٨»
أستغفر الله بلى هارون يا خير من كان ومن يكون
إلا النبىّ الطاهر «١٩» الميمون
فيصيّر هارون شبيها بولىّ العهد. ثم قال: إنه خير الناس، ولم يستثن بهارون، فكأنه
[ ٣٣٥ ]
إمّا خير منه، وليس خيرا منه لأنه شبيهه؛ أو شبيهه «٢٠» وليس بشبيهه لأنه خير منه، وهذا جمع بين النّفى والإثبات.
قال أحمد بن محمد الحلوانى: أخبرنى أبو سهل النّوبختى، قال: حدثنى يحيى بن جعفر، عن جماعة من أصحابنا أنّ أبا نواس أنشدهم قصيدته التى أولها «٢١»:
يا من يبادلنى عشقا بسلوان أم من يصيّر لى شغلا بإنسان
كيما أكون له عبدا أقارضه «٢٢» وصلا بوصل وهجرانا بهجران
فقالوا له: ما أنت بعبد إن كنت تقارضه وصلا بوصل وهجرانا بهجران، هذه حال النظير والمكافئ. فقال: ما أردت أنّ حكم العبد أن يخالف سيده فيما أحبّه أو كرهه، فجعلت نفسى له بهذه المنزلة.
قال [١٥٢] أبو سهل: وقد كان أحمد بن محمد بن ثوابة الكاتب ينكر أيضا معنى هذا البيت مثل ما أنكره أصحابنا، ولم يخطر بباله ما زعمه أبو نواس أنه أراده.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى إبراهيم بن المعلى، قال: حدثنى أبو الحسن الطوسى، قال: كنّا عند [ابن] «٢٣» الأعرابى، فقال: أيما أحسن عندكم قول أبى نواس «٢٤» .
وداونى بالتى كانت هى الداء
أو الذى أخذه منه، وهو قول الأعشى «٢٥»:
وكأس شربت على لذّة وأخرى تداويت منها بها
فسكتنا. فقال: الأول السابق أجود.
[ ٣٣٦ ]
أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: كان أبو نواس لحّانة. فمن ذلك قوله «٢٦»:
فما ضرّها ألا تكون لجرول ولا المزنى كعب ولا لزياد
لحن فى تخفيفه ياء النسب فى قوله «المزنى» فى حشو الشعر، وإنما يجوز هذا ونحوه فى القوافى، كما قالت امرأة تفخر بأخوالها من اليمن:
هوذة خالى ولقيط وعلى
وقال آخر يوم الجمل:
قتلت علباء وهند الجملى «٢٧» وابنا لصوحان على دين على
قال: وأنشد الأخفش:
جمعت قومى، وجمعت معشرى حتّى إذا ما لم أجد غير السّرى
كنت امرءا من مالك بن جعفر
قال: ومما يردّ من شعره، ويسقط ويطّرح قوله «٢٨»:
بحّ صوت المال ممّا منك يدعو، ويصيح
ما لهذا آخذ فو ق يديه أو نصيح
قال: وله فى قصيدة يمدح فيها العباس بن الفضل بن الربيع شىء يستملحه الأحداث، ويألفه المجّان، وليس بذاك، وهو قوله «٢٩»:
نديم كأس «٣٠» محدث ملك «٣١» تيه مغنّ وظرف زنديق
[ ٣٣٧ ]
فهذا قول ملحون مرذول ردىء الرّصف بعيده. وأما قوله «٣٢»:
كأنما رجلها قفا يدها رجل غلام يلهو بدبّوق ٣» [١٥٣]
فهذا كلام خسيس. وكذلك قوله «٣٤»:
إلى فتى «٣٥» أمّ ماله أبدا تسعى بجيب فى الناس مشقوق
وفى آخرها ما جمع بين كفر ولحن، وأكره حكايته لضعته وبطلانه. والطبعى ربما أساء وفرّط، ثم يبعثه طبعه على الشىء الجيد.
قال: ومن شعره الذى يذمّ قوله فى الرشيد «٣٦»:
لقد اتقيت الله حقّ تقاته وجهدت نفسك فوق جهد المتّقى
وليس هذا البيت أردت، ولكن ذكرته للذى بعده؛ لأنه معطوف عليه متصل به، وهو:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه لتخافكّ النّطف التى لم تخلق
هذا البيت بادى العوار جدّا، وقد ردّه فى مكان آخر، فقال «٣٧»:
هارون ألفنا ائتلاف مودّة ماتت لها الأحقاد والأضغان
حتى الذى فى الرحم لم يك صورة لفؤاده من خوفه خفقان
وما لم يك صورة فكيف يكون له فؤاد؟ فقد أحال، وأسرف، وتجاوز. وإنما ذكرنا مساوئه؛ لأن المنشد إذا ذكر شاعرا فوصفه ومدحه وقرّظه فليس يكاد يعدم مدافعا عن قوله، ومعارضا فيه؛ فيأتيه بهذا وبشبهه احتجاجا عليه ووضعا من صاحبه، فيكسفه بما
[ ٣٣٨ ]
لا يعرف، ويردعه من حيث لا يشعر؛ فإذا وقف على الإحسان والإساءة عرف قدر صاحبه، فاحترس مما يخاف أن يعارض به.
قال: وقد قال أبو نواس شيئا من الشعر فى الأمين اتّهم فيه؛ لأنه قال قولا عظيما لا يتكلّم بمثله مسلم، وهو قوله:
تنازع الأحمدان الشّبه فاشتبها خلقا وخلقا كما قدّ الشّرا كان
اثنان لا فصل للمعقول بينهما معناهما واحد والعدّة اثنان
قال: وله فى الأمين أشعار منها شىء مقبول، ومنها شىء ساقط. ومما أنكر من قوله قوله «٣٨»:
يا أحمد المرتجى فى كلّ نائبة قم سيّدى نعص جبّار السموات
لأن هذه أعظم جرأة، وأقبح مجاهرة، وأشدّ تبغّض إلى العزيز الجبار ﷿ أن يقول: «نعص جبّار السموات»؛ فذكر المعصية مع ذكر الجبار- عزّ اسمه [١٥٥]- وأنه إياه يقصد بالعصيان.
قال: وحدّثت عن أحمد بن أبى دواد أنه ذكر هذا البيت، فتفزّع له وجعل يقول:
لعنه الله، لعنه الله! وأحسن ابن أبى دواد فى لعنه إياه على هذا الكلام.
قال: وله فى الأمين، وليس بشىء «٣٩»:
ورث الخلافة خمسة وبخير سادسهم سدس
قال: ومما لم يجد فيه قوله «٤٠»:
قهوة تذكر نوحا حين شاد الفلك نوح
قال: وأما قوله:
يا من له فى عينه عقرب فكلّ من مرّ به تضرب
ومن له شمس على خدّه طالعة بالحسن ما تغرب
[ ٣٣٩ ]
فقد استملحه قوم، وليس عندى بحيث وضعوه. قال: وقوله «٤١»:
لا تعرّج «٤٢» بدارس الأطلال واسقنيها رقيقة السّربال
هذا المصراع فائق فى جودته جدّا، رقة ولطافة، وسلسا وسهولة؛ وتمامه غير مرضى؛ وهو قوله «٤٣»:
مات أربابها، وبادت قراها وبراها الزّمان برى الخلال
قال: وأما قوله:
لا تخدعنّ عن التى جعلت سقم الصحيح وصحة السقم
فأوهى كلام وأردؤه.
قال: وفى قصيدة أبى نواس التى أولها:
لست لدار عفت وغيّرها ضربان من قطرها وحاصبها
لحن فى غير موضع. قال: وقوله فيها «٤٤»:
اهج نزارا وأفر جلدتها
خطأ عند الأصمعى. زعم الأصمعى أنه يقول فى الفساد: فريت، وفى الإصلاح:
أفريت. وكان يقول: فريت أوداجه. وغيره يقول فى الخير والشر جميعا: فريت وأفريت.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى الحسين بن إسحاق، قال: حدثنى أحمد بن الحارث، قال: ذكر العتّابى أبا نواس فقال: هو والله شاعر ظريف، مليح الألفاظ، إلا أنه أفرط فى طلب البديع حتى قال:
لمّا بدا ثعلب الصدود لنا أرسلت كلب الوصال فى طلبه
قال الصولى: وقد روى فى خبر قد تقدّم أنّ مسلم بن الوليد قال: إنّ أبا نواس بخيل، ويصف المخلوقين بصفة الخالق ﷿؛ فمما أحال فيه قوله:
وأخفت أهل الشّرك حتى إنّه لتخافك النّطف التى لم تخلق
[ ٣٤٠ ]
فهذا مستحيل. وقوله «٤٥»:
تكلّ عن إدراك تحصيله عيون أوهام الضمايير
تنتسب الألسن من وصفه إلى مدى عجز وتقصير
وقوله:
برىء من الأشباه ليس له مثل
قال: ويروى أن العتّابى قال: لو كشف أبو نواس استه بين الناس كان أحسن من قوله:
وجه جنان أسراى بستان جمّع فيه من كل ألوان
قال: وروى عن مسلم بن الوليد أنه قال لأبى نواس: كيف يستوى قولك «٤٦»:
ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحا وأملّه ديك الصباح صياحا
فكيف يكون ارتياح وملل؟ فقال له أبو نواس: هذا لا عيب فيه، ولكن ما معنى قولك:
عاصى الشباب فراح غير مفنّد وأقام بين عزيمة وتجلّد
وهذه مناقضة؛ قلت «فراح»، ثم قلت «فأقام»؛ فكيف يكون راح وأقام؟
قال: وعابوا قوله:
رشأ تواصين القيان به
وعابوا قوله:
حتى عقدن بأذنه شنفا
وقالوا: إنما هو شنف، وهذا لا يجوز «٤٧» من جهات.
قال: وعابوا قوله للأمين:
يا خير من كان ومن يكون إلا النبىّ الطاهر الميمون
ولعمرى إنّ حقّ الكلام النصب: «إلا النبى الطاهر الميمونا»؛ وقول النحويين فى ذلك هو الصواب.
[ ٣٤١ ]
قال: وذكروا قوله فى أعابيثه:
تحرّك الهجر فقال الهوى ما هذه الضوضاء فى عسكرى؟
فجىء بالهجر يجرّونه، فلم يزل يصفع حتى خرى
قال: وعيب على أبى نواس قوله:
ذخرت لآدم قبل خلقته
قال: وقول أبى نواس «٤٨»:
يا شقيق النفس من حكم نمت عن ليلى ولم أنم
من قول والبة بن الحباب «٤٩»:
يا شقيق النفس من أسد نمت عن ليلى ولم أكد
قال: وقول والبة أجود، لأنه زعم أنه لم يكد ينام، وهذا قال: لم أنم، ويجوز أن يريد يكاد ويقارب النوم.
قال: وقول أبى نواس:
وجدنا الفضل أبعد من رقاش من ابن الأتن من ولد الفيول
قول ردىء ضعيف، مسروق ردىء السرقة؛ لأنه أراد قول يزيد بن مفرّغ يخاطب معاوية من البيت الثالث [١٥٧]:
ألا أبلغ معاوية بن حرب مغلغلة «٥٠» من الرجل اليمانى
أتغضب أن يقال: أبوك عفّ وترضى أن يقال: أبوك زان
فأشهد أنّ رحمك من زياد كرحم الفيل من ولد الأتان
قال أحمد بن محمد الحلوانى: وجدت بخط ابن شاهين: حدثنى محمد بن عبد الله
[ ٣٤٢ ]
الغنمى الكوفى النحوى، قال: أخذ علىّ بن المبارك الأحمر على أبى نواس فى شعره حرفين: قوله:
أسرع من قول قطاة قطّا
كان ينبغى أن يقول «قطا» بالتخفيف.
وقوله «٥١»:
كمن الشنآن فيه لنا ككمون النار فى حجره
وإنما ينبغى أن يقول: «فى حجرها» .
حدثنى المظفر بن يحيى، قال: غلط أبو نواس فى قوله يصف الكلب:
كأنما الأظفور من قنابه «٥٢» موسى صناع ردّ فى نصابه
لأنه ظنّ أنّ مخلب الكلب كمخلب الأسد والسنّور الذى ينستر إذا أراد حتى لا يتبيّنا، وعند حاجتهما تخرج المخالب حجنا «٥٣» محدّدة يفترسان بها، والكلب مبسوط اليد أبدا غير منقبض.
قال محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٥٤»: ينبغى للشاعر أن يتحرز فى أشعاره ومفتتح أقواله مما يتطيّر منه، أو يستجفى من الكلام والمخاطبات؛ كقول أبى نواس للفضل بن يحيى؛ فإنه أنكر عليه؛ وهو «٥٥»:
أربع البلى إنّ الخشوع لبادى عليك وإنى لم أخنك ودادى
فتطيّر منه الفضل، فلما انتهى إلى قوله:
سلام على الدّنيا إذا ما فقدتم بنى برمك من حاضرين وباد «٥٦»
[ ٣٤٣ ]
استحكم تطيّره، فيقال: إنه لم يمض إلا أسبوع حتى نزلت بهم النازلة.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى بنو نيبخت أنّ أبا نواس كان يقول:
حرصت على أن يقع لى فى الشعر «عين أباغ «٥٧»»، فامتنعت علىّ، فقلت: «عينى أباغ» ليستوى الشّعر- يعنى فى قوله «٥٨»:
رحلن بنا من عقرقوف وقد بدا من الصبح مفتوق الأديم نهير
فما نجدت بالماء حتى رأيتها مع الشمس فى عينى أباغ تغور [١٥٨]
قال: وعين أباغ موحدة لا مثناة؛ وليست بعين، إنما هى واد وراء الأنبار على طريق الفرات، قال: وهذان البيتان من قصيدته التى قالها لما قصد الخصيب بمصر؛ وأولها:
أجارة بيتينا أبوك غيور «٥٩»
يريد أنها جارة فى البيت والنسب.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى الحسن بن موسى، قال: حدثنى يعقوب بن إسحاق بن إسماعيل بن أبى سهل بن نيبخت، عن جده إسماعيل، قال: لما عمل أبو نواس فى الفضل بن يحيى قصيدته التى أولها «٦٠»:
طرحتم «٦١» من التّرحال أمرا فغمنا «٦٢»
فلما سمع الفضل «٦٣»:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد هواكم «٦٤»، لعلّ الفضل يجمع بيننا
قال: مازاد على أن جعلنى قوّادا!
[ ٣٤٤ ]
حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: حدثنى يحيى بن صالح بن بيهس الدّمشقى، قال: حدثنى أخى محمد بن صالح، قال: لما دخلت العراق وصرت إلى مدينة السلام سألت عمن بها من الشعراء المحسنين- وذلك فى خلافة الأمين أو عند قتله؛ فقيل لى: قد غلب عليهم فتى من أهل البصرة يعرف بأبى نواس، وقد كنت سمعت بشىء من شعره، أتانى به فتى كان يألفنى من أهل الأدب، فقلت له: هل تروى لأبى نواسكم هذا شيئا؟ قال: نعم:
أروى له أبياتا فى الزهد، وليس هو من طريقته، أنشدنيها آنفا، قلت: وما هى؟
قال «٦٥»:
أخى ما بال قلبك ليس ينقى «٦٦»
قلت: أحسن والله: فقال: أولا أنشدك أحسن من هذا؟ قلت: بلى:
فأنشدنى «٦٧»:
ساءك الدهر بشىء ولما سرّك أكثر
يا كبير الذّنب عفو اللّ هـ من ذنبك أكبر
قلت: وقد والله أحسن وأجاد؛ وما ظننته إذا سلك غير طريقه يحسن هذا الإحسان فيه! قال: أفما سمعت مرثّيته للأمين؟ قلت لا! فأنشدنى «٦٨»:
طوى الموت ما بينى وبين محمد وليس لما تطوى المنية ناشر [١٥٩]
فقلت: بحقّ ما غلب هذا على أهل الأدب، وقدّموه على غيره من الشعراء.
قال «٦٩» أبو الوليد يحيى بن صالح بن بيهس: فحدثت هذا الحديث أبا عبد الله محمد بن زياد الأعرابى، فقال: لو كان أخوك تصفّح جملة شعره لعلم أنّ فيه من الإساءة ما يعفّى على المحاسن، وأىّ الناس إذا تخيرت كلامه لم تجد له البيت والبيتين!.
[ ٣٤٥ ]
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن سعيد، عن الزبير بن بكار، قال:
قال رجل بمكة لأبى نواس: أأنت القائل:
يا بنى حمّالة الحطب حربى من ظبيكم حربى
قال: نعم! قال: قبّحك الله! تجمّشه بشتم أمه؟ قال: نعم! لأسكّن نخوته، وآخذ ثار الحقّ منه.
وأخبرنى الصولى قال: وجدت بخط محمد بن القاسم: حدثنى محمد بن على الكوفى، قال: لقى مدنى أبا نواس، فقال له: أأنت قائل هذا البيت؟ وذكر باقيه.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى عبد الله بن المعتز، قال: حدثنى الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى بعض الرواة عن مطيع- خادم كان للبرامكة- قال: كنت واقفا على رأس الرشيد إذ دخل أبو نواس، فقال له الرشيد: أنشدنى قولك فى الخصيب «٧٠»:
محضتكم «٧١» يأهل مصر مودّتى «٧٢»
فأنشده إياه، فلما بلغ قوله:
فإن يك باقى إفك فرعون فيكم فإن عصا موسى بكفّ خصيب
فقال له الرشيد: ألا قلت:
فباقى عصا موسى بكفّ خصيب
فقال له: هذا أحسن، ولم يقع لى.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون الكاتب، عن أحمد بن محمد بن جعفر، عن أبيه، قال: جلس الرشيد مجلسا فأفاض من حضره فى
[ ٣٤٦ ]
ذكر المطبوعين من الشعراء المحدثين إلى أن اتّصل الذّكر بأبى نواس، فغمز عليه سليمان بن أبى جعفر، فقال: يا أمير المؤمنين؛ كافر بالله، لا يرعوى من سكرة، ولا يأنف من فاحشة! وقد كان نمى إلى الرشيد من خبره شىء، فقال: يا عم، هل تأثر «٧٣» عنه من ذلك شيئا؟ قال قوله يا أمير المؤمنين «٧٤» [١٦٠]:
يا ناظرا فى الدين ما الأمر! لا قدر صحّ، ولا جبر!
ما صحّ عندى من جميع الذى تذكر إلا الموت والقبر
ثم أنشده قوله «٧٥»:
باح لسانى بمضمر السرّ وذاك أنى أقول بالدهر
وليس بعد الممات مرتجع وإنما الموت بيضة العقر «٧٦»
فاستشاط الرشيد غضبا، وطار شققا، وقال: علىّ بابن الفاعلة. فقال رجل من جلساء الرشيد: إن أذن لى أمير المؤمنين أنشدته من قول هذا الفاسق ما هو أشنع وأفظع مما أنشده أبو أيوب! قال: هات! قال: قوله فى غلام نصرانى:
تمرّ فأستحييك أن أتكلّما ويثنيك زهو الحسن عن أن تسلّما
حتى انتهى إلى قوله:
أليس عظيما عند كلّ موحّد غزال مسيحى يعذّب مسلما
فلولا دخول النّار بعد بصيرة عبدت مكان
«٧٧» عيسى بن مريما وأنشده أبياتا له فى نصرانىّ آخر أولها:
وملحّة بالعذل ذات نصيحة ترجو إنابة ذى مجون سارق
[ ٣٤٧ ]
بكرت تخوّفنى المعاد، وشيمتى غير المعاد، ومذهبى وخلائقى
فأجبتها كفّى ملامك إنّنى مختار دين أقسّة وجثالق
والله لولا أننى متخوّف أن أبتلى
ثم قطع الإنشاد فقال الرشيد: بماذا ويلك؟ فقال:
بإمام جور فاسق
قال: فضاق المجلس بأهله، وأنكر الرشيد نفسه. ثم قال: امض فيها! فقال:
لتبعتهم فى دينهم ودخلته ببصيرة منّى دخول الوامق «٧٨»
إنى لأعلم أنّ ربى لم يكن ليخصّهم إلا بدين صادق
فقال الرشيد للفضل: برئت من المنصور إن لم يبت هذا الكلب فى المطبق؛ لتنكرنّى فعلا وقولا! فوجّه الفضل من ساعته من أخذ بأفواه السكك، فوجد، فأودع المطبق.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا ميمون بن هارون الكاتب، عن الجمّاز، قال: كنت عند أبى نواس، قال: اسمع أبياتا حضرت، قلت: هات! فأنشدنى [١٦١] «٧٩»:
وملحّة باللوم «٨٠» تحسب أننى بالجهل أوثر صحبة الشطّار
بكرت علىّ تلومنى، فأجبتها إنى لأعرف مذهب الأبرار
فدعى الملام، فقد اطعت غوايتى، وصرفت معرفتى إلى الإنكار
ورأيت إتيانى اللذاذة والهوى وتعجّلا «٨١» من طيب هذى الدار
أحرى وأحزم من تنظّر آجل علمى به رجم من الأخبار
ما جاءنا «٨٢» أحد يخبّر أنه فى جنة من مات أو فى نار
[ ٣٤٨ ]
فلما بلغ إلى هذا البيت قلت له: يا هذا، إنّ لك أعداء وهم ينتظرون مثل هذه السقاط [فينتهزونها ليجدوا السبيل بها إلى الطعن عليك والقدح فيك إلى السلطان] «٨٣»، فاتق الله فى نفسك، ودع الإفراط فى المجون، واكتمها. قال: لا، والله لا أكتمها خوفا! وإن قضى شىء كان! فنمى الخبر إلى الفضل بن الربيع ثم إلى الرشيد، فما كان بعد هذا إلا أسبوع حتى حبس.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى محمد بن سعيد، قال: حدثنى أبو هفان عن ابن الداية، قال: كان الرشيد أمر بحبس أبى نواس حتى يدع الخمر، فقال فى الحبس «٨٤»:
قل للخليفة إننى حتى أراك بكلّ باس «٨٥»
من ذا يكون أبا نوا سك إن حسبت أبا نواس
إن أنت لم ترفع به رأسا هديت فنصف راس
فقال له العتّابى: ما أحسن نصف رأس خليفة يرفع! فقال له: جعلنى الله فداءك يا أبا عمرو! لا تنبّههم لهذا فتهلكنى! أخبرنى الصولى، قال: حدثنا محمد بن يزيد، قال: حدثنا أحمد بن طيفور، عن أبى علىّ الأصفر؛ وحدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال:
حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: حدثنى أبو على الأصفر الضرير؛ وكان من رواة أبى نواس، قال: أنشدنى أبو نواس فى العباس بن عبيد الله مديحه الذى يقول فيه «٨٦»:
كيف لا يدنيك من أمل من رسول الله من نفره
فعلمت أنه كلام ردىء مستهجن موضوع فى غير موضعه، وأنّه مما يعاب به؛ لأنّ من حقّ الرسول ﷺ أن يضاف إليه، وألّا يضاف إلى أحد. فرأى ذلك فى وجهى، فقال
[ ٣٤٩ ]
لى: ويلك! إنما أردت [١٦٢] أنّ رسول الله ﷺ من القبيل الذى هو منه؛ كما قال حسان «٨٧»:
وما زال «٨٨» فى الإسلام من آل هاشم دعائم عزّ لا ترام ومفخر
بهاليل «٨٩» منهم جعفر وابن أمّه علىّ ومنهم أحمد المتخيّر
فقال: «منهم» كما قلت «من نفره»؛ أى من النفر الذين العباس منهم، فما تعيب من هذا؟ قال أبو على: فعلمت أنّ هذا ضرب من الاحتيال.
قال: فقلت له: أرأيت قولك «٩٠»:
وابن عمّ لا يكاشفنا قد لبسناه على غمره
كمن الشّنآن فيه لنا ككمون النار فى حجره
كمن: استتر. والشنآن: الغمر «٩١» . فقال: رددت التذكير إلى النور، ومثل هذا فى أشعارهم كثير إن فتّشته.
قال ابن أبى طاهر: وسمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا يقول: قال الكسائى، وسئل عن هذا البيت: إنما أراد فى حجرها، فغلط.
أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد، قال: حدثنا محمد بن هاشم السّدرى، قال: لقيت أبا نواس بمدينة السلام، فقلت له: فررت من بلدنا، ورغبت عن مصرنا؛ والله ما فعلت ذلك إلا لتخفى سرقتك للشعر! فقال لى:
اسمع ما أنشدك، فإن وقفت على حرف مأخوذ، وزعمت أنك سمعته لأحد أو علمت أنّ أحدا يقول مثله فدمى لك رهن به وأنت فتى الدنيا وراوية البصرة! قال: وأنشدنى شعره:
[ ٣٥٠ ]
وذى حلف فى الراح قلت له اصطبح فليس على أمثال تلك يمين
كميتا تخطّاها الزمان فقد أتت سنون لها فى دنّها وسنون
كأن سطورا فوقها فارسية تكاد وإن طال الزمان تبين
لدى نرجس غضّ القطاف كأنه إذا منحناه العيون عيون
مخالفة فى شكلهنّ فصفرة مكان بياض، والبياض جفون
فصدّق ظنى صدّق الله ظنّه إذا ظنّ خيرا والظنون فنون
قال: فقلت له: أحسنت والله وأجدت، وأنت والله أشعر أهل مصرك. قال: إى والله وأشعر الجنّ والإنس! قلت: نعم! لولا أنك لحنت، فأجريت نون الجمع، وهى منصوبة، وهذا لا يحسن بمثلك من أهل العلم. فقال: إنّ القوافى تحتمل هذا، ومثله كثير، أما سمعت قول سحيم بن وثيل الرياحى «٩٢» [١٦٣]:
أخو خمسين مجتمع أشدى وقد جاوزت حدّ الأربعين
قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: قال يوسف بن المغيرة اليشكرى لأبى نواس: أنت منقطع القرين فى البيت، وليس لشعرك اتّساق، وأنت كثير الإحالة. فقال له: فى أى شىء؟ فقال له: فى قولك تمدح الوزير، وإنما يمدح الوزير بمثل ما يمدح به القاضى «٩٣»:
أمشى إلى جنبها أزاحمها عمدا وما بالطريق من ضيق
كقول كسرى فيما تمثّله: من فرصة «٩٤» اللصّ ضجّة السّوق
[ ٣٥١ ]
وقلت فى قصيدتك اللاميّة «٩٥»:
وأنزلت حاجاتى بحقوى ٩» مساعد وإن كان أدنى صاحب ودخيل
وأصبحت ألحى السكر، والسكر محسن ألا ربّ إحسان عليك «٩٧» ثقيل
فاعترفت فى تلك القصيدة بتجميش النساء فى الطريق، وفى هذه بأنك تدبّ إلى منادميك؛ وعدّد عليه أشياء قد ذكرها.
وقد أغفل اليشكرى أشياء عيبت على أبى نواس فى هذا الشعر الذى على القاف؛ وفى غيره مما هو أشنع وأفحش مما نعاه عليه، وهو من الناس، كما قال العباس بن الأحنف «٩٨»:
من عابكم «٩٩» فهو لكم ظالم ما أنتم إلّا من النّاس
قال: وتأمل ابن الرومى قول أبى نواس للعباس بن عبيد الله الهاشمى «١٠٠»:
كيف لا يدنيك من أمل من رسول الله من نفره
وسمع طعن الرواة عليه فى أن جعل الرسول ﷺ مضافا إلى العباس بن عبيد الله وهوﷺ أولى بأن يضاف إليه العباس، فقال ابن الرومى يمدح إسماعيل بن بلبل:
قالوا أبو الصّقر من شيبان قلت لهم كلّا لعمرى، ولكن منه شيبان
وكم أب قد علا بابن ذرى شرف كما علا برسول الله عدنان
تسمو الرّجال بآباء، وآونة تسمو الرجال بأبناء وتزدان
المعنى هو الذى أراده أبو نواس فأخطأه. و[ابن «١٠١»] الرومى حيث قلب معنى أبى
[ ٣٥٢ ]
نواس، وفضّل الممدوح على آبائه لم يهمل مدح سلفه؛ وذلك أنه أتبع هذا القول بأن قال:
ولم أقصّر بشيبان التى بلغت بها المبالغ أعراق وأغصان [١٦٣]
حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: ناظرت أبا على البصير- وكان لا يرضى أبا نواس، ولا مسلم بن الوليد، ولا من كان فى طريقهما من الشعراء- فى شعر أبى نواس، وقلت له: والله لو كان لا يجيد فى كلّ فنّ قال فيه إلا فى بيت أو بيتين لكان من المحسنين المتفننين فى الإجادة، فمن أين تدفعه عن الإحسان! فقال لى: الشعر بين المدح والهجاء، وأبو نواس لا يحسنهما، وأجود شعره فى الخمر والطّرد، وأحسن ما فيهما مأخوذ مسروق، وحسبك من رجل يريد المعنى ليأخذه، فلا يحسن أن يعفى عليه، ولا ينقله حتى يجىء به نسخا؛ فمن ذلك قوله «١٠٢»:
وداونى بالتى كانت هى الداء
أخذه من قول الأعشى «١٠٣»:
وأخرى تدوايت منها بها
والذى أخذه منه أحسن مما قاله.
ومنه قوله «١٠٤»:
كان الشباب مطيّة الجهل «١٠٥»
أخذه من قول النابغة «١٠٦»:
[ ٣٥٣ ]
فإن يك عامر قد قال جهلا فإنّ مطيّة «١٠٧» الجهل الشباب
ومنه قوله:
لمّا تبدّى الصّبح من حجابه كطلعة الأشمط من جلبابه
أخذه من قول أبى النّجم:
كطلعة الأشمط من كسائه
وقوله:
تعدّ عين الوحش من أقواتها
أخذه من قول أبى النجم أيضا.
هذا إلى ما لا يوصف من أخذه وإغاراته فيما تقدمه الناس فيه، فما ظنك بما يتأخر فيه عن أصحابه. ولكنه رزق فى شعره أن سار، وحمله الناس، وقدمه أهل مصره مع كثرة لحن وإحالة، لو كشفتها لرميت بأكثر شعره. وإنه مع ذلك ليحسن كثيرا، فأما على ما يفرط فيه الجهال فلا.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون الكاتب، عن أحمد بن الحارث، قال: لقى أبا نواس مسلم بن الوليد، فقال له: يا حسن؛ حدثنى عن قولك «١٠٨»:
جريت مع الصّبا طلق الجموح وهان علىّ مأثور القبيح
لم جعلت فرسك جموحا، ولم سميت لهوك قبيحا؟ فقال: يا مسلم، الجموح أبعد الأفراس شأوا، وأبطؤها فتورا؛ وسميت لهوى قبيحا إيثارا للعقل لا اتّباعا للجهل.
قال ميمون: وقال لى غيره: اجتمع أبو نواس ومسلم يوما، فقال له مسلم: ما أعلم لك بيتا إلا مدخولا معيبا ساقطا؛ فأنشد أىّ بيت أحببت. فأنشد أبو نواس إنشاد المدلّ [١٦٥] «١٠٩»:
[ ٣٥٤ ]
ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحا وأملّه ديك الصباح صياحا
فقال له مسلم: قف عند حجّتك، لم أملّه صياحا وهو يبشّره بالصبوح الذى ارتاح له؟ فانقطع أبو نواس انقطاعا بيّنا، فجعل الجواب له معارضة، فقال له: أنشد أنت ما أحببت من شعرك! فأنشد مسلم:
عاصى الشباب فراح غير مفنّد وأقام بين عزيمة وتجلّد
فقال له أبو نواس: حسبك حيث بلغت! ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلا بانتقال من مكان إلى مكان، ثم قلت:
وأقام بين عزيمة وتجلّد
فجعلته منتقلا مقيما. فانقطع مسلم. وتشاغبا وافترقا. قال ميمون: والبيتان جيّدان، ولكن قلّ من طلب عيبا إلّا وجده.
حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: حدثنى أبو عبد الرحمن الضرير عبد الله بن يوسف السمرقندى الخارج مع سيّار بن رافع على المأمون- وكان راوية أديبا- قال: رأيت مسلم بن الوليد بجرجان، وهو يتولّاها مقدمى من مدينة السلام، فسألنى عمن خلّفت بها من الشعراء، فقلت له: خلفت بها كوفيّا وبصريّا قد غلبا على الشعراء؛ أمّا من الكوفيين فأبو العتاهية، وهو مقدّم عندهم. فقال: ومن أين يتقدم عندهم، وهو يقول:
رويدك يا إنسان لا أنت تقفز
أرأيت قوله: «تقفز» ! هل سكنت بين فكّى محسن قط. قلت: وأما من البصريين فالحسن بن هانئ؛ فإنه يتقدم عندهم جميع نظرائه فى فنون الشعر. فقال: ويحك! وكيف يكون كذلك، وهو يحيل فى كثير مما يقول، ويتخطّى صفة المخلوق إلى صفة الخالق ﷿؟ قلت: مثل ماذا من قوله؟ قال: أمّا ما أحال فيه فقوله «١١٠»:
[ ٣٥٥ ]
وأخفت أهل الشّرك حتى إنه لتخافك النّطف التى لم تخلق
فهذا مستحيل.
وقوله:
اسقنيها سلافة سبقت خلق آدما
فهى كانت إذ لم يكن ماخلا الأرض والسما
وأما ما تخطّاه من وصف المخلوق إلى صفه الخالق ﷿ فقوله:
يجلّ أن تلحق الصفات به فكلّ خلق لخلقه مثل
فهذا من الإغراق المستحيل فى العقول. «ومما ليس على مذهب العرب [١٦٦] ومما لا يستحسنه إلا جاهل قوله:
برىء من الأشباه ليس له مثل
وقوله «١١١»:
تكلّ عن إدراك تحصيله عيون أوهام الضمايير
تنتسب الألسن من وصفه إلى مدى عجز وتقصير
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: قد تقدم هذا الخبر من غير هذا الوجه، وفيه ههنا زيادة.
حدثنى بعض أصحابنا، عن محمد بن القاسم بن مهرويه، عن إسماعيل بن أبى محمد اليزيدى، قال: اختلف أخى إبراهيم بن أبى محمد وابن أخى أحمد بن محمد بن أبى محمد فى بيت أبى نواس، ونحن بمرو، وكان أحمد مقاربا لعمه إبراهيم فى السن، وهو «١١٢»:
رسم «١١٣» الكرى بين الجفون محيل عفّى عليه بكا عليك طويل
[ ٣٥٦ ]
فقال إبراهيم: والله ما هذا بكلام مطبوع ولا محسن! وقال أحمد: لقد أجاد فى المعنى وأحسن! فتراضيا بمن يحكم بينهما، واتفقا على مسلم بن الوليد- وكان يمرو- فسألاه، فقال مسلم: إن كان قول أبى العذافر العمّى:
باض الهوى فى فؤادى وفّرخ التذكار
حسنا فإنّ هذا حسن. فحكم لأخى.
وأنشد أبو العنبس فى معنى بيت أبى العذافر:
ضرام الحبّ عشّش فى فؤادى وحضّن فوقه طير البعاد
وأنبذ للهوى فى دنّ قلبى فعربدت الهموم على فؤادى
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الحسين بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، قال: لقى العتّابى أبا نواس، فقال له: يا أبا على؛ أما خفت الله حيث تقول:
وأخفت أهل الشّرك حتى إنه لتخافك النّطف الّتى لم تخلق
فقال له أبو نواس: فما خفت أنت الله حيث تقول «١١٤»:
ما زلت فى غمرات الموت مطرحا يضيق عنى وسيع الرأى «١١٥» من حيلى
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لى حتّى اختلست حياتى من يدى أجلى
فقال العتابى: قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك؛ ولكنك أعددت لكلّ ناصح جوابا.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون، عن أحمد بن خلاد، عن أبيه، قال: قال لى العتّابى- وتجارينا البديع من شعره قول أبى نواس «١١٦»:
لما بدا ثعلب الصدود لنا أرسلت كلب الوصال فى طلبه
[ ٣٥٧ ]
جاء به، والجليل يعتله «١١٧» منقلبا رأسه على ذنبه
فقال: والله إنه لشاعر، ولكن تمادى به حبّ البديع حتّى أغرق فيه.
حدثنى علىّ بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: أخبرونا عن عبد الله بن سلمة بن عيّاش، قال: بينا أنا أسير فى طريق أصبهان فإذا أنا برجل عليه فرو جالس إلى العين فى المنزل، فقال لى: ممن الرجل؟
فقلت: من أهل البصرة. قال: أنشدنى لأبى نواسكم شيئا، فإنه لو كشف استه كان أحسن من قوله «١١٨»:
وجه جنان أسراى بستان جمّع فيه من كلّ ألوان
قال: فأنشدته له، وسألته عن اسمه؛ فقال: كلثوم بن عمرو العتّابى.
حدثنى أبو عبد الله محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنى يموت بن المزرّع بن يموت، قال: حدثنى أبى، قال: إنى لفى يوم من أيامى بالمربد إذ أقبل رجل على راحلة، فتشوّف له النّاس. فقلت: من هذا؟ فقالوا: محمد بن مناذر. فعدلت إليه فقلت: سلام عليك أبا عبد الله! قال: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن يموت العبدى.
قال: كيف حالك؟ قلت: بخير! قال: من شاعر العراق اليوم؟ قلت: الحسن بن هانئ، قال: أفّ لك؟ هو الذى يقول:
فلو قد زرتنا بين سماع وقواقيز
شربنا أبدا صرفا على وجهك بالكوز
أفّ لكم! قلت: أبا عبد الله إن فى الحسن دعابة، وهو الذى يقول «١١٩»:
فقلت لها، واستعجلتها بوادر جرت فجرى فى جريهنّ عبير
ذرينى «١٢٠» أكثّر حاسديك برحلة إلى بلد فيه الخصيب أمير
فقال لى: خير هذا بشّر ذاك.
[ ٣٥٨ ]
أخبرنى الحسين بن محمد العرمرم، قال: أخبرنا محمد يزيد النحوى، قال: قد استظرف النّاس قول أبى نواس فى قدر الرّقاشىّ- ولا أراه حلوا لإفراطه، وهو «١٢١»:
ودهماء ترسيها رقاش إذا شتت مركّنة «١٢٢» الآذان أمّ عيال
يغصّ بحيزوم البعوضة «١٢٣» صدرها وينضج ما فيها بعود «١٢٤» خلال
وتغلى بذكر النّار من غير حرّها وتنزلها عفوا بغير «١٢٥» جعال
هى القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ربيع اليتامى عام كلّ هزال
وقال: ومثله قوله «١٢٦»:
عتّقت حتّى لو اتصلت بلسان ناطق وفم
لاحتبت فى القوم مائلة ثمّ قصّت قصّة الأمم [١٦٨]
ويستجيده خلق كثير، وليس عندى بالمحمود لما فيه من الإفراط.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى بنو نيبخت، قالوا: كان أبو نواس يعابث أحمد بن روح بن أبى بحر؛ وكان أحمد شاعرا مليحا؛ فهجاه أبو نواس بأبيات يقول فيها:
لارعى الله ابن روح وسّخ اسمى بلعابه
لعنة الله عليه وعلى فرج رمى به
فازبروه وانهروه وتواصوا باجتنابه
واقعدوا منه بعيدا وبعيدا من ثيابه
إنها عامرة الإص طبل من شهب دوابه
[ ٣٥٩ ]
فأجابه أحمد بن روح بأبيات منها:
ودعىّ عزّ قحطا ن جميعا بانتسابه
لو تحدّى الكلب بالشع ر تعالى عن جوابه
أورثته أمّه اللك ناء جهلا فى خطابه
فغدا العيّوق من كفّيه أدنى من صوابه
فقيل لابن روح: ما معنى قولك فيه:
«أورثته أمه اللكناء »
البيت؛ فقال: لقوله:
إنهما عامرة الإص طبل من شهب دوابه
فخفف الدوابّ.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنى ميمون بن هارون الكاتب، عن ابن أبى طاهر، عن يحيى بن حسان البصرى، قال: رأى أبو نواس غلاما حسنا، فأنشدنى بديها:
ومستطيل به الجمال على كلّ جميل عديم أشباه
لو كان للشمس حسن صورته لاستنكفت عن عبادة الله
فقلت: كفرت ويلك! قال: إنّ الله يغفر الذّنوب جميعا. فقلت: إنّ الله لا يغفر أن يشرك به! قال: أنت لا تعرف الشرك! أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: قال لنا المكتفى بالله: أىّ أبيات الشعر أهنك وأفجر قائلا؟ فقال له يحيى بن على: لا أعرف مثل قول أبى نواس «١٢٧»:
ألا سقّنى خمرا، وقل لى: هى الخمر! ولا تسقنى سرّا إذا أمكن الجهر
قال: فقلت له: إنّ المأمون أمر، وهو بخراسان، أن يخطب بهذا البيت على المنابر، ويقول الخاطب: يستحسن محمد قول من يقول مثل هذا.
[ ٣٦٠ ]