أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعىّ عن الأعشى- أعشى بنى قيس بن ثعلبة- أفحل هو؟ قال: لا، ليس بفحل. قلت له: ما معنى الفحل؟ قال: يريد أنّ له مزية على غيره كمزية الفحل على الحقاق «١»، قال: وبيت جرير يدلّك على ذلك، ثم أنشد «٢»:
وابن اللبون إذا ما لزّ فى قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس «٣»
حدثنى عمر بن بنان الأنماطى، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الأعلم، قال: حدثنا محمد بن سلّام، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا ابن سلّام، وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: لم يكن للأعشى بيت نادر على أفواه الناس مع كثرة شعره كأبيات أصحابه «٤» .
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن يزيد المبّرد، قال: أنشد عبد الملك بن مروان بيت الأعشى «٥»:
أتانى يؤامرنى فى الصّبو «٦» ح ليلا فقلت له غادها
فقال: أساء؛ ألا قال: هاتها.
_________________
(١) هو ميمون بن قيس، وكان أعمى، ويكى أبا بصير، عده ابن سلام من الطبقة الاولى من فحول الجاهلية، وادرك الإسلام فى آخر عمره، ورحل إلى النبى ﷺ ليسلم. فقيل له: إنه يحرم الخمر والزنا، فقال: أتمتع منهما سنة ثم أسلم؛ فمات قبل ذلك بقرية اليمامة. وترجمته فى الجزء الثامن من الأغانى (٧٤- ٨٣)، والمؤتلف ١٢، واللآلى، والجزء الأول من الحزانة (٨٣- ٨٦)، والشعر والشعراء ٢١٢، وطبقات ابن سلام ٥٤.
[ ٥٣ ]
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أبو بكر الباهلى، عن أبى عبيدة، قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أربعة من كبار الشعراء غلبوا بالكلام، منهم الأعشى هجا ابن عمه جهنّام فقال «٧»:
دعوت خليلى مسحلا ودعا له «٨» جهنّام جدعا للحمار المصلّم «٩»
ومسحل: شيطان الأعشى ويروى:
جدعا للهجين المذمّم «١٠» فما بوّأ «١١» الرحمن بيتك بالعلا
بأكناف شرقىّ المصلّى المحرّم
فقال جهنّام: لكن فناؤك به واسع يا أبا بصير. فغلبه.
ونابغة بنى جعدة حين يقول لعقال بن خويلد:
فما يشعر الرّمح الأصمّ كعوبه بثروة رهط الأبلخ «١٢» المتظلم
فقال عقال: لكن حامله يا أبا ليلى يشعر فيقدعه. فغلبه.
والأخطل قال لشقيق بن ثور- قال عمر: ويقال «١٣» قاله لسويد بن منجوف:
وما جذع سوء خرّق السوس «١٤» جوفه لما حمّلته وائل بمطيق
[ ٥٤ ]
فقال شقيق «١٥»: أبا مالك، أردت هجائى فمدحتنى، والله ما تحمّلنى ذهل أمرها وقد حمّلتنى أنت أمر وائل طرّا. فغلبه.
وفضالة بن شريك؛ قال لعبد الله بن الزبير:
وما لى حين أقطع ذات عرق إلى ابن الكاهليّة من معاد
فقال ابن الزبير: عيّرنى بشرّ جداتى، وهى خير عماته. فغلبه.
وحدثنى علىّ بن أبى منصور، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: لقى الأعشى عمرو بن عبد الله بن المنذر- وهو جهنّام- فشتم جهنّام الأعشى؛ فقال الأعشى «١٦» [٢١]:
فما أنت من أهل الحجون ولا الصّفا ولا لك حقّ الشّرب من ماء زمزم
فقال له جهنّام: لكنك يا أبا بصير من أهله.
وقال له الأعشى فى هذه القصيدة:
وما بوّأ الرحمن بيتك فى العلا بأجياد شرقىّ الصّفا والمحرّم
فقال له جهنّام: لكنك يا أبا بصير عريض المباءة بها. فغلبه بالكلام.
حدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثت عن الأصمعى أو غيره- والأغلب علىّ أنه الأصمعى- أنه سمع قول الأعشى «١٧»:
كأنّ مشيتها من بيت جارتها مرّ السحابة لا ريث «١٨» ولا عجل
فقال: لقد جعلها خرّاجة ولّاجة، هلّا قال كما قال الآخر:
ويكرمها جاراتها فيزرنها وتعتلّ عن إتيانهن فتعذر
أخبرنى محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى عمن ذكره.
وحدثنى على بن عبد الرحمن الكاتب، قال: حدثنى يحيى بن على، قال: حدثنى أبو هفّان، قال: زعم الأصمعى أنّ محمد بن عمران الطّلحى القاضى قال: تناظر ربعىّ ومضرىّ فى الأعشى والنابغة، فقال المضرى للربعى: شاعركم أخنث الناس حين يقول «١٩»:
[ ٥٥ ]
قالت هريرة لما جئت زائرها ويلى عليك وويلى منك يا رجل
فقال الربعى: أفعلى صاحبكم تعوّل حيث يقول «٢٠»:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتّقتنا باليد
لا، والله ما أحسن هذه الإشارة إلا مخنّث.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال:
حدثنا محمد بن موسى بن يحيى بن زيد بن النجّار الحنفى اليمامى، قال: حدثنى أبو بردة الثقفى اليمامى، قال: أدركت الناس وهم يزعمون أن أكذب بيت قالته العرب فى الجاهلية قول أعشى بنى قيس بن ثعلبة «٢١»:
لو أسندت ميتا إلى نحرها عاش ولم ينقل إلى قابر
قال أحمد بن أبى طاهر: كان الأعشى راوية المسيّب بن علس، والمسيب خاله، وكان يطرد شعره ويأخذ منه.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٢٢»: من الأشعار الغثّة الألفاظ، الباردة المعانى، المتكلّفة النسيج، القلقة القوافى، المضادّة للأشعار المختارة «٢٣»؛ قول الأعشى «٢٤»:
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا واحتلّت الغمر فالجدّين فالفرعا
لا تسلم منها خمسة أبيات؛ ونذكرها ليوقف على التكلف الظاهر فيها:
بانت وقد أسأرت «٢٥»
فى النفس حاجتها بعد ائتلاف وخير الود ما نفعا
تعصى الوشاة وكان الحبّ آونة ممّا يزيّن للمشغوف «٢٦» ما صنعا
[ ٥٦ ]
وكان شىء إلى شىء فغيّره «٢٧» دهر يعود على تشتيت ما جمعا
وأنكرتنى وما كان الذى نكرت من الحوادث إلا الشيب والصّلعا
قد يترك الدهر فى خلقاء «٢٨» راسية وهيا وينزل منها الأعصم الصّدعا
وما طلابك شيئا لست مدركه إن كان عنك غراب الجهل قد وقعا
وذكرها بأسرها.
وقال: فهذه القصيدة ستة وسبعون بيتا التكلف فيها ظاهر بيّن إلا فى ستة أبيات، وهى «٢٩»:
تقول بنتى وقد قرّبت مرتحلا يا ربّ جنّب أبى الأتلاف «٣٠» والوجعا [٢٢]
بذات لوث عفرناة «٣١» إذا عثرت فاللعن «٣٢» أدنى لها من أن أقول لعا «٣٣»
بأكلب كسراء النّبل «٣٤» ضارية ترى من القدّ فى أعناقها قطعا
يا هوذ إنك من قوم أولى «٣٥» حسب لا يفشلون إذا ما آنسوا فزعا
أغرّ أبلج يستسقى الغمام به لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا «٣٦»
لا يرقع الناس ما أوهى وإن جهدوا طول الحياة ولا يوهنون ما رقعا «٣٧»
[ ٥٧ ]
قال: وفيها خطأ «٣٨» ظاهر، ولكنها بالإضافة إلى سائر الأبيات نقية بعيدة من التكلف.
والذى يوجبه نسج الشعر أن يقول: يا ربّ جنب أبى الأتلاف والأوجاع، أو التلف والوجع «٣٩» .
ومثل هذه القصيدة فى التكلف وبشاعة القول قوله أيضا فى قصيدة «٤٠»:
لعمرك ما طول هذا الزمن «٤١»
فإن يتبعوا أمره يرشدوا وإن يسألوا ماله لا يضن
وما إن على قلبه غمرة وما إن بعظم له من وهن
وما إن على جاره تلفة يساقطها كسقاط اللّجن «٤٢»
ولم يسع «٤٣» فى الحرب سعى امرئ إذا بطنة «٤٤» راجعته بمكن
عليها وإن فاته أكلة تلافى لأخرى عظيم العكن
يرى همّه أبدا «٤٥» خصره وهمّك فى الغزو لا فى السّمن
فمثل هذا الشعر وما شاكله يصدئ الفهم ويورث الغم.
قال «٤٦»: ومن الأبيات المستكرهة الألفاظ، المتفاوتة النسج، القبيحة العبارة، التى يجب الاحتراز من مثلها قول الأعشى أيضا «٤٧»:
أفى الطّوف خفت علىّ الرّدى وكم من رد «٤٨» أهله لم يرم
أراد لم يرم أهله.
[ ٥٨ ]
قال: وقوله «٤٩»:
وأنكرتنى وما كان الذى نكرت من الحوادث إلا الشيب والصّلعا
فأى نكرة تكون أنكر من هذا عندها؟
وقوله «٥٠»:
رأت رجلا غابر الوافدين منتشل النّحض أعشى ضريرا
وقوله «٥١»:
صدّت هريرة عنّا ما تكلّمنا جهلا بأمّ خليد حبل من تصل؟
أإن رأت رجلا أعشى أضرّ به ريب المنون ودهر خائن «٥٢» خبل
قال: وقوله «٥٣»:
فرميت غفلة قلبه «٥٤» عن شاته فأصبت حبّة قلبها وطحالها
وقوله:
استأثر الله بالوفاء وبالعد ل وولّى الملامة الرجلا
أراد الإنسان.
قال «٥٥»: وينبغى للشاعر أن يحترز فى أشعاره ومفتتح أقواله مما يتطيّر منه، أو يستجفى من الكلام والمخاطبات، مثل ابتداء الأعشى بقوله «٥٦»:
ما بكاء الكبير بالأطلال وسؤالى وهل تردّ سؤالى
دمنة قفرة تعاورها الصي ف بريحين من صبا وشمال
[ ٥٩ ]
ومثله قول ذى الرّمّة «٥٧»:
ما بال عينك منها الماء ينسكب كأنّه من كلى مفريّة سرب «٥٨»
قال «٥٩»: وينبغى للشاعر أن يتفقّد مصراع كلّ بيت حتى يشاكل ما قبله [٢٣] . فقد جاء من أشعار القدماء ما تختلف مصاريعه، كقول الأعشى «٦٠»:
وإن امرءا أهداك بينى وبينه فياف تنوفات ويهماء خيفق «٦١»
لمحقوقة أن تستجيبى لصوته وأن تعلمى أنّ المعان موفّق
فقوله:
وأن تعلمى أنّ المعان موفق
غير مشاكل لما قبله.
وكقوله «٦٢»:
أغرّ أبيض يستسقى الغمام به لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا «٦٣»
فالمصراع الثانى غير مشاكل للأول، وإن كان كلّ واحد منهما قائما بنفسه.
وكقوله طرفة «٦٤»:
[ ٦٠ ]
ولست بحلّال التّلاع مخافة ولكن متى يسترفد القوم أرفد «٦٥»
فالمصراع الثانى غير مشاكل للأول.
أخبرنى محمد بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: حدثنى عمر بن شبّة فى قول الأعشى «٦٦»:
ونبّئت قيسا ولم آته وقد زعموا ساد أهل اليمن «٦٧»
فعيب عليه أو عابه قيس نفسه؛ فردّه فقال «٦٨»:
ونبئت قيسا ولم آته على نأيه
حدثنى عبد الله بن أحمد، عن أبى العباس المبرد، قال: قال الأعشى «٦٩»:
وتبرد برد رداء العرو س بالصّيف رقرقت فيه العبيرا «٧٠»
وتسخن ليلة لا يستطيع نباحا بها الكلب إلا هريرا
فتقبّل هذا الكلام واستحسن؛ ثم قيل فى عيبه: إنه أتى به فى بيتين وطوّل به الخطاب.
وأجود منه قول طرفة «٧١»:
تطرد البرد بحرّ ساخن وعكيك «٧٢» القيظ إن جاء بقر
[ ٦١ ]
وقيل: هذا أجمع وأخصر.
أخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنى حذيفة بن محمد الطائى، قال: حدثنا الأصمعى، قال: كنا فى حلقة يونس، فجاءنا مروان بن أبى حفصة، فقال: أيكم يونس؟ فأومأ إليه، فجلس فقال: أصلحك الله، إنى أرى أقواما يقولون الشعر، لأن يكشف أحدهم عن سوءته فيمشى فى الطريق أحسن به من أن يظهر مثل ذلك الشعر؛ وقد قلت شعرا أعرضه عليك؛ فإن كان جيدا أظهرته، وإن كان رديئا سترته. وأنشده «٧٣»:
طرقتك زائرة فحىّ خيالها
قال: فقال له: يا هذا، اذهب فأظهر هذا الشعر؛ فأنت والله فيه أشعر من الأعشى- يريد فى قوله «٧٤»:
رحلت سميّة غدوة أجمالها
فقال له مروان: قد سؤتنى وسررتنى؛ فأما الذى سررتنى به فلارتضائك الشعر، وأما الذى سؤتنى به فلتقديمك إياى على الأعشى. قال: نعم، إن الأعشى قال «٧٥»:
فرميت غفلة عينه عن شاته فأصبت حبّة قلبها وطحالها
والطحال لا يدخل فى شىء إلا أفسده، وأنت لم تقل ذاك.
وأخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، عن جده، عن عافية بن شبيب، قال: قال مروان: لما قلت قصيدتى:
طرقتك زائرة فحىّ خيالها
قصدت باب الخليفة، فجعلت طريقى على البصرة، فمررت ببشّار فأنشدته إياها، فقال: أحسنت، أنت أشعر فيها من الأعشى فى قصيدته التى على رويّها.
[ ٦٢ ]
قال عبد الله بن المعتز: عابوا على الأعشى قوله «٧٦»:
ونبئت قيسا ولم آته وقد زعموا ساد أهل اليمن «٧٧»
فعابوه بهذا الشك. ويقال: إن قيسا أنكر ذلك عليه فجعل مكان: «وقد زعموا» [٢٤]: «على نأيه» .
قال: ومما استضعف من معانيه قوله «٧٨»:
فرميت غفلة عينه عن شاته فأصبت حبّة قلبها وطحالها
وقد عابه قوم بذلك، لأنهم رأوا ذكر القلب والفؤاد والكبد يتردّد كثيرا فى الشعر عند ذكر الهوى والمحبة والشوق، وما يجده المغرم فى هذه الأعضاء من الحرارة والكرب، ولم يجدوا الطحال استعمل فى هذه الحال؛ إذ لا صنع له فيها، ولا هو مما يكتسب حرارة وحركة فى حزن ولا عشق، ولا بردا وسكونا فى فرح أو ظفر؛ فاستهجنوا ذكره.
قال: وعابوا عليه الإيطاء فى قوله «٧٩»:
وهل تطيق وداعا أيّها الرجل
وقوله «٨٠»:
ويلى عليك وويلى منك يا رجل
قال: وعابوا عليه استعماله الألفاظ العجمية فى شعره.
وأنكروا عليه قوله «٨١»:
لو أسندت ميتا إلى نحرها عاش ولم ينقل إلى قابر
قال: وأخبرنى بعض شيوخنا أنه أدرك الناس وهم يزعمون أن هذا البيت أكذب بيت قالته العرب «٨٢» .
[ ٦٣ ]