حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: تعلّق الناس على كثيّر بقوله «١»:
فإنّ أمير المؤمنين هو الذى غزا كامنات الصّدر منى فنالها
وقوله «٢»:
ترى ابن أبى العاص وقد صفّ «٣» دونه ثمانون ألفا قد توافت كمولها
يقلّب عينى حيّة بمحارة «٤» إذا أمكنته شدّة «٥» لا يقيلها [٦٨]
قال محمد: فقلت لابن أبى حفصة: من جودة مديحه هذا جعل دونه ثمانين ألفا! وجعله يقلّب عينى حيّة بمحارة، وجعل أمير المؤمنين غزا كامنات صدره؛ فقال: هذا النابغة قال لملك العرب «٦»:
احكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثّمد «٧»
فأمره أن يحكم بحكم فتاة.
_________________
(١) هو كثير بن عبد الرحمن بن جمعة، من خزاعة، ويكنى أبا صخر، ويعرف بكثير عزة لكثرة تشبيبه بها، وكان شاعر أهل الحجاز، وقدم على يزيد بن عبد الملك، ومدحه بقصائد جياد، فأعجب بهن يزيد. وكان لكثير فى التشيب نصيب وافر، وكان يتقول، ولم يكن عاشقا. وجعله ابن سلام فى الطبقة الأولى من فحول شعراء الإسلام. ومات سنة خمس ومائة فى ولاية يزيد بن الحكم. وترجمته فى الأغانى ٩- ٣، والشعر والشعراء ٤٨٠، وطبقات ابن سلام ٤٥٧، والخزانة ٢- ٣٧٦، واللآلئ ٧٧.
[ ١٨٩ ]
قال: وقال كثيّر لعبد العزيز بن مروان «٨»:
وما زالت رقاك تسلّ ضغنى وتخرج من مكانها «٩» ضبابى
ويرقينى لك الراقون حتى أجابك حيّة تحت الحجاب
وحدثنى على بن هارون، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن سلام عن أبيه، قال: ذاكرت مروان بن أبى حفصة جريرا والفرزدق وكثيّرا فذهب إلى تقديم كثيّر فى المدح، وجعل يطريه، ويقول: هو أمدحهم للخلفاء؛ فقلت: أمن جودة مدحه قوله لعبد الملك:
تر ابن أبى العاص وقد صفّ دونه ثمانين ألفا
وذكره والبيت الذى يليه- وهو الخليفة ودونه ثمانون ألفا، وجعله يقلب عينى حية، وقوله «١٠»:
وإن أمير المؤمنين هو الذى غزا كامنات الصّدر منى فنالها
زعم أن أمير المؤمنين غزا كامنات صدره فنالها؛ وقوله لعبد العزيز بن مروان:
وما زالت رقاك تسل ضغنى وتخرج من مكامنها ضبابى
ويرقينى لك الراقون «١١» حتى أجابك حيّة تحت الحجاب
زعم أنّ عبد العزيز ترضّاه، واحتال له، ورقاه حتى أجابه؛ أهكذا يمدح الملوك! فقال: أنتم وأهل الكوفة تعيبونه بهذا.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزّبير بن بكار، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر أنّ عبد الملك بن مروان غضب من قول كثير لعبد العزيز بن مروان:
فما زالت رقاك تسلّ ضغنى
[ ١٩٠ ]
وذكر البيتين. فبلغ ذلك كثيرا، [فقال] «١٢»: لله علىّ أن أقول مثلها فيه، وقال:
وإنّ أمير المؤمنين هو الذى غزا كامنات النّصح منى فنالها
فأشاح له عليها؛ أى أعرض له عن ذلك.
وحدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: قال محمد بن على لكثيّر: تزعم أنك من شيعتنا، وتمدح آل مروان؟ قال: إنما أسخر منهم، وأجعلهم حيات وعقارب، وآخذ أموالهم. وقد كان عتب على عبد العزيز بن مروان، فنفر عنه بعض النفور، فقال:
وكنت عتبت معتبة فلجّت بى الغلواء عن سنن العتاب
فما زالت رقاك تسلّ ضغنى وذكرهما.
فقال عبد الملك لعبد العزيز: ما مدحك، إنما جعلك راقيا للحيّات. فذكر ذلك عبد العزيز لكثيّر؛ فقال: قد فعلها! أما والله لأجعلنّه حيّة ثم لا ينكر ذلك. وقال لعبد الملك:
يقلّب عينى حيّة بمحارة أضاف إليها الساريات سبيلها
ويروى:
أضاف إليها السّيل وعرا سبيلها
يصدّ ويغضى وهو ليث خفيّة «١٣» إذا أمكنته عدوة لا يقيلها
فأعطاه عبد الملك وأحسن إليه.
أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال إسحاق الموصلى: ذكروا أنّ [٦٩] محمد بن على قال: ويحك يا كثيّر، أنت من شيعتنا.. وذكر مثله إلى آخره.
[ ١٩١ ]
حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، عن محمد بن سلام، عن أبان بن عثمان البجلى، قال: دخل كثير على عبد الملك فأنشده. وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب. قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن محمد بن سلام، قال: قال يونس: أنشد كثيّر عبد الملك مدحته التى يقول فيها «١٤»:
على ابن أبى العاصى دلاص حصينة أجاد المسدّى سردها وأذالها «١٥»
يؤود القوم حمل قتيرها ويستضلع القوم الأشمّ احتمالها «١٦»
فقال له عبد الملك: قول الأعشى «١٧» لقيس بن معدى كرب أحبّ إلىّ من قولك إذ تقول.
وقال ابن أبى خيثمة فى حديثه: ألا قلت كما قال الأعشى «١٨»:
وإذا تجىء كتيبة ملمومة خرساء يخشى الذائدون نهالها «١٩»
كنت المقدّم غير لابس جنّة بالسّيف تضرب معلما أبطالها
فقال: يا أمير المؤمنين، وصف الأعشى صاحبه بالطيش والخرق والتغرير، ووصفتك بالحزم والعزم. فأرضاه.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: رأيت أهل العلم بالشعر يفضّلون قول الأعشى فى هذا المعنى على قول كثير؛ لأن المبالغة أحسن عندهم من الاقتصار على الأمر الأوسط، والأعشى بالغ فى وصف الشجاعة حتى جعل الشجاع شديد الإقدام بغير
[ ١٩٢ ]
جنّة، على أنه وإن كان لبس الجنّة أولى بالحزم وأحقّ بالصواب، ففى وصف الأعشى دليل قوىّ على شدة شجاعة صاحبه؛ لأن الصواب له، ولا لغيره إلا لبس الجنّة.
وقول كثيّر يقصر عن الوصف.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزّبير بن بكار، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة، وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال:
حدثنا مصعب بن عبد الله، عن أبيه، قالا: دخل كثّير على عبد العزيز بن مروان فأنشده شعرا، فقال له بعض جلسائه: لحنت. قال: فى أى شىء؟ قال: فى قولك «٢٠»:
لا أنزر النائل الخليل إذا ما اعتلّ نزر الظّؤر لم ترم «٢١»
وإنما هو ترأم «٢٢» .
فقال له: اسكت. هكذا كلام قوى.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، قال «٢٣»: إنما كثّير صاحب كربج- يعنى الحانوت بالفارسية- يبيع الخبط والقطران.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزّبير بن بكار، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى عن الزّبير، قال:
حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أنّ عبد الملك بن مروان قال: لو قال كثّير بيته «٢٤»:
فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبة إذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت
[ ١٩٣ ]
فى حرب لكان أشعر الناس. ولو أنّ القطامى قال بيته الذى وصف فيه مشية الإبل قوله «٢٥»:
يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ولا الصدور على الأعجاز تتّكل
فى النساء لكان أشعر الناس.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، عن العتبى، قال:
قال عبد الملك بن مروان: ثلاثة أبيات [٧٠] لو قيلت فى غير ما قيلت فيه لكان أرفع لقدرها، منها قول كثّير «٢٦»:
فقلت لها يا عزّ كل مصيبة
البيت لو كان فى تقوى وزهد لكان أشعر الناس.
ومنها قوله فى غيره «٢٧»:
أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة لدينا ولا مقليّة إن تقلّت «٢٨»
لو كان هذا فى وصف الدنيا لكان أجود «٢٩» .
ومنها قول القطامى يصف الإبل: يمشين رهوا البيت- لو كان فى صفة النساء كان أبلغ وأحسن.
وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٣٠»، قال: سمعت الناس يستحسنون من قول كثير ويقدمونه فيه:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثّل لى ليلى بكلّ سبيل
قال: وسمعت من يطعن عليه فيه، ويقول: ما له يريد أن ينسى ذكرها؟
[ ١٩٤ ]
وحدثنا أحمد بن سليمان الطّوسى، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنى خالد بن وضاح مولى ابن الأشقر، عن عبد الأعلى بن عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحى، قال: كنت فى موكب المهدى يوما وهو يسير بين أبى عبيد الله وعمر بن بزيع، وأنا وراءه. فقال لهما: ما أنسب بيت قالته العرب؟ فقال أبو عبيد الله قول امرىء القيس «٣١»:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربى «٣٢» بسهميك فى أعشار «٣٣» قلب مقتّل
فقال المهدى: ليس هذا بشىء، هذا أعرابى جلف قحّ. فقال عمر بن بزيع: قول كثير:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثّل لى ليلى بكلّ سبيل
فقال: ولا هذا بشىء، ولم يريد أن ينسى ذكرها حتى تمثّل له؟ وذكر باقى الحديث.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن مسلم بن جندب، قال: سمعت أبى يقول: أنشدنى كثيّر قصيدته التى يقول فيها:
وهم أحلى إذا ما لم نترهم على الأحناك من رطب ابن طاب «٣٤»
قال: فقلت له: أفلا قلت من عسل اللّصاب «٣٥» ! قال: فعسل اللصاب والله.
[ ١٩٥ ]
حدثنا محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير، قال:
كتب إلىّ إسحاق بن إبراهيم يقول: حدّثنى سليمان بن عباية، قال: بلغنى أنّ كثّيرا قال:
والله إنى لأروى لجميل ثلاثين قصيدة لا يعرفها الناس ولا يرويها أحد غيرى.
قال الزبير: وحدثنى محمد بن حسن، قال: ذكر كثّير جميلا، فقال: أمتّ له ألف قافية- يقول: سرقتها فغلبت عليها.
حدثنى أحمد بن إبراهيم البزّاز، وأحمد بن محمد الجوهرى؛ قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل العدوى، قال: حدثنا عيينة بن المنهال المهلبى، قال:
حدثنا أبو عمرو المدينى؛ قال: أنشد كثير عزّة عبد الملك بن مروان قوله:
فما رجعوها عنوة عن مودّة ولكن بحدّ المشرفىّ استقالها
فقال للأخطل: كيف تسمع! قال: هجاك يا أمير المؤمنين. قال: بل حسدته. فقال الأخطل: ما قلت لك يا أمير المؤمنين أحسن من هذا حيث أقول:
أهلوا من الشهر الحرام فأصبحوا موالى ملك لا طريف ولا غصب
فجعلته لك حقّا وجعلك اغتصبته.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى؛ قال: حدثنى أبو يعلى عبيد الله بن [٧١] عبد الله الكاتب، عن عمر بن شبّة، قال: دخلت يوما عزّة على كثّير متنكرة فقالت: أنشدنى أشدّ بيت قلته فى حب عزّة. قال: قلت لها «٣٦»:
وجدت بها وجد المضلّ قلوصه بمكة والرّكبان غاد ورائح
قالت: لم تصنع شيئا، قد يجد هذا ناقة يركبها. فأطرق، ثم قال:
وجدت بها ما لم يجد ذو حرارة يمارس جمّات الركىّ «٣٧» النوازح
فقالت له: لم تصنع شيئا، يجد هذا من يسقيه. فأطرق. ثم قال:
وجدت بها ما لم تجد أمّ واحد بواحدها تطوى عليه الصفائح
[ ١٩٦ ]
فضحكت، ثم قالت: إن كان ولا بدّ فهذا.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات، قال:
أخبرنا الزّبير بن بكار، عن سعيد بن عمرو الزّبيرى، عن إبراهيم بن أبى عبد الله، قال:
أنشد كثّير ابن أبى عتيق «٣٨»:
ولست براض من خليل بنائل قليل ولا راض له بقليل
فقال ابن أبى عتيق: هذا كلام مكافئ وليس بعاشق؛ القرشيّان أصدق منك وأقنع:
ابن أبى ربيعة، وابن قيس الرّقيات، قال عمر «٣٩»:
فعدى نائلا وإن لم تنيلى إنما ينفع المحبّ الرجاء
وقال عمر «٤٠»:
ليت حظّى كطرفة العين منها وكثير منها قليل مهنّا
وقال ابن قيس:
ر قىّ بعمركم لا تهجرينا ومنيّنا المنى ثم امطلينا
عدينا فى غد ماشئت إنّا نحبّ ولو مطلت الواعدينا
فإمّا تنجزى عدتى وإمّا نعيش بما نؤمّل منك حينا
أخبرنى على بن يحيى، عن محمد بن زكريا الغلابى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن هشام بن سليمان، عن السائب بن ذكوان- وكان راوية كثّير- قال: قال لى كثير عزة يوما: اذهب بنا إلى ابن أبى عتيق نتحدّث عنده، فذهبنا إليه فاستنشده ابن أبى عتيق فأنشده:
أبائنة سعدى نعم ستبين
[ ١٩٧ ]
حتى بلغ قوله:
وأخلفن ميعادى وخنّ أمانتى وليس لمن خان الأمانة دين
فقال ابن أبى عتيق: يابن أبى جمعة «٤١»، وعلى الديانة تبعتها؟ فأنشده:
كذبن صفاء الودّ يوم محلّه وأدركنى من عهدهنّ رهون
فقال ابن أبى عتيق: يابن أبى جمعة، فذاك والله أصلح لهنّ، وأدعى للقلوب إليهن، كان عبيد الله بن قيس الرقيات أعلم بهنّ منك، وأوضع للصواب مواضعه فيهن حيث يقول:
حبّ هذا الدّلّ والغنج والتى فى طرفها دعج
والتى إن حدّثت كذبت والتى فى وعدها خلج «٤٢»
وترى فى البيت صورتها مثل ما فى البيعة السّرج
خبرونى هل على رجل عاشق فى قبلة حرج
قال: فسكن كثير، وقال: لا، إن شاء الله تعالى. قال: فضحك ابن أبى عتيق حتى كاد يغشى عليه.
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حكى الزبيريون أن مدينية عرضت لكثيّر فقالت: أأنت القائل. وأخبرنى على بن [٧٢] عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: قالت امرأة لكثير: أنت القائل «٤٣»:
فما روضة بالحزن طيّبة الثرى يمجّ النّدى جثجاثها «٤٤» وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهنا إذا أوقدت بالمندل «٤٥» الرطب نارها
[ ١٩٨ ]
قال: نعم. قالت: فض الله فاك، أرأيت لو أن ميمونة الزنجية بخّرت بمندل رطب أما كانت تطيب؟ ألا قلت كما قال سيدك امرؤ القيس «٤٦»:
ألم تر «٤٧» أنى كلما جئت طارقا وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
قال المبرد: الجثجاث: ريحانة طيبة الريح برّية، والعرار: البهار البرىّ، وهو حسن الصّفرة طيّب الريح، والمندل: العود، وقوله: موهنا، يقول بعد هدء من الليل «٤٨» .
وحدثنى محمد بن قريش، قال: حدثنا الحارث بن أبى أسامة، عن المدائنى، قال «٤٩»: لقيت امرأة كثيرا فى بعض طرق المدينة؛ وأخبرنى عبد الله بن مالك النحوى، قال: أخبرنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن أبيه، عن أبى المقوّم الأنصارى، عن السائب راوية كثّير، قال: لقيت امرأة كثّيرا فى بعض الطريق، فقالت: أنت كثيّر؟
قال: نعم. قالت: والله لقد رأيتك فما أخذتك عينى. قال: وأنا والله لقد رأيتك فما قذيت «٥٠» عينى. قالت: والله لقد سفل الله بك، إذ كنت لا تعرف إلّا بامرأة. قال:
والله ما سفل الله بى، ولكن رفع بها ذكرى، واستنار بها أمرى، واستحكم بها شعرى، فهى كما قلت «٥١»:
وإنى لا سمو بالوصال إلى التى يكون سناء «٥٢» ذكرها وازديارها «٥٣»
إذا خفيت «٥٤» كانت لعينك قّرة وإن تبد يوما لم يعمّمك عارها «٥٥»
[ ١٩٩ ]
قالت: مر «٥٦» فى قصيدتك، فقال:
وما «٥٧» روضة بالحزن طيّبة الثّرى يمجّ الندى جثجاثها وعرارها «٥٨»
لها «٥٩» أرج بعد الهدوء كأنما تلاقت به عطّارة وتجارها
بأطيب من أردان عزّة موهنا وقد أوقدت «٦٠» بالمجمر «٦١» الّلدن نارها
فقالت: فضّ الله فاك، والله لو فعل هذا بزنجية لطاب ريحها، ولامرؤ القيس ابن حجر كان أحسن وصفا لصاحبته منك حيث يقول «٦٢»:
خليلىّ مرّا بى على أم جندب لنقضى «٦٣» لبانات الفؤاد المعذّب
ألم تر أنى كلما جئت طارقا وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
وحدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: حدثنا عبيد الله بن إسحاق بن سلام، عن رجاله، قال: مدح كثّير بعض ملوك بنى مروان، فخرج ومعه الجائزة وعليه الخلع فتلقّته سوداء، فقالت له: أأنت كثير عزّة؟ قال: نعم. قالت: تبّا لك! أتعرّف بامرأة؟ قال: وما يضيرنى من ذاك؟ فو الله لقد رفع الله بها ذكرى، ونشر فيها شعرى، وأغزر بحرى. قالت: أفلست القائل: فما روضة بالحزن وذكرت الأبيات الثلاثة. ثم قالت: لو أوقدت بالمجمر اللدن نار زنجية لطاب ريحها؛ هلا قلت كما قال سيدك [٧٣] امرؤ القيس:
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب وذكر البيتين.
[ ٢٠٠ ]
فانصرف كثير، وهو يقول:
الحقّ أبلج لا يخيل «٦٤» سبيله والحقّ يعرفه ذوو الأحلام
وحدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، عن سليمان بن أبى شيخ، عن عوانة بن الحكم؛ وذكر مقتل أمير المؤمنين على بن أبى طالب صلوات الله عليه، وأمر قطام وعبد الرحمن بن ملجم، وتزويجها إياه ليقتل أمير المؤمنين عليّا ﵇، فبلغ كثّيرا ذلك، فقال: لآتينّها. فأتاها، فقالت قطام لكثير: تسمع بالمعيدى خير من أن تراه. فقال كثير «٦٥»:
رأت رجلا أودى السّقام «٦٦» بجسمه فلم يبق إلا منطق وجناجن «٦٧»
فإن أك معروق العظام فإننى إذا ما وزنت القوم «٦٨» بالقوم وازن
وإنى لما استودعتنى من أمانة إذا ضيّع الأسرار يا عزّ دافن «٦٩»
قالت: الحمد لله الذى قصّر بك فصرت لا تعرف إلا بعزّة، قال: والله ما قصر الله بى، فقد سار بها شعرى، وطار بها ذكرى، وقرب بها مجلسى، وطابت نفسى، وإنها كما قلت ووصفت. قالت: فكيف قلت؟ قال: قلت «٧٠»:
وإنا سمونا «٧١» بالوصال إلى التى وذكر البيتين.
فقالت له: مرّ فى قصيدتك. فقال:
من الخفرات البيض لم تر غلظة «٧٢» وفى الحسب الضّخم الرّفيع نجارها
[ ٢٠١ ]
وما روضة بالحزن طيبة الثرى.. وذكره والبيت الذى بعده.
قالت: فالله ما رأيت شاعرا قطّ أقلّ عقلا ولا أضعف وصفا منك، والله لو فعل هذا بزنجية لطاب ريحها؛ لامرؤ القيس أشعر منك وأوصف حيث يقول:
ألم تر أنى كلما جئت طارقا
البيت.
فقام كثير وهو يقول:
الحقّ أبلج ما يخيل سبيله والحقّ يعرفه ذوو الألباب «٧٣»
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنى محمد بن يحيى، عن محمد بن الربيع بن أبى جهمة الجندعى أنّ أباه مرّ على كثير بالروحاء وهو ينشد «٧٤»:
وكنت كذى رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت
فقال له: ويحك يابن أبى جمعة، منذ متى قيل هذا الشعر؟ قال: منذ زمان طويل.
قال: فهذا يقوله صاحبنا أميّة بن الأسكر. قال: هو ذاك يابن أبى جهمة، أنا أحظى به منه.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، قال: كتب إلىّ إسحاق بن إبراهيم يقول: حدثنى الأصمعى، عن عبد الرحمن بن أبى الزّناد، قال: مر أعرابى بكثير وهو ينشد:
أودّ لكم خيرا وتطّرحوننى أسعد بن ليث لاختلاف الصنائع
ويروى: وتتهموننى أكعب بن عمرو فنادى: عباد الله؛ هذا والله شعرى قلته. فقال كثير: إن يكن لك فما نفعك، وإلّا يكن لك فهو أبعد لك منه.
حدثنى محمد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن الزبير بن بكار،
[ ٢٠٢ ]
قال: حدثنى من له علم وثبت من قريش، فيهم عمى مصعب بن عبد الله، عن جدى عبد الله بن مصعب أنّ قول جميل «٧٥»:
أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا الهوى واستمرّت بالرجال المرائر [٧٤]
وهبها كشىء لم يكن أو كنازح به الدار أو من غيّبته المقابر
وهما فى قصيدته التى يقول فيها:
أألحقّ إن دار الرّباب تباعدت أو إن شطّ ولى «٧٦» أنّ قلبك طائر
قال الزبير: فأغار كثّير على البيتين، فأدخلهما فى قصيدته التى أولها:
عفا واسط من أهله والظواهر
قال الزبير: وحدثنى أبو سلمة موهوب بن رشيد الكلابى أنه سمع الضحاك بن عثمان الحزامى يقول: من أغزل أبيات قالتها العرب أبيات حسان بن يسار التغلبى حين يقول:
أجدّك إن دار الرّباب تباعدت أو انبت حبل أنّ قلبك طائر
أمت ذكرها واجعل قديم وصالها وعشرتها كبعض من لا تعاشر
وهبها كشىء قد مضى أو كنازح به الدار أو من غيبته المقابر
فقد ضلّ إلا أن تقضّى حاجة ببرق جفير دمعك المتبادر
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: تحامل الزبير بن بكار على كثير- فيما جمعه من أخباره، وبيّن عليه من سرقاته- ظاهر، وهو خصم لا يقبل قوله على كثيّر لهجاء كثير لولد عبد الله بن الزبير وانحراف الزبير عن أهل البيت ﵈.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن الزبير، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة وغيره- أن سكينة بنت الحسين قالت لكثّير حين أنشدها قصيدته التى أولها «٧٧»:
[ ٢٠٣ ]
أشاقك «٧٨» برق آخر الليل واصب «٧٩» تضمّنه فرش الجبا فالمسارب «٨٠»
تألّق واحمومى «٨١» وخيّم بالرّبى أحمّ الذّرى ذو هيدب متراكب
إذا زعزعته الريح أرزم «٨٢» جانب بلا خلف «٨٣» منه وأومض جانب
وهبت لسعدى ماءه ونباته كما كلّ ذى ودّ لمن ودّ واهب
لتروى به سعدى ويروى صديقها ويغدق أعداد لها ومشارب
أتهب لها غيثا عاما جعلك الله والناس فيه أسوة؟ فقال: يا بنت رسول الله ﷺ، وصفت غيثا فأحسنته وأمطرته وأنبتّه وأكملته؛ ثم وهبته لها. فقالت: فهلا وهبت لها دنانير ودراهم! قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٨٤»: من الأبيات التى زادت قريحة قائليها على عقولهم قول كثّير:
فإن أمير المؤمنين برفقه غزا كامنات الودّ منى فنالها
وقوله أيضا- يخاطب عبد العزيز بن مروان «٨٥»:
ما «٨٦» برحت رقاك تسلّ ضغنى وتخرج من مكامنها ضبابى
ويرقينى لك الرّاقون حتى أجابك حية تحت الحجاب
وقوله «٨٧»:
ألا ليتنا يا عزّ كنّا لذى «٨٨» غنى بعيرين نرعى فى الخلاء ونعزب [٧٥]
نكون لذى مال كثير مغفّل فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
[ ٢٠٤ ]
إذا ما وردنا منهلا هاج أهله إلينا فلا ننفكّ نرمى ونضرب «٨٩»
فقالت عزة: أردت بى الشقاء الطويل، ومن المنية ما هو أوطأ من هذه الحال «٩٠» .
قال: ولجنادة بن نجبة وهو أقبح من قول كثير «٩١»:
من حبّها أتمنى أن يلاقينى من نحو بلدتها ناع فينعاها
لكى «٩٢» أقول فراق لالقاء له أو تضمر «٩٣» النفس يأسا ثم تسلاها
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: أنشد بشار بيت كثّير «٩٤»:
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة إذا غمزوها بالأكفّ تلين
قال: فضحك وقال: لله أبو صخر! جعلها عصا ثم يعتذر لها، والله لو جعلها عصا أو عصا مخّ أو عصا زبد لكان قد أساء. ألا قال كما قلت «٩٥»:
وبيضاء المدامع «٩٦» من معدّ كأنّ حديثها قطع الجنان
إذا قامت لسبحتها «٩٧» تثنّت كأنّ عظامها من خيزران
قال: والخيزرانة كلّ غصن ليّن يتثنى. ويقال للمردىّ «٩٨» خيزرانة إذا كان يتثنى إذا اعتمد عليه.
[ ٢٠٥ ]
وأخبرنا محمد بن العباس، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، قال:
أنشد رجل بشارا وأنا حاضر قول الشاعر:
وقد جعل الأعداء ينتقصوننا وتطمع فينا ألسن وعيون
إلا إنما ليلى عصا خيزرانة إذا غمزوها بالأكفّ تلين
قال: فقال بشار: والله لو جعلها عصا مخّ أو عصا زبد لما كان إلا مخطئا مع ذكر العصا، ألا قال كما قلت:
وبيضاء المحاجر من معدّ كأن حديثها ثمر الجنان
إذا قامت لصحبتها تثنّت كأنّ عظامها من خيزران
ينسيك المنى نظر إليها ويصرف وجهها وجه الزمان
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، قال: أنشدت امرأة من قريش قول كثير «٩٩»:
أإن زمّ أجمال وفارق جيرة وصاح غراب البين أنت حزين
قالت: إذا لم يكن الحزن عند فراق الجيرة وحنين الإبل فأين يكون؟
[ ٢٠٦ ]