حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال:
حدثنى الرّياشى، قال: حدثنا الأصمعى، قال: لم يكن طرفة يحسن أن يتعشّق؛ قال فى قصيدته «١»:
أصحوت اليوم أم شاقتك هر ومن الحبّ جنون مستعر
أرّق العين خيال لم يقر طاف والركب بصحراء يسر
أى زارنى فى مكان لا يزار فيه. ثم قال الأصمعى: يقول هذا القول؛ إنه لم ينم ولم يهجع من حبها، ثم يقول «٢»:
وإذا تلسننى ألسنها إننى لست بموهون غمر «٣»
لا كبير دالف من هرم أرهب الليل ولا كلّ الظّفر
وقال ثعلب: «الظّهر» .
أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: أخبرنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قد عاب الناس قول طرفة «٤»:
أسد غيل فإذا ما شربوا وهبوا كل أمون وطمر «٥»
فقيل: إنما يهبون عند الآفة التى تدخل على عقولهم؛ وفضّلوا قول عنترة بن شداد العبسى «٦»:
_________________
(١) هو طرفة بن العبد بن سفيان. عده ابن سلام من شعراء الطبقة الرابعة فى الجاهلية. وكان أحدث الشعراء سنا، وأقلهم عمرا، قتل وهو ابن عشرين سنة؛ ويقال له ابن العشرين. وهو من أصحاب المعلقات. وترجمته فى ابن سلام ١١٥، والشعر والشعراء ١٣٧، والجزء الأول من الحزانة (٤١٢- ٤١٧)، واللآلئ ٣١٩، ومعاهد التنصيص ١٦٤.
[ ٦٤ ]
وإذا شربت فإننى مستهلك مالى وعرضى وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى وكما علمت شمائلى وتكرّمى
وحدثنى عبد الله بن أحمد، عن أبى العباس المبرّد، قال: عيب على طرفة بيته هذا.
وقيل: إنما يهب هؤلاء إذا تغيرت عقولهم؛ وإنما الجيد بيتا عنترة هذان؛ فخبّر أنّ جوده باق؛ لأنه لا يبلغ من الشراب ما يثلم عرضه؛ ثم قالوا: هو حسن جميل، إلا أنه أتى به فى بيتين؛ هلّا قال كما قال امرؤ القيس «٧»:
سماحة ذا وبرّ ذا ووفاء ذا ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر
وأخبرنى الصّولى، قال: عيب على طرفة قوله:
أسد غيل البيت.
فجعل إعطاءهم عند الشّرب؛ ويروى: «فإذا ما سكروا»، فتبعه حسان بن ثابت الأنصارى، فقال- وهو أعيب من الأول «٨»:
نولّيها الملامة إن ألمنا إذا ما كان مغث أو لحاء «٩»
ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا اللّقاء «١٠»
[٢٥] فقول طرفة خير من هذا؛ لأنه قال:
أسد غيل فإذا ما شربوا
فجعل لهم الشجاعة قبل الشرب، وحسان قال: نشرب فنشجع ونهب كأنّا ملوك إذا شربنا؛ فلهذا كان قول طرفة أجود، وقول عنترة أحسن؛ لأنه احترس من عيب الإعطاء على السكر وأن السكر زائد فى سخائه، فقال:
وإذا شربت فإننى مستهلك
[ ٦٥ ]
وذكر البيتين.
وقال زهير «١١»:
أخى ثقة لا تهلك الخمر ماله ولكنّه قد يهلك المال نائله «١٢»
فهذا من أحسن الكلام، يريد أنه لا يشرب بماله الخمر، ولكنه يبذله للحمد.
وقال البحترى «١٣»:
تكرّمت- من قبل الكئوس- عليهم فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرّما
[ ٦٦ ]