[١] حدثنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنا الحسين بن فهم، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، قال: تذاكروا بحضرة الأصمعى شعر العباس بن الأحنف، فتسخّطه؛ وقال:
ما يؤتى من جودة المعنى، ولكنه سخيف اللفظ؛ ألا ترى قوله «٤»:
اليوم مثل الحول حتّى أرى وجهك والساعة كالشّهر
إنّ الذى أضمر عند الذى أظهر كالقطرة فى البحر
لو شقّ عن قلبى قرى وسطه ذكرك والتّوحيد فى سطر
ثم قال «٥»:
يا من تمادى قلبه فى الهوى سال بك السيل وما تدرى
أبعد أن قد صرت أحدوثة فى الناس مثل الحسن البصرى
لعمرى إنّ الحسن البصرى مشهور، ولكن ليس هذا موضع ذكره.
أخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة، عن محمد بن يزيد النحوى، قال: قد عابوا على العباس بن الأحنف إدخاله فى الغزل هذا البيت «٦»:
فإن تقتلونى لا تفوتوا بمهجتى مصاليت قومى من حنيفة أو عجل
كما عيب على الفرزدق قوله «٧»:
يا أخت ناجية بن سامة إنّنى أخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى
_________________
(١) هو من بنى حنيفة، ويكنى أبا الفضل، وكان منشؤه بغداد، وكان صاحب غزل، ويشبه من المتقدمين عمر بن أبى ربيعة ولم يكن يمدح أو يهجو، وكان جوادا لا يحبس ما يملك. وترجمته فى الشعر والشعراء ٨٠٣، وطبقات ابن المعتز ٢٥٤.
[ ٣٦٢ ]
وقالوا. ما للمتغزل وذكر الأولاد والاحتجاج بطلب الثارات! هلا قال كما قال جرير «٨»:
قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا
وكما يروى عن ابن عباس رحمه الله تعالى [١٧٠]- فإنه وإن كان فى باب الجد أشكل بمذهب الغزل- وهو قوله:
هذا قتيل الحبّ لا عقل ولا قود
ولقد ملّح المحاربى فى قوله:
لما رأت مقتلى قالت لجارتها: لقد قتلت قتيلا ما له خطر
قتلت شاعر هذا الحىّ من مضر والله يعلم ما ترضى بذا مضر
فهذا على حال أقرب.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، عن المدائنى- أنه قال: العباس بن الأحنف فى الغزل مثل أبى العتاهية فى الزهد: يكثران الحزّ ولا يصيبان المفصل.
حدثنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن سنين، قال حدثنا محمد بن حبيب، قال: سمع ابن الأعرابى قول ابن الأحنف «٩»:
ولما رأت حرصى عليها تعجبت وحقّ على المعشوق أن يتعجبا
فقال: سبحان الله! إن خالق هذا وخالق رؤبة لواحد حين يقول «١٠»:
وقاتم الأعماق خاوى المخترق
[ ٣٦٣ ]
حدثنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: رآنى محمد بن بشار بن برد، وأنا أكتب شعر العبّاس بن الأحنف، وكنت أقرأ عليه شعر أبيه، فقال: والله لا أقرأتك شعر أبى، وأنت تكتب هذا! قلت: فإنى أتركه.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا أحمد بن يزيد المهلبى، قال: حدثنى أحمد بن حمدون، قال: أنشدت غصين بن برّاق الأسدى بيتى العباس بن الأحنف «١١»:
نزف البكاء دموع عينك فاستعر عينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكى بها أرأيت عينا للبكاء تعار
فحلف أن البيت الأول لرجل عندهم، وأنه لا يعرف الثانى.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: يروى أنّ العباس بن الأحنف دخل على الذّلفاء جارية ابن طرخان، فقال: أجيزى هذا البيت «١٢»:
أهدى له أحبابه أترجّة فبكى وأشفق من عيافة زاجر
فقالت «١٣»:
خاف التلّون إذ أتته لأنها لونان باطنها خلاف الظاهر
فقال: لئن ظهر هذا البيت لا دخلت لكم منزلا أبدا. ثم ضمّه إلى بيته.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن فهم، قال: سمعت العطوى يقول [١٧١]: كان العباس بن الأحنف شاعرا مجيدا غزلا، وكان أبو الهذيل يبغضه ويلعنه لقوله «١٤»:
إذا أردت سلّوا «١٥» كان ناصركم قلبى، وما أنا من قلبى بمنتصر
فأكثروا «١٦» وأقلّوا من إساءتكم فكل ذلك محمول على القدر
[ ٣٦٤ ]
فكان أبو الهذيل يلعنه لهذا؛ ويقول: يعتقد الكذب والفجور فى شعره.
قال الصولى: فأنشدنى محمد بن العباس اليزيدى، قال: سمعت أحمد بن عبد الله يقول: ما يروى للعباس بن الأحنف هجاء إلا هذا، وكان يستضعفه «١٧»:
يا من يكذب أخبار الرسول لقد أخطأت فى كل ما تأتى وما تذر
كذّبت بالقدر الجارى عليك، فقد أتاك منّى بما لا تشتهى القدر
قال الصولى: ولعل هذا فى أبى الهذيل.