حدثنى أحمد بن محمد المكى، قال: حدثنا أبو العيناء، عن مصعب بن عبد الله الزّبيرى؛ وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة؛ قالا: يروى أنه اجتمع «٩» بالمدينة راوية جرير وراوية نصيب وراوية كثّير وراوية جميل وراوية الأحوص، فادّعى كلّ رجل منهم أنّ صاحبه أشعر، ثم تراضوا بسكينة بنت الحسين، فأتوها فأخبروها، فقالت لصاحب جرير: أليس صاحبك الذى يقول «١٠»:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا حين الزيارة فارجعى بسلام
وأىّ ساعة أحلى للزيارة من الطروق «١١»، قبّح الله صاحبك وقبّح شعره.
ثم قالت لصاحب كثّير: أليس صاحبك الذى يقول «١٢»:
يقرّ بعينى ما يقرّ بعينها وأحسن شىء ما به العين قرّت
كأنى أنادى صخرة حين أعرضت من الصّم لو تمشى بها العصم زلّت «١٣»
صفوحا «١٤» فما تلقاك إلّا بخيلة فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت [٧٧]
خليلى هذا ربع عزّة فاعقلا قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلّت
[ ٢٠٩ ]
فليس شىء أحبّ إليهن ولا أقرّ لأعينهن من النكاح؛ أفيحبّ صاحبك أن ينكح! قبحه الله وقبّح شعره! ثم قالت لصاحب جميل: أليس صاحبك الذى يقول «١٥»:
فلو تركت عقلى معى ما طلبتها «١٦» ولكن طلابيها لما فات من عقلى
فإن وجدت نعل بأرض مضلّة من الأرض يوما فاعلمى أنها نعلى
خليلىّ فيما عشتما هل رأيتما قتيلا بكى من حب قاتله قبلى «١٧»
ما أرى لصاحبك هوى؛ إنما يطلب عقله، قبّح الله صاحبك وقبّح شعره.
ثم قالت لصاحب نصيب: أليس صاحبك الذى يقول «١٨»:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت فواحزانى من ذا يهيم بها بعدى
كأنه يتمنّى لها من يتعشّقها بعده؛ قبح الله صاحبك وقبح شعره؛ ألا قال:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت فلا صلحت دعد لذى خلّة بعدى
ثم قالت لصاحب الأحوص: أليس صاحبك الذى يقول:
من عاشقين تواصلا وتواعدا ليلا إذا نجم الثريا حلّقا
باتا بأنعم عيشة وألذّها حتى إذا وضح النهار تفرّقا
قبح الله صاحبك وقبّح شعره؛ ألا قال: تعانقا.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: فى هذا الخبر خطأ عند ذكر كثير؛ لأنّ البيت الذى أوله: يقرّ بعينى ما يقرّ بعينها للأحوص بن محمد.
قال محمد بن القاسم الأنبارى: أخبرنا عبد الله بن بيان، قال: قال الهيثم بن عدى
[ ٢١٠ ]
عن صالح بن حسان، قال: كانت عقيلة بنت عقيل بن أبى طالب تجلس للناس، فبينا هى جالسة إذ قيل لها: العذرى بالباب. فقالت: ائذنوا له. فدخل. فقالت له: أأنت القائل «١٩»:
فلو تركت عقلى معى ما بكيتها ولكن طلابيها لما فات من عقلى
إنما تطلبها عند ذهاب عقلك، لولا أبيات بلغتنى عنك ما أذنت لك، وهى «٢٠»:
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل إلى اليوم ينمى حبّها ويزيد
فلا أنا مرجوع «٢١» بما جئت طالبا ولا حبّها فيما يبيد يبيد
يموت الهوى منى إذا ما لقيتها ويحيى إذا فارقتها فيعود
ثم قيل: هذا كثير عزة والأحوص بالباب. فقالت: ائذنوا لهما. ثم أقبلت على كثير، فقالت: أما أنت يا كثير فألأم العرب عهدا فى قولك «٢٢»:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لى ليلى بكل سبيل
ولم تريد أن تنسى ذكرها؟ أما تطلبها إلا إذا مثلت لك! أما والله لولا بيتان قلتهما ما التفتّ إليك، وهما قولك:
فيا حبّها زدنى جوى كلّ ليلة ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
عجبت لسعى الدهر بينى وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدّهر «٢٣»
[ ٢١١ ]
ثم أقبلت على الأحوص فقالت: وأما أنت يا أحوص فأقلّ العرب وفاء فى قولك:
من عاشقين تراسلا فتواعدا ليلا إذا نجم الثريا حلّقا
بعثا أمامهما مخافة رقبة عبدا ففرّق عنهما ما أشفقا
باتا بأنعم عيشة وألذّها حتى إذا وضح الصباح تفرّقا [٧٨]
ألا قلت: تعانقا، أما والله لولا بيت قلته ما أذنت لك، وهو:
كم من دنىّ لها قد صرت أتبعه ولو صحا القلب عنها صار لى تبعا
ثم أمرت بهم فأخرجوا إلا كثيرا، وأمرت جواريها أن يكتفنه، وقالت له: يا فاسق، أنت القائل «٢٤»:
أإن زمّ أجمال وفارق جيرة وصاح غراب البين أنت حزين
أين الحزن إلا عند هذا؟ خرّقن ثوبه يا جوارى. فقال: جعلنى الله فداءك! إنى قد أعقبت بما هو أحسن من هذا. ثم أنشدها «٢٥»:
أأزمعت بينا عاجلا وتركتنى كئيبا سقيما جالسا أتلدّد «٢٦»
وبين التراقى واللهاة حرارة مكان الشّجا ما تطمئنّ «٢٧» فتبرد
فقالت: خلّين عنه يا جوارى. وأمرت له بمائة دينار وحلّة يمانية، فقبضها وانصرف.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، وأخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، ومحمد بن أبى الأزهر، قالا: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، [عن] «٢٨» أحمد بن يحيى النحوى، عن بعض رجاله، وحدثنى علىّ بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قال:
[ ٢١٢ ]
حدثنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: حدثنى عثمان بن حفص الثّقفى، وأخبرنى عمر بن داود العمانى، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الأسدى، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن أبى عبد الله الزبيرى- وبعضهم يزيد على بعض- أن عمر بن أبى ربيعة قدم المدينة فأقام بها حينا وأطال، ففى ذلك يقول:
يا خليلىّ قد مللت ثوائى بالمصلّى وقد شنئت البقيعا
بلّغانى ديار هند وسعدى وارجعانى فقد هويت الرّجوعا
ثم أراد الانصراف، فقال له الأحوص: أشيّعك. وخرج معه حتى نزلا ودّان، وبها منزل نصيب، فعارضهما وصار معهما، حتى إذا نزلوا الجحفة أو عسفان خرج الأحوص لحاجة له فرأى كثيّرا، فرجع فأخبرهما، فقال عمر: ابعثوا إليه ليصير إلينا. فقال الأحوص: أهو يصير إليك؟ هو والله أعظم كبرا من ذلك وأتيه. قال: فإذا نصير إليه.
فصاروا إليه، فوجدوه جالسا على فروة، فو الله ما رفع منهم أحدا، ولا أوسع لعمر بن أبى ربيعة، قال: فجلسوا إليه فتحدثوا قليلا، ثم أقبل على ابن أبى ربيعة فقال: يا عمر- وقال بعضهم: يا أخا قريش- والله والله لقد قلت فأحسنت فى كثير من شعرك، ولكنك تخطئ الطريق، تشبب بها ثم تدعها وتشبب بنفسك، اخبرنى عن قولك «٢٩»:
قالت لترب لها تحدثها «٣٠» لتفسدنّ الطواف فى عمر
ويروى:
قالت لأخت لها تعاتبها لتفسدنّ
قومى تصدّى له ليبصرنا ثم اغمزيه يا أخت فى خفر
ويروى:
قالت تصدّى له ليعرفنا
قالت لها قد غمزته فأبى ثم اسبطرّت تشتدّ «٣١» فى أثرى
[ ٢١٣ ]
أردت أن تنسب بها فنسبت بنفسك، والله لو وصفت بهذا هرّة أهلك- أو قال منزلك- كنت قد أسأت صفتها. أهكذا يقال للمرأة؟ إنما توصف بالخفر، وأنها مطلوبة ممنّعة؛ هلا قلت كما قال هذا- وضرب بيده على كتف الأحوص:
لقد منعت معروفها أمّ جعفر وإنى إلى معروفها لفقير
وقد أنكروا عند اعتراف زيارتى وقد وغرت فيها علىّ صدور [٧٩]
أزور ولولا أن أرى أمّ جعفر بأبياتكم ما زرت حيث أزور
قال ثعلب: «أدور»؛ وهى الرواية، وهكذا رواه المبرد. وقل فى آخره: ما درت حيث أدور.
أزور على أن ليس ينفكّ كلما أتيت عدوّ بالبنان يشير
وما كنت زوّارا ولكن ذا الهوى إذا لم يزر لابد أن سيزور
هكذا والله يكون الشعر وصفة النساء. فارتاح الأحوص وامتلأ سرورا وانكسر عمر.
ثم أقبل على الأحوص، فقال: وأنت يا أحوص، أخبرنى عن قولك «٣٢»:
فإن تصلى أصلك وإن تبينى «٣٣» بصرمك «٣٤» قبل وصلك لا أبالى
وإنى للمودّة ذو حفاظ أواصل من يهشّ إلى وصالى
وأقطع حبل ذى ملق كذوب سريع فى الخطوب إلى انتقال
ويلك! أهكذا يقول الفحول؟ أما والله لو كنت فحلا ما قلت هذا لها- وقال بعضهم: أما والله لو كنت من فحول الشعراء لباليت؛ هلا قلت كما قال هذا الأسود- وضرب بيده على جنب نصيب «٣٥»:
[ ٢١٤ ]
بزينب ألمم قبل أن يرحل «٣٦» الركب وقل إن تملّينا فما ملّك القلب
وقل إنّ قرب الدار يطلبه العدى قديما ونأى الدار يطلبه القرب
وقل إن أنل بالحب منك مودّة فما فوق ما لا قيت من حبكم حب
وقل فى تجنّيها لك الذنب، إنما عتابك من عاتبت فيما له ذنب
قال: فانتفخ نصيب، وانكسر الأحوص.
قال: ثم أقبل على نصيب فقال: ولكن أخبرنى عن قولك يابن السوداء «٣٧»:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت فواحزنى من ذايهيم بها بعدى
ودعد مشوب الدّل توليك شيمة لشكّ فلا قربى بدعد ولا بعدى
كأنك اغتممت ألّا يفعل بها بعدك- كذا لا يكنى- وقال بعضهم فى روايته: أيهمّك من ينكحها بعدك، والرجال أكثر مما تظن.
فقال بعض القوم لبعض: انهضوا فقد استوت القرقة «٣٨» . فلما خرجوا من عنده قال عمر: هذا أخبث مدخول عليه فى العرب.
قال المبرد: القرقة لعبة يلعب بها على خطوط فاستواؤها انقضاؤها، وهى تسمى الطّبن «٣٩»، والعامة تسميها السّدّر «٤٠» .:
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، عن العنزى، قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس السامى، قال: حدثنا أبو عمر حفص بن عمر، قال: حدثنا لقيط بن بكير المحاربى، قال: قدم البعيث على مسلمة بن عبد الملك، وذكر حديثا، قا فى آخره: ثم قال مسمة للبعيث: حدثنى من أشعر العرب. قال: أعيار «٤١» تركتها بالصمّان من بنى
[ ٢١٥ ]
حنظلة يكتدمون «٤٢» . قال: ومن هم؟ قال: الفرزدق، وجرير، وابنا رميلة- يعنى الأشهب، وزبّابا ابنى رميلة- والله، أصلح الله الأمير، ما منهم رجل إلا قد قال بيتا ما يسرّنى أنى قلته ولى حمر النعم. قال: وما قالوا؟ قال: قال الفرزدق [٨٠]:
لقد طوّفت فى كل حىّ فلم تجد لعورتها كالحى بكر بن وائل
أعفّ وأوفى ذمة يعقدونها وخيرا إذا وازى الذرى بالكواهل
فكيف يفخر على بكر بن وائل بعد هذا؟ وما يقول لقومه؟
وأما جرير فقال «٤٣»:
ردّى «٤٤» جمال البين ثم تحمّلى فمالك فيهم من مقام ولاليا
فأين يقيم ابن المراغة إذا لم يقم فى عشيرته وقومه.
وأما ابن رميلة فقال:
ولما رأيت القوم نالت رماحهم زبابا ونى شرّى وما كان وانيا
وكان أحرى ألا ينى شرّه حين شكّ القوم زبابا، يعنى ابن رميلة أخا الأشهب بن رميلة.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز: أخبرنا عمر أنّ شبّة، قال: يقال: إنه اجتمع على باب الوليد بن عبد الملك الفرزدق وجرير والأخطل والبعيث والأشهب بن رميلة، فدخل عليه داخل فقال: يا أمير المؤمنين، لقد اجتمع على بابك شعراء ما اجتمع مثلهم على باب ملك قطّ. ثم سمّاهم. فأمر بالفرزدق فأدخل أولهم، فاستنشده وحادثه. ثم أمر بالباقين فأدخلوا، وأخّر البعيث، فقيل له فى البعيث، فقال: إنه ليس كهؤلاء. فقيل له:
ما هو بدونهم. فأمر به فأدخل ثم استنشده، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ من حضرك ظنّوا أنك إنما قدمتهم علىّ لفضل وجدته عندهم لم تجده عندى. قال: أو لست تعلم أنهم أشعر
[ ٢١٦ ]
منك؟ قال: كلا، والله، ولأنشدنك من أشعارهم ما لو هجاهم أعدى الناس لهم ما بلغ منهم ما بلغوا من أنفسهم، أما هذا الشيخ الأحمق- وأشار إلى الفرزدق- فإنه قال لعبيد بنى كليب هذا- وأشار إلى جرير «٤٥» .
بأىّ رشاء يا جرير وماتح تدلّيت فى حومات تلك القماقم
فجعله تدلّى عليه وعلى قومه.
وأما عبيد بنى كليب- وأشار إلى جرير- فقال لهذا الشيخ:
لقومى أحمى للحقيقة منكم وأضرب للجبار والنقع «٤٦» ساطع
وأوثق عند المردفات عشية لحاقا إذا ما جرّد السيف لامع «٤٧»
فجعل نساءه سبايا بالغداة قد نكحن ووثقن فى عشيتهنّ باللحاق.
وأما هذا ابن النصرانية- يعنى الأخطل- فإنه قال «٤٨»:
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فأقّر بما أقرّ به وهنا وجبنا وضعفا.
وأما ابن رميلة الضعيف فإنه قال:
ولما رأيت القوم ضمّت حبالهم ونى ونية شرّى وما كان وانيا
فأقر أن شره ونى عنه وقت الحاجة إليه.
فقال له الوليد: لعمرى؛ لقد عبت معيبا. ثم استنشده وأحسن جائزته.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وذكر الفرزدق فى هذا الحديث غلط؛ لأنه ما ورد على خليفة قبل سليمان بن عبد الملك.
[ ٢١٧ ]
حدثنى أحمد بن عيسى الكرخى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا محمد بن سلّام الجمحى، قال: حدثنى حرير المدينى أبو الحصين، وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى [٨١]، قال: حدثنا احمد بن عبيد بن ناصح النحوى، قال: حدثنى الزّبارى محمد بن زياد بن زبّار الكلبى، قال: حدثنى رجل من أهل الشام؛ وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قالوا: اجتمع فى ضيافة سكينة بنت الحسين بن على رضوان الله عليهم جرير والفرزدق وكثير عزة وجميل والنّصيب، فمكثوا أياما، ثم أذنت لهم، فدخلوا فقدت حيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم، وأخرجت إليهم جارية لها وضيئة قد روت الأشعار والأحاديث، فقالت: أيكم الفرزدق؟ فقال الفرزدق: هأنذا.
قالت: أنت القائل «٤٩»:
هما دلّتانى من ثمانين قامة كما انقض باز أقتم الريش كاسره «٥٠»
فلما استوت رجلاى بالأرض قالتا أحىّ يرجّى أم قتيل «٥١» نحاذره
فقلت ارفعا الأسباب لا يشعروا بنا «٥٢» وولّيت فى أعجاز ليل أبادره «٥٣»
أحاذر «٥٤» بوّابين قد وكّلا بنا وأحمر من ساج «٥٥» تئطّ مسامره
فأصبحت فى القوم القعود «٥٦» وأصبحت مغلقة دونى عليها دساكره
يرى أنها «٥٧» أضحت حصانا وقد جرى لنا برقاها «٥٨» ما الذى أنا شاكره
[ ٢١٨ ]
ويروى: «فأصبح يرجوها حصانا» . قال: نعم، أنا قلته. قالت: ما دعاك إلى إفشاء سرك وسرّها؟ أفلا سترت على نفسك وعليها؟ خذ هذه الألف الدرهم وانصرف.
قال: بل تركها واللحاق بأهلى أجمل.
ثم دخلت وخرجت فقالت: أيكم جرير؟ قال: هأنذا. أأنت القائل «٥٩»:
طرقتك صائدة القلوب «٦٠» وليس ذا حين الزيارة فارجعى بسلام
تجرى السواك على أغرّ كأنه برد تحدّر من متون غمام
لو كان عهدك كالذى حدّثنا لوصلت ذاك فكان غير رمام «٦١»
إنى أواصل من أردت وصاله بحبال لا صلف ولا لوّام
قال جرير: أنا قلته. قالت: أفلا أخذت بيدها، ورحّبت بها، وقلت: «فادخلى بسلام» ! أنت رجل عفيف- وقيل ضعيف- خذ هذه «٦٢» الألفين والحق بأهلك.
وذكر باقى الحديث. وقال عمر بن شبة فى آخره: فقال جرير- يعيّر الفرزدق بقوله: هما دلّتا من ثمانين قامة:
تدليت تزنى من ثمانين قامة وقصّرت عن باع العلا والمكارم
وأخبرنا محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى، عن شعيب بن واقد، عن محمد بن سهل مولى بنى هاشم، عن أمه، قالت: حدثنى رجل من ثقيف أن جريرا والفرزدق ونصيبا وجميلا اجتمعوا فى موسم، فصاروا إلى سكينة بنت
[ ٢١٩ ]
الحسين، وعرّفوها أنفسهم، فبعثت إليهم بجارية لها أديبة ظريفة، فقالت: قولى للفرزدق: ألست القائل: هما دلتانى من ثمانين قامة؟ وذكر الأبيات- ما أحسنت، هتكت ستركما، وقد ستر الله عليكما؛ وأخرجت دراهم فدفعتها إليه. ثم دخلت وخرجت فقالت: أيكم القائل [٨٢] «٦٣»:
طرقتك صائدة القلوب البيت.
فقال جرير: أنا. فقالت: تقول لك مولاتى: ما أحسنت ولا سلكت طريقة الشعراء؛ أيكون وقت لا تصلح فيه زيارة الحبيب؟ ألا رحبّت وقرّبت وقلت: فادخلى بسلام. وأعطته دراهم. وذكر باقى الحديث.
وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الصغير، عن أبيه، عن الهيثم بن عدى، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، قال: مررت بالمدينة فعجت إلى سكينة بنت الحسين لأسلّم عليها، فألفيت على بابها الفرزدق وجريرا وكثّير عزة وجميل بن معمر والناس مجتمعون عليهم. فخرجت جارية لها بيضاء فقالت: يا أبا الزناد، شغلك شعراؤنا عن البعثة إلينا بالسلام. قال: قلت: أجل، وما أقبلت إلا للسلام عليكم. فدخلت ثم خرجت فقالت: أيكم الفرزدق؟ تقول مولاتى لك: أأنت القائل:
هماد دلّتانى من ثمانين قامة
.. وذكر الأبيات قال: نعم. قالت: سوأة لك، أما استحييت من الفحش تظهره فى شعرك؟ ألا سترت عليك؟ أفسدت شعرك.
ثم دخلت وخرجت فقالت: أيكم جرير؟ أأنت القائل «٦٤»:
سرت الهموم فبتن غير نيام وأخو الهموم يروم كلّ مرام
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا حين الزيارة فارجعى بسلام
قال: نعم. قالت: كيف جعلتها صائدة لقلبك حتى إذا أناخت ببابك جعلت دونها سترك؟
[ ٢٢٠ ]
ثم دخلت وخرجت فقالت: أيكم كثير؟ أأنت القائل «٦٥»:
وأعجبنى يا عزّ منك مع الصبا خلائق صدق فيك يا عزّ أربع
دنوّك حتى يذكر الذاهل الصّبا ورفعك أسباب الهوى حين يطمع
وانك لا تدرين دينا مطلته أيشتدّ من جرّاك أو يتصدّع «٦٦»
ومنهنّ إكرام الكريم وهفوة ال لئيم وخلّات المكارم تنفع «٦٧»
أدمت لنا بالبخل منك ضريبة فليتك ذو لونين يعطى ويمنع
قال: نعم. قالت: ما جعلتها بخيلة تعرف بالبخل، ولا سخية تعرف بالسخاء.
ثم قالت: أيكم جميل؟ أأنت القائل «٦٨»:
ألا ليتنى أعمى أصمّ تقودنى بثينة لا يخفى علىّ كلامها
قال: نعم. قالت: أفرضيت من نعيم الدنيا وزهرتها أن تكون أعمى أصم إلا أنه لا يخفى عليك كلام بثينة! قال: نعم. فوصلتهم جميعا وانصرفوا.
حدثنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة وأبو عثمان سعيد بن هارون الأشناندانى، عن التّوزى، عن أبى عبيدة، قال: لما قال ذو الرّمة «٦٩»:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النّقا أأنت أم أمّ سالم «٧٠»
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ولونك لولا حمشة فى القوائم «٧١»
[ ٢٢١ ]
أجابه جنىّ من حيث لا يراه:
أأنت الذى شبهت ظبية قفرة لها ذنب فوق استها أمّ سالم
وقرنان إما يعلقانك يتركا بجنبيك يا غيلان «٧٢» مثل المياسيم
قال: ولما قال نصيب:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت فيا حزنى من ذا يهيم بها بعدى
أجابه جنى من حيث لا يراه:
أتحزن أن أرفاغ دعد تفرّجت وأنت صدى بين الحفائر فى اللّحد
وأهون على دعد بفقدك أن ترى صملّا «٧٣» ينزّيها على هامة العرد «٧٤»
قال: ولما قال جرير «٧٥»:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة فارجعى بسلام
أجابه جنى فقال:
لقد قال «٧٦» رأى ابن المراغة إذ سرى إليه غزال فى خدور ظلام
فقال له من فرط لؤم وذلّة أيا طيف ذا المزدار، بن «٧٧» بسلام
فألّا، وأسباب الجهالة كاسمها، تقول: أقم يا طيف خير مقام
قال: ولما قال الفرزدق:
هما دلّتانى من ثمانين قامة كما انقضّ باز أقتم لريش كاسره
أجابه جنى فقال:
فلو كنت حرّا يا فرزدق لم تبح بمكنون ما لاقيت والليل ساتره
فأصبح منشورا «٧٨» من السرّ ما انطوى وألأم مأمون على السرّ ناشره
[ ٢٢٢ ]