كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أبو بكر العليمى، قال: حدثنا عبد الملك بن قريب، قال: كان النابغة الذبيانى تضرب له قبّة حمراء من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. قال: فأول من أنشده الأعشى: ميمون بن قيس أبو بصير، ثم أنشده حسان بن ثابت الأنصارى «١٧» .
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بنى العنقاء وابنى محرّق فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما «١٨»
فقال له النابغة: أنت شاعر، ولكنك أقللت جفانك وأسيافك، وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك.
وحدثنى علىّ بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا الزبير بن بكّار، قال: حدثنى عمّى مصعب بن عبد الله [٢٦]، قال: أنشد حسان نابغة بنى ذبيان قصيدته التى يقول فيها:
لنا الجفنات الغرّ
فقال له: ما صنعت شيئا؛ قلّلت أمركم؛ فقلت: جفنات وأسياف.
وأخبرنى الصولى، قال: حدثنى محمد بن سعيد، ومحمد بن العباس الرياشى، عن الرياشى، عن الأصمعى، عن أبى عمرو بن العلاء، كان النابغة الذبيانى تضرب له قبة
_________________
(١) هو حسان بن ثابت بن المنذر الأنصارى، كنيته أبو الوليد، وقيل أبو عبد الرحمن قدم المدينة وأسلم وله من العمر ستون سنة، أو إحدى وستون فهو من المخضرمين. وكان رسول الله ينصب له منبرا فى المسجد يقوم عليه ينافح عن رسول الله، وكان ذلك على قريش أشد من رشق النيل. وله ديوان شعر مطبوع، وأكثر شعره فى سيرة ابن هشام. وترجمته فى الشعر والشعراء ٢٦٤، والاستيعاب ٣٤١، والأغانى ٤- ٢، والخزانة ١- ١٠٨.
[ ٦٩ ]
بسوق عكاظ من أدم، فتأتيه الشعراء، فتعرض عليه أشعارها؛ فأتاه الأعشى، فكان أول من أنشده. ثم أنشده حسان بن ثابت قصيدته التى منها:
لنا الجفنات الغرّ
وذكر البيتين، فقال النابغة: أنت شاعر، ولكنك أقللت جفانك وأسيافك، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك.
قال الصولى: فانظر إلى هذا النقد الجليل الذى يدلّ عليه نقاء كلام النابغة، وديباجة شعره؛ قال له: أقللت أسيافك؛ لأنه قال: «وأسيافنا» وأسياف جمع لأدنى العدد، والكثير سيوف. والجفنات لأدنى العدد، والكثير جفان. وقال: فخرت بمن ولدت؛ لأنه قال: ولدنا بنى العنقاء وابنى محرّق. فترك الفخر بآبائه وفخر بمن ولد نساؤه.
قال: ويروى أنّ النابغة قال له: أقللت أسيافك ولمّعت جفانك. يريد قوله: لنا الجفنات الغرّ. والغرّة لمعة بياض فى الجفنة؛ فكأن النابغة عاب هذه الجفان، وذهب إلى أنه لو قال: لنا الجفنات البيض؛ فجعلها بيضا كان أحسن.
فلعمرى إنه أحسن فى الجفان إلا أنّ الغرّ أجلّ لفظا من البيض.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى ﵀: وقال قوم ممن أنكر هذا البيت فى قوله:
يلمعن بالضّحى، ولم يقل بالدّجى، وفى قوله: وأسيافنا يقطرن، ولم يقل يجرين؛ لأن الجرى أكثر من القطر.
وقد ردّ هذا القول؛ واحتجّ فيه قوم لحسّان بما لا وجه لذكره فى هذا الموضع.
فأما قوله: فخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك فلا عذر عندى لحسّان فيه على مذهب نقّاد الشعر.
وقد احترس من مثل هذا الزّلل رجل من كلب؛ فقال يذكر ولادتهم لمصعب بن الزبير وغيره ممن ولده نساؤهم:
وعبد العزيز قد ولدنا ومصعبا وكلب أب للصالحين ولود
[ ٧٠ ]
فإنه لمّا فخر بمن ولده نساؤهم فضل رجالهم، وأخبر أنهم يلدون الفاضلين؛ وجمع ذلك فى بيت واحد؛ فأحسن وأجاد.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قال حسان بن ثابت يرثى مطعم بن عدىّ فى أبيات- وهذا البيت ردىء عند أهل العربية؛ وذلك أنه قدّم المكنى على الظاهر، ومثله ربما جاز فى الضرورة «١٩»:
فلو كان مجد يخلد اليوم واحدا «٢٠» من الناس أبقى مجده اليوم مطعما
ونظيره قول الآخر «٢١»:
جزى ربّه عنى عدىّ بن حاتم جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
وإنما جاز «٢٢» هذا لأن المظهر يفسّر المضمر.
حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى إبراهيم بن عبد الصمد، قال:
حدثنا الكرانىّ، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع، قال: حدثنى الأصمعى، قال: طريق الشعر إذا أدخلته فى باب الخير لان؛ ألا ترى أنّ حسان بن ثابت كان علا فى الجاهلية والإسلام، فلما دخل شعره فى باب الخير- من مراثى النبى ﷺ وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهم- لان [٢٧] شعره. وطريق الشعر هو طريق شعر الفحول، مثل امرئ القيس، وزهير، والنابغة، من صفات الديار والرّحل، والهجاء والمديح، والتشبيب بالنساء، وصفة الحمر والخيل والحروب والافتخار؛ فإذا أدخلته فى باب الخير لان.
حدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حكى محمد بن عمر الجرجانى، وأخبرنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم؛ عن أبيه، قال: حدثنى محمد بن عمر؛ وحدثنى إبراهيم بن محمد العطار،
[ ٧١ ]
عن العنزى، قال: حدثنى على بن يحيى، قال: حدثنى محمد بن عمر الجرجانى، عن هشام بن محمد الكلبى، عن أبى المقوّم الأنصارى؛ وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى، عن أبى عمر حفص بن عمر العمرى، عن لقيط، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبى عمرة، عن أبيه؛ قالا: أرق حسان بن ثابت ذات ليلة، فعنّ له الشعر؛ وعنده ابنته ليلى فى خدرها، فقال بيتا «٢٣»:
متاريك أذناب الأمور إذا اعتزت أخذنا الفروع واجتنينا «٢٤» أصولها
ثم أجبل «٢٥» فلم يجد شيئا. فقالت له ابنته: يا أبتاه، كأنك أجبلت. قال: أجل؛ فقالت: فهل لك أن أجيز عنك؟ قال: نعم، قالت: أعد. فأعاد قوله. فقالت «٢٦»:
مقاويل بالمعروف خرس عن الخنا كرام يعاطون العشيرة سؤلها
قال: فحمى الشيخ، فقال:
وقافية مثل السنان رزينة «٢٧» تناولت من جوّ السماء نزولها
فقالت:
يراها الذى لا ينطق الشعر عنده ويعجز عن أمثالها أن يقولها
فقال حسان: لا أقول شعرا وأنت حيّة. قالت: أو أؤمّنك؟ قال: أو تفعلين؟
قالت: نعم، لا أقول شعرا ما دمت حيا «٢٨» . والحديث على لفظ البربرى.
وفضل أهل العلم قول امرئ القيس بن حجر «٢٩»:
من القاصرات الطّرف لو دبّ محول من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا «٣٠»
[ ٧٢ ]
على قول حسان «٣١»:
لو يدبّ الحولىّ من ولد الذرّ عليها لأندبتها «٣٢» الكلوم
وعيب على حسان قوله «٣٣»:
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم إذا تفرّقت الأهواء والشّيع
لأنه كان يجب: أن يقول: هم شيعة رسول الله ﷺ.
[ ٧٣ ]